الخطاب الديني والعنف ضد المرأة... هل ثمة علاقة؟

الخطاب الديني والعنف ضد المرأة... هل ثمة علاقة؟

الخطاب الديني والعنف ضد المرأة... هل ثمة علاقة؟


22/12/2025

بين حين وآخر تطلعنا المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي على حوادث عنف ضد المرأة، وفي الأسابيع الأخيرة شهد المجتمع المصري عدة جرائم قتل ضد زوجات بوساطة أزواجهن، الأمر الذي يكاد يصبح ظاهرة اجتماعية تلفت الانتباه إلى أنّه ثمة خلل ما يجب علاجه.

المرأة في مجتمعنا بشكل عام، وعلى مدار تاريخه، من أكثر الفئات التي تتعرض للعديد من الممارسات التي تعكس درجة كبيرة من القهر والمعاناة وغياب العدالة والمساواة، خاصة في الطبقات الوسطى والدنيا، وفي البيئات الحضرية الشعبية والريفية ما تزال المرأة في تلك البيئات يُنظر إليها على أنّها كائن من الدرجة الثانية، فتُمنع من الميراث، وتُجبر على الزواج في سن صغيرة، ولا يسمح لها بالكثير من الحقوق التي يتمتع بها الرجل، بالإضافة إلى تحملها أعباء كبيرة داخل الأسرة.

وعلى الرغم من تعدد الأسباب التي أسهمت في خلق الظواهر الاجتماعية بشكل عام، فإنّه فيما يتعلق بظاهرة العنف المتزايدة ضد المرأة، هناك بعض صور الخطاب الديني، خاصة ذلك الخطاب الذي تنتجه الحركة الإسلامية، لها دور كبير في هذه الظاهرة، ويعود ذلك إلى الحضور القوي لذلك الخطاب وتأثيره في المجتمع وقدرته على تشكيل ثقافة شريحة كبيرة منه.

فكيف يُسهم الخطاب الديني في صناعة ظاهرة العنف ضد المرأة؟

عنف متزايد وآثار اجتماعية خطيرة

العديد من المؤسسات المعنية بالمرأة أو برصد وتحليل الظواهر الاجتماعية بشكل عام، تراقب أوضاع المرأة في المجتمع وتصدر الإحصاءات والتقارير في هذا الإطار بشكل دوري، من هذه المؤسسات مؤسسة "إدراك للتنمية والمساواة" التي رصدت جرائم العنف ضد المرأة في آخر تقرير لها خلال النصف الأول من عام 2025م، وهي الخاصة فقط بالجرائم التي تم الإبلاغ عنها رسميًا، وهذا ربما بجانب أضعاف هذه الجرائم لم يتم الإبلاغ عنها لأسباب مختلفة، أبرزها ما يتسم به وضع المرأة في المجتمع من ضعف وقهر.

ووفقًا لهذا التقرير فإنّه تم رصد (495) جريمة عنف ضد المرأة في مراحل عمرية مختلفة، منها ((120 جريمة قتل على يد أحد أفراد الأسرة أو الزوج الحالي أو السابق بسبب خلافات مادية أو شك في سلوك المرأة، واللافت في الأمر أنّ النسبة الكبرى من هذه الجرائم وقعت في القاهرة والجيزة مقارنة بمحافظات الصعيد والدلتا والوجه البحري، ومن هذه الجرائم (36) جريمة قتل بوساطة فرد من خارج الأسرة، بالإضافة إلى (24) حالة شروع في القتل من فرد ينتمي إلى الأسرة أو زوج حالي أو سابق، ومن الجرائم أيضًا ((10 وقائع اغتصاب، و(53) واقعة ضرب مبرح نتج عنه كدمات وكسور وحروق وعاهات مؤقتة ومستديمة بعضها من أحد أفراد الأسرة، وبعضها الآخر من شخص غريب، هذا بجانب (122) واقعة تحرش جنسي، و(19) جريمة عنف رقمي، ومن الوقائع التي تم رصدها (22) حالة انتحار و(8) محاولات انتحار، ناتجة عن ضغوط تتعرض لها المرأة في محيط الأسرة، بجانب (5) حالات حبس ومنع من الحركة مقترنة بضرب وتعذيب، كما تم رصد حالتين تشويه بمادة حارقة.

هذا المعدل المتزايد من الجرائم، الذي لا يعبّر عن حجم الظاهرة بشكل حقيقي بسبب عدم قدرة الكثير من النساء عن الإبلاغ عمّا يتعرضن له من صور العنف المختلفة لأسباب تتعلق بطبيعة البيئة التي يعشن فيها وطبيعة وضع المرأة في المجتمع بشكل عام، يعكس حالة القهر التي تتعرض له المرأة وتعيش تحت وطأته، وما ينتج عن ذلك من ضعف الشعور بالأمان والسلام النفسي في المجتمع، الأمر الذي ينتج عنه آثار اجتماعية خطيرة. 

الخطاب الديني والصورة الذهنية عن المرأة

يُسهم الخطاب الديني، خاصة الخطاب السلفي المنتشر في المجتمع، في صناعة هذه الظاهرة وتعميقها، حيث يعمل على شرعنة العنف ضد المرأة من خلال الصورة الذهنية التي يرسخها داخل العقول عن المرأة وطبيعة علاقتها بالرجل والحقوق التي تتمتع بها في المجتمع.

فمن خلال العديد من الكتابات التي يصدرها دعاة ينتمون إلى تيار الإسلام الحركي، ومن خلال الصفحات الكثيرة التي يقوم عليها مؤثرون ينتمون إلى هذا التيار، نستطيع أن نتعرف على الصورة الذهنية التي يعملون على ترسيخها عن المرأة، والتي تتلخص في كونها لا تتساوى مع الرجل وأنّها تُعدّ في منزلة أقلّ منه، وأنّ الرجل له الحق في السيطرة عليها والتحكم فيها، وفق قراءات وتفسيرات معينة للنص الديني وآراء فقهية تنتمي إلى زمن سابق وبيئة مغايرة يستندون إليها.

 فعلى سبيل المثال يرى أحد رموز ومؤسسي الدعوة السلفية بالإسكندرية محمد إسماعيل المقدم في كتابه "المرأة بين تكريم الإسلام وإهانة الجاهلية" أنّ الرجل هو الأصل والمرأة فرع منه، فيقول: "دلت آيات القرآن على أنّ المرأة الأولى كان وجودها الأول مستندًا إلى وجود الرجل وفرعًا منه... فمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة لا يمكن أن تتحقق لأنّ الفوارق بين النوعين كونًا وقدرًا أوّلًا، وشرعًا منزلًا ثانيًا، تمنع من ذلك منعًا باتًا"، ويرى أنّ الرجل أكمل عقلًا من المرأة؛ "فقد فضّل الله الرجل في خلقته بقوة في الجسم والعقل كان بها أقدر على الكسب والحماية والدفاع الخاص بالأسرة، والعام للأمة والدولة. ومن مقتضى الفطرة اختصاص المرأة بالحمل والرضاع وحضانة الأطفال وتربيتهم وتدبير المنزل"، إذًا فالأمر من وجهة النظر هذه ليست فقط من قبيل تنظيم الأدوار بين الرجل والمرأة، بل لأنّ المرأة غير مؤهلة إلا لوظيفة الحمل والتربية وتدبير شؤون المنزل بسبب عدم كمالها الخلقي والعقلي، ويؤكد على هذه النظرة بقوله: "لا ينازع في تفضيل الله الرجل على المرأة في نظام الفطرة إلا جاهل أو كافر. الذكورة كمال خلقي وقوة طبيعية وشرف وجمال، والأنوثة نقص خلقي وضعف طبيعي". ويستشهد ببعض آيات من القرآن ويفسرها بأنّها تفضيل للرجل على المرأة ويقول: "وكل هذه الآيات القرآنية تدل على أنّ الأنثى ناقصة بمقتضى الخلقة والطبيعة، وأنّ الذكر أفضل منها وأكمل"، وكنتيجة لذلك فإنّه يرى أنّ "الأمور الكبرى والمصالح العامة يوفق فيها الرجال غالبًا، ويندر أن تفلح امرأة إلا أن يكون وراءها رجل". 

داعية سلفي آخر يطرح الأفكار نفسها حول طبيعة المرأة والفرق بينها وبين الرجل، هو الداعية السعودي بكر بن عبد الله أبو زيد عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية سابقًا، ففي كتابه "حراس الفضيلة" يقول: "خُلقت الأنثى من ضلع آدم عليه السلام، فهي جزء منه، تابع له، ومتاع له"، وأنّ "الذكر ليس كالأنثى في صفة الهيئة والخِلقة والتكوين، ففي الذكورة كمال خلقي، وقوة طبيعية، والأنثى أنقص منه خلقة وجِبلة وطبيعة"، ويرى أنّ "المرأة لا تُساوى بالرجل ولا تعلو فوقه أبدًا".

ويستند العديد من المؤثرين السلفيين على وسائل التواصل الاجتماعي على تفسير ابن كثير حين فسّر الآية (الرجال قوّامون على النساء) بقوله: "أي الرجل قيّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها، والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجّت (بما فضل الله بعضهم على بعض)، أي لأنّ الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال". ويرى عدد من الدعاة السلفيين أنّ الرجل هو سيد أهله، وأنّ الزوجة من الأفضل أن تنادي زوجها بـ "سيدي" أو بأيّ لقب قبل اسمه احترامًا وتبجيلًا.

الشيخ الشعراوي أيضًا يرى أنّ الزوج من حقه ضرب زوجته إذا حاولت أن تخرج عن الوضع المألوف أو المكانة التي تتمتع بها، أو إذا حاولت أن ترتفع عن الرجل، والضرب يكون لإعادتها إلى مكانتها الطبيعية، بشرط ألا يتسبب في كسر أو جرح. ويرى الداعية السلفي السعودي ابن باز أنّ الضرب رخصة أعطاها الله للزوج، للتأديب إذا دعت الحاجة إليها، بعد فشل وسيلة الوعظ والهجر.

ومن الصور الذهنية التي يُسهم هذا الخطاب في ترسيخها عن المرأة، وصفه للمرأة العاملة، في أحيان كثيرة، بأنّها مُنحلّة أخلاقيًا، وتعتمد في عملها على إقامة علاقات غير شرعية مع زملائها أو مدرائها من أجل تحقيق مكتسبات وظيفية أو كنوع من مقتضيات الوظيفة، ووصف المرأة التي تناقش زوجها فيما بينهما من أمور الحياة المختلفة بأنّها امرأة تتسم بالنشوز ولا تصلح للزواج، ويقول أحد المؤثرين السلفيين على موقع (فيسبوك) في ذلك: "المرأة يجب عليها طاعة زوجها في أمور النكاح وتوابعه ما دامت الطاعة في غير معصية، وهذا إجماع علماء المسلمين، فقبل أن يتزوج الرجل لا بدّ أن يعرف أوّلًا ما إذا كان الفتاة التي يرغب في الزواج منها تفهم الزواج بهذا الشكل، أم أنّها من الصنف الذي يرغب في مناقشة كل مسألة وترغب في الاقتناع أوّلًا. وفي أحد الاستطلاعات التي قام بها أحد المؤثرين السلفيين على موقع (فيسبوك) حول أهم صفة يريدها الرجل في زوجته، جاءت الغالبية من إجابات متابعيه في أنّها تنحصر في إجادة إعداد الطعام، وأن تلتزم بالطاعة.

خاتمة

يُرسّخ هذا النوع من الخطاب الديني عدة قناعات تتحول إلى حقائق مطلقة لدى شريحة من الناس، وما يزيد من رسوخها وقدسيتها أنّها تقدّم باعتبارها دينًا لا مجال معه للاجتهاد أو التغيير، وأبرز هذه القناعات أنّ المرأة أدنى مكانة من الرجل، وأنّ الرجل هو السيد المتحكم المهيمن على العلاقة، وأنّه الأصل في الحياة والمرأة فرع له، وأنّ الزوجة عليها الطاعة المطلقة فيما عدا المعصية، وأنّ المرأة ليس لها الحقوق نفسها التي يتمتع بها الرجل، وأنّه هو المسؤول عن تأديبها بوسائل مختلفة منها الضرب؛ وينتج عن هذا عدة نتائج أبرزها استعداد الرجل نفسيًا لممارسة العديد من ممارسات القهر والتحكم في المرأة، وما يستتبع ذلك من ممارسات عنيفة تصل إلى حدّ القتل في بعض الأحيان؛ الأمر الذي ينبغي معه الانتباه إلى جذور الظاهرة وأسبابها الحقيقية، وأبرزها هذا الخطاب الذي يحتاج إلى كثير من الإصلاح والتجديد. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية