كيف ضخم الإخوان أنفسهم؟

الإخوان بين تضخيم الذات ونفي الآخر

كيف ضخم الإخوان أنفسهم؟


17/01/2026

تتسم جماعة الإخوان بعدد من العيوب البنيوية التي نشأت وترسخت فيها منذ سنواتها الأولى، هذه العيوب تمثل الأصل الذي يتفرع منه العديد من السمات والممارسات، والكثير من الأخطاء والعيوب الأخرى، وينتج عنها مشكلات وأزمات متنوعة تقع فيها الجماعة.

ومن أبرز هذه العيوب البنيوية ما يتعلق بنظرة الجماعة وصورتها الذهنية عن نفسها، وما ينتج عنها على الجانب الآخر من نظرتها إلى الآخر. فكيف تنظر الجماعة إلى نفسها، وإلى الآخر بشكل عام، وما آثار هذه النظرة؟

الأنا الإخوانية

يمثل البنا بالنسبة إلى الإخوان رمزًا عظيمًا، فهو المؤسس والمُنظّر، والمُلهَم كما قال عنه عمر التلمساني، والمُلهِم أيضًا في نظرهم، ومنذ اليوم الأول لتأسيس الجماعة والبنا يغرس في قلوب أتباعه بشكل دائم وفي كل مناسبة ما يولّد لديهم شعورًا بالتميز والاختلاف عن الآخر، حيث كان يصفهم بالعديد من الصفات التي تتسم بالمبالغة الشديدة، وقد تلقى أفراد الجماعة هذه الأوصاف والسمات جيلًا بعد جيل، لا على سبيل التحفيز والتشجيع، ولكن على اعتبار أنّها حقائق لا شك فيها، على أساسها يتعاملون مع الآخرين، وينتظرون من الآخرين أن يتعاملوا معهم على أساسها كذلك.

ويمكن الإشارة إلى العديد من الأمثلة على ذلك من خلال أحاديث البنا وكتاباته؛ فعلى سبيل المثال فإنّ جماعة الإخوان في نظر البنا هي المنقذ الذي أرسلته العناية الإلهية لإنقاذ البشرية ممّا هي فيه من تأخر وانحطاط، فيقول: "إنّ العالم حائر يضطرب، وكل ما فيه من النظم قد عجز عن علاجه ولا دواء إلا الإسلام، فتقدموا باسم الله لإنقاذه"، ويدعو الناس جميعًا إلى سرعة الانضمام إلى ركب الإخوان حتى لا يكونوا من الخاسرين: "أيّها الشباب، أيّها الهائم يبغي الحياة، أيّها التائق لنصر دين الله... هنا الهداية والرشاد، فلتسارع إذن إلى الكتيبة الخرساء وتعمل تحت راية سيد الأنبياء، وليضمك معسكر الإخوان المسلمين." 

ويرى البنا أنّ منهج الإخوان ورؤيتهم ومشروعهم هو الطريق الوحيد الذي لا طريق غيره، وأنّ من يريد الإصلاح والتغيير الذي يهدف إلى نقل المسلمين من حالة الضعف والتأخر إلى حالة القوة فلا سبيل أمامه إلا باتباع الإخوان: "فمن تبعنا الآن فقد فاز بالسبق، ومن رغب عن دعوتنا زهادةً أو سخريةً بها أو استصغارًا لها أو يأسًا من انتصارها، فستثبت الأيام له عظيم خطئه، وسيقذف الله بحقنا على باطله فيدمغه فإذا هو زاهق."

 

بل ذهب البنا في نظرته إلى جماعته بعيدًا إلى الحدّ الذي تضخمت فيه وصار أفرادها في منزلة الصحابة، حيث يقول: "نحن أيّها الناس، ولا فخر، أصحاب رسول الله، وحملة رايته من بعده"، وإلى الحدّ الذي صار إليه منهجها ليس فقط مجرد فهم للدين، بل هو الدين ذاته، فيقول: "كيف يفهم الناس دعوة الإخوان؟ إنّ الأمر بسيط للغاية، فإن شاء القارئ أن يفهم دعوة الإخوان بشيء أوسع من كلمة الإسلامية، فليمسك بمصحفه وليجرد نفسه من الهوى والغاية، ثم يتفهم ما عليه القرآن، فيرى في ذلك دعوة الإخوان."

 

ويرى البنا أنّ جماعة الإخوان تختلف بشكل كبير عن كل الحركات الإصلاحية وكل التيارات الفكرية والسياسية، وأنّها جماعة لا مثيل لها بين الجماعات بسبب ما تتمتع به من سمات ومميزات لا تتوافر في غيرها، فيصف الجماعة بأنّها "روح جديد يسري في قلب هذه الأمة، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة"، ويقول في موضع آخر مبينًا للإخوان خصائص دعوتهم: "أحبّ أن تتبينوا جيدًا من أنتم في هذا العصر... أنّكم الغرباء الذين يصلحون عند فساد الناس، وأنّكم العقل الجديد الذي يريد الله أن يفرق به للإنسانية بين الحق والباطل، وأنّكم دعاة الإسلام، وحملة القرآن، وصلة الأرض بالسماء، ورثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفاء صحابته من بعده، وبهذا فضلت دعوتكم الدعوات، وسمت غايتكم على الغايات". ويرى أنّ الجماعة لديها نوع من الإيمان مختلف عن الآخرين، فيقول: "والفرق بيننا وبين قومنا بعد اتفاقنا في الإيمان بهذا المبدأ أنّه عندهم إيمان مخدّر نائم في نفوسهم لا يريدون أن ينزلوا على حكمه ولا أن يعملوا بمقتضاه، على حين أنّه إيمان ملتهب مشتعل قوي يقظ في نفوس الإخوان المسلمين."

 

ونتيجة لكل هذه السمات فإنّ جماعة الإخوان، في نظر البنا، لديها وعد بالنصر الإلهي إن آجلًا أم عاجلًا، فهي الفئة المؤمنة التي لا بدّ أن تنتصر على كل أعدائها في النهاية، فيقول: "اذكروا هذا جيدًا... لتعلموا أنّ الله قد كتب لدعوتكم من الإيمان والإخلاص والفهم والوحدة والتأييد والتضحية ما لم يكتبه لكثير من الدعوات"، ولذلك يرى أنّهم جديرون بالاستعلاء على الآخرين بسبب تلك المكانة التي يتمتعون بها وتلك السمات التي منحها الله لهم، فيقول: "هذه منزلتكم فلا تصغروا في أنفسكم، فتقيسوا أنفسكم بغيركم، أو تسلكوا في دعوتكم غير سبيل المؤمنين، أو توازنوا بين دعوتكم التي تتخذ نورها من نور الله ومنهاجها من سنة رسوله بغيرها من الدعوات".

 

الآخر في مرآة الإخوان

نتيجة لهذه الصورة الذهنية الراسخة داخل العقل الإخواني، ولطبيعة الشخصية الإخوانية التي تشكلت على هذا الأساس؛ تأتي النظرة إلى الآخر بشكل مبالغ فيه من التحقير والتهوين، ويأتي استعداد الجماعة الفطري لرفض الآخر واتخاذ موقف عدائي مسبق منه، وللصراع معه كصورة من صور الصراع بين الحق الذي تمثله الجماعة والباطل الذي يمثله الآخر.

 

ومن خلال كتابات البنا كذلك نستطيع أن ندرك طبيعة نظرته إلى الآخر، والآخر هنا يمثل كل من لا ينتمي إلى الجماعة أو يؤمن بأفكارها ويتفق مع مواقفها، فعلى سبيل المثال يتخذ البنا موقفًا سلبيًا من كل الأنظمة الحاكمة، فيقول: "ونحن لا نعترف بأيّ نظام حكومي لا يرتكز على أساس الإسلام"، ويرى أنّ الحكومة كي تكون إسلامية لا بدّ أن تتوافر فيها مجموعة من السمات: "والحكومة إسلامية ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدين لفرائض الإسلام غير متجاهرين بعصيان، وكانت منفذة لأحكام الإسلام"، ويرى بالتالي أنّ على الجماعة انتزاع الحكم من تلك الحكومات: "فالحكم من مناهجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله."

ومن الأمثلة كذلك على موقف البنا والإخوان من الآخر هو الموقف من الأقباط، حيث يرى أنّ العلاقة مع الأقباط لا تقوم على أساس المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، ولكن يرى أنّهم أقلّ درجة، فيقول: "ولا بأس بأن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة"، بل يصل الأمر إلى المقاطعة الاقتصادية معهم، فيرى أنّ من مقتضيات الانتماء إلى الإخوان "أن تخدم الثروة الإسلامية العامة بتشجيع المصنوعات والمنشآت الاقتصادية الإسلامية، وأن تحرص على القرش فلا يقع في يد غير إسلامية مهما كانت الأحوال، ولا تلبس ولا تأكل إلا من صنع وطنك الإسلامي." 

 كما أنّ موقفه من التيارات السياسية الأخرى يعكس تلك النظرة كذلك، حيث يرى عدم جدوى الأحزاب السياسية، وأنّها لا تتوافق مع الإسلام وتؤدي إلى الفرقة والانقسام، فيقول: "وبعد هذا كله أعتقد أنّ الإسلام، وهو دين الوحدة في كل شيء، لا يقرّ نظام الحزبية ولا يرضاه ولا يوافق عليه." 

وبجانب كل ذلك فإنّ البنا يرى أنّ كل المختلفين مع أفكاره ومنهجه بشكل عام مخطئون ولا يفهمون الإسلام، بما في ذلك المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر والإفتاء، والجماعات الإسلامية الأخرى، وبذلك لم يُعطِ أحدًا الفرصة في نقد أفكاره، أو الحق في الاختلاف معها، أو الإيمان بغيرها، ويعبّر عن ذلك بقوله: "وإنّما نعلن في وضوح وصراحة أنّ كل مسلم لا يؤمن بهذا المنهاج ولا يعمل لتحقيقه لا حظَّ له في الإسلام، فليبحث له عن فكرة أخرى يدين بها ويعمل لها."

 وتعكس هذه الصور الذهنية التي تقوم بتضخيم الذات والتقليل من الآخر طبيعة الشخصية الإخوانية كما يتم صناعتها داخل الجماعة، وتعكس أيضًا أزمتها الأساسية التي صنعتها هي بنفسها، وأنتجت عددًا كبيرًا من العيوب والأزمات، إضافة إلى عدد لا نهائي من الأخطاء؛ الأمر الذي يضع الجماعة في معضلة حقيقية لا يملك أحد حلها إلا هي، إن توافر لديها الوعي وتحققت لديها الإرادة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية