
تشهد مالي منذ 2012 صراعًا معقدًا يجمع بين التمرد العرقي، والإرهاب الجهادي، والتدخلات الخارجية. وقد بدأ كتمرد طوارقي في الشمال، ثم تحول إلى حرب أهلية واسعة مع صعود الجماعات الجهادية، وتفاقم بعد انقلابين عسكريين 2020 و2021. حتى وصل اليوم إلى حصار العاصمة باماكو من قبل عناصر جماعات مرتبطة بالقاعدة، الذين يقطعون الإمدادات ويدفعون الدولة إلى الانهيار، حيث يسيطر الجيش الحاكم على المدن الرئيسية فقط، بينما تسيطر الجماعات المسلحة على 70% من الأراضي الريفية، وهو ما أدّى إلى مقتل آلاف المدنيين، ونزوح أكثر من (600) ألف شخص داخليًا وخارجيًا وشلل اقتصادي بسبب حصار الوقود والغذاء.
الصراع تاريخياً
بدأ الصراع في مالي تاريخياً عام 2012 بتمرد كبير للطوارق، بدأته (حركة تحرير أزواد) التي احتلت الشمال، ودفعت هذه الحرب العرقية القبلية إلى بزوغ الجهاديين وتدخلهم في المعارك، التي اعتبروها فرصة غير مسبوقة للتواجد في شمال مالي، وفي تلك الآونة انتقل جهاديون جزائريون إلى الجنوب، ليشاركوا في المعارك الدائرة، وهو ما أبرز جماعة المرابطين بقيادة مختار بلمختار، وتنظيم القاعدة في المغرب العربي بقيادة أبو مصعب عبد الودود.
في عام 2013 تدخلت فرنسا صاحبة النفوذ الكبير في دول الساحل والصحراء فيما يُسمّى (عملية برخان) لكي تدعم الحكومة، وكان هذا دافعًا للجهاديين لكي يستغلوا ذلك وينتشروا في الشمال والوسط.
في يوم الخميس 2 آذار (مارس) 2017 أعلنت عدة حركات وكتائب جهادية ناشطة في دولة مالي الاندماج في حلف واحد يبايع أيمن الظواهري أمير القاعدة، وهي كتائب "أنصار الدين، والمرابطون، والتوحيد والجهاد، وكتائب ماسينا"، وأطلقوا على الجماعة الجديدة "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، واختاروا الزعيم القبلي إياد أغ غالي أميرًا لهم.
جذبت الجماعة الجديدة التابعة للقاعدة عددًا كبيرًا من المجندين الموريتانيين، الذين أنشؤوا ما يُسمّى حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا، التي يقودها محمد بن خيرون، المعروف باسم أبو قمقم، الذي يسعى لفرض الشريعة هناك بالقوة، ويحيى أبو الهمام، ومعه ما يُسمّى بكتيبة "جند الأهوال"، وكتائب "الفتح" و"أبو بكر الصدّيق" و"الأرقم"، وهؤلاء يتركز نشاطهم في ولاية بومرداس، بالجزائر، ومجموعة "يحيى جوادي"، التي تضم عدة كتائب أساسية، ومنها: "كتيبة طارق بن زياد" بقيادة عبد الحميد عبيد، و"كتيبة الفرقان".
وقد أسهمت عدة انقلابات وصراعات داخل قيادة الجيش المالي في الفترة ما بين 2020، و2021، في الإطاحة بالحكومة المدنية وطرد القوات الفرنسية، بقيادة العقيد أسيمي غويتا، لكي تحلّ محلها روسيا (فيلق أفريقيا، بديل فاغنر)، لكنّ ذلك كان سببًا كبيرًا في استفحال خطر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين والجماعات المتشددة المتحالفة معها، حتى وصلت إلى حصار العاصمة باماكو اقتصاديًا.
خارطة القوى المتصارعة
القوة الأولى هي الجيش المالي الذي يقوده الآن العقيد عاصمي غويتا، رئيس المجلس العسكري الحاكم في باماكو منذ انقلاب 2021. وهو على رأس القيادة بدعم مباشر من فيلق أفريقيا الروسي (البديل الرسمي عن فاغنر)، لكنّه يواجه انهيارًا ميدانيًا واحتقانًا شعبيًا بعد حصار العاصمة ونقص الوقود والغذاء.
أمّا القوة الرئيسية الثانية، فهي جماعة نصرة الإسلام (JNIM)، التي عملت خلال العام الماضي على حكم المناطق الواقعة تحت سيطرتها حكمًا ذاتيًا، وعلى توسيع حواضن التواجد، والانطلاق من منطقة، ليبتاكو - غورما الواقعة في أجزاء من شمال مالي وبوركينا فاسو والنيجر حيث قبائل الفولاني، وشعوب الطوارق والغورما، والمقاطعات الخمس، أنسونغو، وغاو، وأودالان، وسوم، وسينو، والتمدد في قبيلة الطوارق، ومجتمعات العرب والسونغاي والبمبارا، والمجموعات العرقية الأخرى مثل الدوجون، وسهل سينو جوندو، ومينيانكا في منطقة سيكاسو، ومور وبيسا في أجزاء مختلفة من بوركينا فاسو.
يقود الجماعة إياد أغ غالي، الذي كان سفيرًا لبلاده في المملكة العربية السعودية، وهو موضوع الآن على قوائم الإرهاب العالمي، على اعتبار أنّه من القيادة المركزية لتنظيم القاعدة، وأحد أبرز وجوه الجماعات الإرهابية في الساحل والصحراء، وهو ينحدر من قبيلة إيفوغاس الطوارقية شمال مالي، وله جذور اجتماعية تمتد إلى جنوب الجزائر وغات الليبية، ويعاونه أمادو كوفا (Amadou Koufa): الرجل الثاني في JNIM وزعيم كتيبة ماسينا، الذي ينتمي إلى قومية الفولاني في وسط مالي، ويقود الهجمات في إقليمي موبتي وسيغو، ويتبنّى خطابًا أكثر تشددًا ضد الجيش والمدنيين.
وعلى الرغم من أنّ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تقدّم نفسها كجبهة موحدة للجهاد السلفي في منطقة الساحل، إلا أنّ هناك (4) مناطق عمليات متميزة، مدفوعة بديناميكيات محلية، وتشكّل تصرفات الجماعات المكوّنة لها.
يقول الخبيران دانييل إيزينجا وويندي ويليامز: تنافست جماعة نصرة الإسلام مع الجماعات الانفصالية الطوارقية الأخرى لتصبح لاعبًا رئيسيًا في شمال مالي وجنوب الجزائر. وأثبت أغ غالي أنّه لاعب سياسي ماهر في شمال مالي، حيث حافظ على روابط مع الزعماء العلمانيين في مجتمع الطوارق، واستخدم هذه العلاقات للحفاظ على سلامته ونفوذه السياسي. وفي حين أنّه وجماعته قد لا يكونان متورطين بشكل مباشر في الاتجار بالمخدرات أو التهريب غير المشروع، ولكن من الثابت أنّهما يبتزان أعضاء شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية في شمال مالي عن طريق فرض الضرائب على الطرق التي يعتمد عليها تجار المخدرات لنقل منتجاتهم.
كما أنّ تاريخ تعاون أغ غالي مع قيادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في الصحراء والمرابطون قد ربطه بشبكات تمتد عبر منطقة الساحل والمغرب العربي، حيث وفرا له إمكانية الوصول إلى عمليات تهريب راسخة عبر هذه المناطق، ممّا أدى إلى توليد إيرادات كبيرة لمنظماتهما.
القوة الثالثة في خارطة الصراع في مالي هي (تنسيقية حركات أزواد CMA)، وهي تحالف سياسي وعسكري من الطوارق والعرب يطالب بحكم ذاتي لإقليم أزواد شمال البلاد، وقادته الأبرز: بلال أغ الشريف، الأمين العام لحركة تحرير أزواد (MNLA)، ومحمد أغ إنتالا، رئيس المجلس الأعلى لوحدة أزواد، وأحمد أغ محمدي، القيادي الميداني في كيدال. وهذه الحركات خاضت حربًا ضد الجيش المالي بعد انهيار اتفاق الجزائر عام 2015.
القوة الرابعة هي تنظيم داعش (جماعة الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى ISGS): ويتواجد في شمال مالي كجزء من انتشاره في الصحراء، حيث تتزايد أنشطته في أنسونغو وأودالان وسينو وغاو في الصحراء الكبرى، ويفرض "الضرائب" القسرية وينخرط في سرقة الماشية من أجل تحقيق الإيرادات، لذا ظهر التنافس مع تنظيم نصرة الإسلام في هذه المناطق بديناميات التنافس القَبَليّ، في ظل اعتماد كلٍّ من التنظيمين على تحالفات إثنية وقَبَليّة تتداخل فيها العوامل الاجتماعية مع العوامل التنظيمية.
يقود تنظيم داعش في هذه المنطقة يوسف ولد شعيب، وأمية أغ البكاي، قائد العمليات العسكرية للجماعة في منطقة أربندا في "تيسي" و "إنتللت" بولاية غاوا، الذي تم إطلاق سراحه في أواخر حزيران (يونيو) 2023 في صفقة سرّية بين الجيش المالي وتنظيم الدولة، ودادي ولد شعيب، وكنيته "أبو دردار"، شقيق يوسف ولد شعيب، الذي تم اعتقاله ثم أفرج عنه في مالي بصفقة تموز (يوليو) 2023.
القوة الخامسة هي القوات الروسية (فيلق أفريقيا) التي تتولى دعم الجيش المالي بعمليات جوية واستطلاعية، لكنّها تكبدت خسائر كبيرة شمال البلاد، وما تزال عاجزة عن استعادة السيطرة في كيدال وتمبكتو.
ورغم وجود خمس قوى متصارعة على العاصمة المالية باماكو، كما أسلفنا، إلا أنّ سيناريو سيطرة نصرة الإسلام، وحلفاء القاعدة مرجح بقوّة، حيث ستكون مالي أول دولة يسيطر عليها تنظيم إرهابي تمّ تصنيفه إرهابيًا، ممّا يهدد بتوسع العمليات الإرهابية وانتشار الاضطهاد الطائفي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_37.jpg.webp?itok=6wh276E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_0.jpg.webp?itok=qs1bPkj6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_5.jpg.webp?itok=cE4hLx4N)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_6.jpg.webp?itok=Bl3yrVaF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_6.jpg.webp?itok=tGbymFvi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_0.jpg.webp?itok=zf-8RRpW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B4%D9%8A%D8%B1_5.jpg.webp?itok=Vx1QREdL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_9.jpeg.webp?itok=1guFm_Rm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_3.jpg.webp?itok=mmPC4udo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_5.jpg.webp?itok=0qOglt4v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_2.jpg.webp?itok=k4gxvtkD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_3.jpg.webp?itok=f_obAOzS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8600_1.png.webp?itok=Jd04hQlB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%81%D8%BA%D8%A7%D9%86_16.jpg.webp?itok=4bou4pnX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B1.png.webp?itok=WdA0_pf-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_129.jpg.webp?itok=aju99hfl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B10.jpg.webp?itok=CiRz0dt5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%81%D9%81_1.jpg.webp?itok=zXUGGeDE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_87.jpg.webp?itok=j3N6HAhd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)