كيف أصبح تيار دار الإفتاء بقيادة الغرياني يمثل تهديداً مفتوحاً لمسار التسوية السياسية في ليبيا؟

كيف أصبح تيار دار الإفتاء بقيادة الغرياني يمثل تهديداً مفتوحاً لمسار التسوية السياسية في ليبيا؟

كيف أصبح تيار دار الإفتاء بقيادة الغرياني يمثل تهديداً مفتوحاً لمسار التسوية السياسية في ليبيا؟


08/12/2025

في وقت يُصعّد فيه الصادق الغرياني هجومه على الأجسام السياسية الليبية والبعثة الأممية، معتبرًا أنّ الحل يكمن في إلغاء الاتفاق السياسي وفرض "إرادة القوي"، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا انطلاق مسار "الحوار المهيكل"، بمشاركة نحو (120) شخصية من مختلف المناطق والتوجهات، في خطوة تهدف إلى توسيع قاعدة التوافق الوطني ودفع العملية السياسية إلى الأمام.

وأوضحت البعثة أنّ الحوار المهيكل ـ بوصفه جزءًا من خارطة الطريق المقدَّمة إلى مجلس الأمن في شهر آب (أغسطس) الفائت ـ سيضم نحو (120) عضوًا من مختلف المناطق والتوجهات السياسية والاجتماعية، وذلك بهدف توسيع شمول العملية السياسية ودعم جهود بناء التوافق الوطني.

تحديات كبيرة

في هذا السياق، يذهب الكاتب الليبي محمد محفوظ إلى أنّ البعثة الأممية تقف اليوم أمام تحديات كبيرة جدًا، مشيرًا إلى أنّ الحوار المهيكل يمر بعدد من العوائق البارزة، وفي مقدمتها أنّ أطرافًا فاعلة لم تقدّم حتى الآن ترشيحات ممثليها للمشاركة في هذا الحوار. وأضاف أنّ البعثة سبق أن أرسلت طلبات ترشيح إلى عدد من المؤسسات والجهات المعنية، غير أنّ هذه الأطراف لم تتفاعل معها بشكل إيجابي، الأمر الذي مثّل تحديًا مباشرًا تسبّب في تأخر انطلاق الحوار الذي كان من المقرر أن يبدأ أواخر شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

واستطرد محفوظ في حديثه لـ (حفربات) موضحًا أنّه ـ وفقًا لما تم تداوله ـ سيتم الإعلان عن تسمية أعضاء الحوار خلال الأفق المنظور، على أن تنطلق أولى جلساته خلال الأسبوع المقبل في  14كانون الأول (ديسمبر)، من العاصمة طرابلس، على أن تُعقد بقية الجلسات في مدن ليبية أخرى، مرجّحًا أن تكون الجلسة الافتتاحية  في العاصمة طرابلس.

وأشار إلى أنّ الحوار يواجه صعوبات إضافية، أبرزها وجود دول فاعلة، تتقدمها الولايات المتحدة، تدعم مسارات بديلة، وعلى رأسها مسار التقارب والتفاهمات بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وقائد القوات المسلحة خليفة حفتر. وأضاف أنّ هذا المسار يتضمن تنسيقًا عسكريًا يتم العمل عليه حاليًا، والتحضير لمناورات عسكرية مرتقبة في العام المقبل 2026، إلى جانب تنسيق اقتصادي يتعلق بملفات الإنفاق على التنمية، فضلًا عن الاتفاق الذي أُبرم قبل أسبوعين برعاية المصرف المركزي.

غير أنّ محفوظ استدرك بالتأكيد على أنّ ذلك المسار يظلّ مسارًا معقدًا وصعبًا، ومن غير المرجّح أن يُفضي إلى نتائج حاسمة في نهاية المطاف، وهو ما يجعل البعثة الأممية اليوم تراهن بشكل أساسي على عامل الزمن، موضحًا أنّ فترة الـ ((6 أشهر المخصصة لإدارة الحوار قد تسهم في دفع المجتمع الدولي نحو ممارسة ضغط أكبر، لا سيّما إذا تبيّن أنّ المسارات الأخرى الهادفة إلى التقريب بين الأطراف المتخاصمة لن تحقق النجاح المنشود، وعندها ـ كما يرى ـ لن يجد المجتمع الدولي والولايات المتحدة خيارًا سوى دعم مسار الحوار المهيكل.

وأضاف أنّ البعثة، حتى اللحظة، لا تمتلك أوراق ضغط كافية ولا أدوات تأثير قوية تمكّنها من إطلاق الحوار بشكل أكثر فاعلية، خاصة أنّ الخطة الزمنية كانت تنصّ خلال الشهرين الأوّلين على إنجاز المفوضية العليا للانتخابات، إلى جانب إصدار القوانين الانتخابية من قبل المجلسين، إلا أنّ هذا الهدف لم يتحقق حتى الآن، وهو ما يشكّل ـ بحسب وصفه ـ تحديًا واسعًا وبالغ الأهمية يضاف إلى سلسلة التعقيدات القائمة.

وخلص الكاتب الليبي محمد محفوظ، في ختام حديثه لـ (حفريات)، إلى إنّ الأطراف السياسية تواصل تصعيد مواقفها وتتجنّب الانخراط الإيجابي في مسار الحوار، الأمر الذي دفع البعثة الأممية إلى المضي قُدمًا في إطلاق الحوار بما يتوفر لديها من إمكانات، حرصًا على عدم إعطاء انطباع بفشل المسار برمّته، إذ إنّ عدم إنجاز الحوار المهيكل أو تأخر انطلاقه بشكل كبير قد يُفسَّر باعتباره فشلًا واضحًا للمسار السياسي بأكمله.

محاولة للكشف عن وجوه جديدة

إلى ذلك، كشفت وسائل إعلام محلية عن معلومات تفيد بأنّ البعثة الأممية لم توجّه أيّ دعوات للأشخاص الذين شاركوا في الحوار السياسي السابق في جنيف، إضافة إلى أعضاء اللجنة الاستشارية.

وبحسب ما أوردته منصة "فواصل"، فقد باشرت البعثة توجيه الدعوات إلى الأطراف المستهدفة للمشاركة في المسار السياسي الجديد، في إطار خطواتها لإطلاق حوار أكثر شمولًا وتمثيلًا.

واشترطت البعثة في المترشحين عدم التورط في أيّ انتهاكات لحقوق الإنسان أو للقانون الإنساني الدولي، وأكدت ضرورة ألّا يكون المشاركون منخرطين في خطاب الكراهية أو قضايا الفساد أو أيّ ممارسات غير أخلاقية، بما يضمن مشاركة مسؤولة وفعّالة في الحوار.

ويأتي "الحوار المهيكل" بوصفه أحد المكونات الرئيسية الثلاثة لخارطة الطريق الجديدة التي تعمل البعثة الأممية على تنفيذها.

ويُشار إلى أنّ هذا الاستبعاد يحمل دلالات سياسية تتجاوز الجانب الإجرائي، إذ يفسّره متابعون باعتباره مراجعة ضمنية لتجربة الحوارات السابقة، لا سيّما في ظل الاتهامات التي لاحقت عددًا من أعضاء ملتقى الحوار السياسي بشأن شبهات فساد وتأثيرات غير مشروعة على مسار العملية السياسية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مصداقية تلك المرحلة وانعكاسها على مستوى الثقة العامة في المسارات التي أُديرت سابقًا.

من جانبه، لفت الباحث الليبي محمد عادل امطيريد إلى أنّ خطوة البعثة الأممية بإطلاق مسار "الحوار المهيكل" تأتي في لحظة سياسية شديدة الحساسية، وفي سياق يتزامن مع تصاعد الهجوم من قبل تيار دار الإفتاء، ممثّلًا في الصادق الغرياني، على مختلف الأجسام السياسية الليبية وعلى البعثة نفسها. هذا التزامن، بحسب امطيريد، لا يمكن اعتباره محض مصادفة، بل يفتح الباب أمام تساؤلات جدّية حول دوافع البعثة الحقيقية، ومدى فرص نجاح هذا المسار الجديد، وما إذا كان يشكّل محاولة لإعادة هندسة العملية السياسية الليبية وفق مقاربة أكثر تحكّمًا وانتقائية في رسم مساراتها ومخرجاتها.

وفي هذا السياق، شدّد امطيريد في حديثه لـ (حفريات) على أنّ "الحوار المهيكل"، كما تطرحه البعثة، يقوم على صيغة تفاوضية مغلقة تعتمد انتقاء شخصيات محدّدة "وفق معايير خاصة"، تتمّ دعوتها بشكل مباشر من دون المرور عبر انتخابات أو تفويض شعبي واضح. ورغم أنّ هذه الآلية تبدو، في ظاهرها، محاولة للحد من حالة الارتباك السياسي وتوجيه النقاش نحو مسار أكثر تنظيمًا، إلا أنّها في جوهرها تمنح البعثة الأممية مساحة أوسع للتحكّم في تركيبة المشاركين وفي اتجاهات النتائج المتوقعة. وأوضح أنّ هذا الأسلوب قد يفاقم الحساسية السياسية القائمة، خاصة في ظل فقدان الثقة المتبادل بين الجزء الأكبر من الليبيين ومؤسسة البعثة، نتيجة تجارب سابقة انتهت إلى تعميق الانقسام بدل احتوائه.

وبحسب تقييمه للمشهد، فإنّ هذه الخطوة تحمل تداعيات محتملة، من أبرزها دخول العملية السياسية مرحلة جديدة من التجاذب الحاد، لا سيّما مع الأطراف التي تشعر بأنّها مستهدفة، أو مهمّشة، أو مستبعدة من آلية الحوار الجديدة. وحذّر من أنّ مخرجات هذا المسار قد تفضي إلى تشكيل جسم حواري غير متجانس، يفتقر إلى الشرعية الشعبية اللازمة، بما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الأزمة الليبية بدل الإسهام في حلّها. وفي المقابل، لفت إلى أنّ هذه الآلية قد توفّر لقوى دولية نافذة فرصة للتدخّل بصورة أكثر دقّة وانتقائية في عملية اختيار من يُقدَّم بوصفه ممثّلًا لليبيا في مسارات التسوية السياسية.

وفي ما يتعلّق بالهجوم المتصاعد من دار الإفتاء على الأجسام السياسية وعلى البعثة الأممية، استنتج امطيريد أنّه يعكس محاولة واضحة لفرض خطاب تعبوي تصعيدي يضع مختلف المؤسسات الفاعلة في دائرة الخصومة المباشرة. وأوضح أنّ هذه الحملة لا يمكن قراءتها كمجرّد موقف ديني أو سياسي عابر، بل بوصفها أداة ضغط منظّمة تهدف إلى التأثير في الرأي العام المحلي، وإعادة تموضع التيار الذي يمثّله الغرياني داخل المشهد السياسي، خصوصًا في ظل شعوره بأنّ الترتيبات الجديدة للحوار قد تتجاهله أو تقلّص من مساحة نفوذه وتأثيره. ومن ثمّ، يرى أنّ هذا التصعيد يمثّل مسعى استباقيًا لنسف شرعية الحوار المرتقب قبل انطلاقه، وإرباك الأطراف المعنية بالمشاركة فيه، وتهيئة الأرضية لصراع خطاب جديد يسبق الصراع السياسي نفسه.

وفي ختام تحليله، شدّد الباحث على أنّ مسار "الحوار المهيكل" يمكن اعتباره محاولة من البعثة الأممية لفرض نسق تفاوضي جديد على المشهد الليبي، غير أنّ توقيته الحساس، وآلياته الانتقائية في اختيار المشاركين، إلى جانب انعدام الثقة المتراكمة بين الأطراف المحلية والبعثة، جميعها عوامل تجعل هذا المسار محفوفًا بالمخاطر السياسية، وقد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الاستقطاب والتجاذب بين القوى الفاعلة على الأرض، بدل أن يشكّل مدخلًا حقيقيًا للتسوية والاستقرار.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية