الخراز يُحذّر: الإسلام السياسي يُعطّل التسوية في ليبيا، وتركيا توظّف الاقتصاد لخدمة أهدافها في شرق المتوسط

الخراز يُحذّر: الإسلام السياسي يُعطّل التسوية في ليبيا، وتركيا توظّف الاقتصاد لخدمة أهدافها في شرق المتوسط

الخراز يُحذّر: الإسلام السياسي يُعطّل التسوية في ليبيا، وتركيا توظّف الاقتصاد لخدمة أهدافها في شرق المتوسط


19/10/2025

أجرى الحوار: رامي شفيق

في ظلّ الحراك الإقليمي والدولي الساعي إلى تسوية الملف السياسي وكسر حالة الانسداد القائمة في ليبيا، تبدو مسارات التحرك التركي في الشرق الليبي لافتة، خاصةً بعد الوساطة التي قادتها أنقرة بين قوة الردع الخاصة وحكومة عبد الحميد الدبيبة.

وفي هذا السياق، أجرت (حفريات) حوارًا مع الكاتب الليبي حمد الخراز، الذي قدّم رؤيته حول طبيعة الحراك التركي في شرق ليبيا ومستوى فهمه في الإطار الاستراتيجي، إضافةً إلى قراءته لمخاطر أحزاب الإسلام السياسي في ليبيا ومدى دورها في تعطيل الحلول التنفيذية، لا سيّما على مستوى المجلس الأعلى للدولة وتحالف محمد تكالة مع عبد الحميد الدبيبة.

إلى ذلك، قال الخراز في حواره مع (حفريات): إنّ الجيش الليبي في الشرق يمتلك ورقة تفاوضية لافتة ومؤثرة في حواراته مع الجانب التركي، تتمثل في ملفات إعادة الإعمار والتنمية.

وأشار إلى أنّ وساطة تركيا بين جهاز الردع الخاص ورئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة لم تكن مجرد خطوة تكتيكية، بل رسالة توضح أنّ أنقرة ما زالت قادرة على هندسة التوازنات حتى في لحظات الارتباك الداخلي.

وأضاف الخراز أنّ الوجود التركي في ليبيا يبدو مرحلياً، ويتجه نحو تحقيق أهداف وظيفية، أبرزها سعي أنقرة إلى الحصول على عقود طويلة الأجل تضمن استمرار نفوذها الاقتصادي في البلاد.

نص الحوار:

  • كيف يمكن فهم مسارات مستقبل العلاقة بين تركيا والشرق الليبي في ظلّ التحولات الأخيرة؟ وإلى أيّ مدى ستستفيد أنقرة بعد نجاحها عبر وساطتها بين قوة الردع الخاصة ورئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة؟

ـ إنّ قراءة مستقبل العلاقات بين تركيا والفاعلين المحليين في الشرق الليبي تشير إلى إمكانية التوصل إلى تفاهمات كبيرة على خلفية المتغيرات السياسية في الشرق الأوسط، كما أنّ ذلك أيضاً يأتي عبر امتلاك الجيش الليبي ورقة سياسية تفاوضية  تتمثل في ملف ترسيم الحدود البحرية، إضافةً إلى المشاريع الكبرى في مجالات الإعمار والتنمية.

ويمكن النظر إلى تلك المسألة من خلال الجانب التركي، حيث ترقب أنقرة انخراط  لاعبين دوليين في الساحة الليبية والموقف السياسي الحرج لحكومة عبدالحميد الدبيبة، وهو ما دفع الجانب التركي للتدخل في مفاوضات الحكومة وقوات الردع، في محاولة لتثبيت موقعها كلاعب لا ينبغي تجاوزه في أيّ تسوية داخلية أو إقليمية.

كما أنّ تركيا تدرك أنّ حضورها في ليبيا لا يتوقف على البُعد العسكري فقط، بل يتعداه إلى النفوذ الاقتصادي والقدرة على التحكم في بوابة الاستثمارات وإعادة الإعمار. فهي تسعى لتأمين عقود طويلة الأجل تضمن لها وجوداً فعّالاً في السوق الليبية، وتربط أيّ حكومة قادمة بمصالحها المباشرة. لذلك، فإنّ الوساطة بين جهاز الردع والدبيبة لم تكن مجرد خطوة تكتيكية، بل رسالة مفادها أنّ أنقرة ما زالت قادرة على هندسة التوازنات، حتى في لحظة ارتباك محلي.

  • ما مدى تأثير هذا المتغير على تموضع الدور التركي في ليبيا، وهل يمكن أن يتحول إلى نفوذ سياسي طويل المدى أم أنّه مجرد تكتيك مرحلي؟

ـ تقديري حقيقة أنّ منسوب الوجود التركي في ليبيا يبدو مرحلياً، وسيذهب نحو أهداف محددة تتمثل في سعي أنقرة للحصول على عقود طويلة الأجل، كما أنّها ستعمل وفق ضوابط إقليمية لتحقيق مذكرة ترسيم الحدود البحرية، إذ أنّها تدرك حجم الفاعلين في الشرق الأوسط.  

لكن ينبغي الإشارة إلى أنّ أنقرة لا تفكر في ليبيا بمعزل عن ملفاتها الإقليمية الأخرى. فهي تنظر إليها كبوابة للتأثير في شرق المتوسط، وورقة ضغط تستخدمها في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وحتى روسيا. لذلك قد يبدو الحضور التركي تكتيكياً في حراكه المباشر، غير أنّه استراتيجي في بُعده السياسي والاقتصادي.

إذاً يبدو حضور تركيا، سواء في غرب ليبيا أو في الشرق، أنّه يهدف في حقيقة الأمر إلى إيجاد مساحة لإعادة تقديم نفسها كفاعل ضروري للاستقرار، خصوصاً في ظل البحث المستمر عن صياغة مقاربة موحدة للملف الليبي. 

وينبغي أيضاً الانتباه إلى أنّ تحويل هذا الحراك نحو معادلة جديدة للتأثير طويل المدى يتطلب قدرة أنقرة على التوفيق بين مصالحها الاقتصادية ومطالب القوى المحلية، وهو أمر معقد بالنظر إلى حساسية التوازنات الداخلية.

 

  • برأيكم، إلى أيّ حد ينبغي التفاؤل بدورٍ أمريكي وأممي ضاغط نحو تشكيل حكومة ليبية موحَّدة؟ وهل بعض الأطراف الفاعلة في الداخل الليبي ـ الإسلام السياسي نموذجاً ـ يُعطّل هذا المسار؟

ـ إنّ ما تسعى إليه الإدارة الأمريكية هو توحيد وإعادة هيكلة الحكومتين؛ إذ قد تميل إلى إبقاء عبد الحميد الدبيبة كشخصية يمكن استخدامها لتحقيق توازنات مع روسيا في ليبيا. في تقديري، احتمال نجاح خطة الإدارة الأمريكية ضئيل لأسباب عدة، أهمها رفض الشارع لاستمرار حكومة الدبيبة، وعدم استعداد الجيش للمخاطرة بشعبيته في أيّ خطوة قد يُنظر إليها كمجاملة سياسية.

إضافة إلى ذلك، فإنّ الموقف الأمريكي يتسم بعدم وضوح الرؤية، فهو يراوح بين الرغبة في إنهاء الانقسام وبين السعي للحفاظ على شخصية يمكن التحكم فيها. وهذا التناقض يجعل مسار التوحيد هشاً، ويعطي للأطراف الإقليمية مساحة للتلاعب بالملف بما يخدم مصالحها الخاصة.

أمّا على مستوى الداخل الليبي، فإنّ الإسلام السياسي ما يزال أحد عوامل التعطيل الرئيسية. فبعض القوى المحسوبة على هذا التيار تستفيد من حالة الانقسام وتوظفها للحفاظ على نفوذها داخل مؤسسات الدولة. لذلك فإنّ أيّ مسار دولي أو أممي يهدف لتشكيل حكومة جديدة سيصطدم حتماً بجدار المصالح التي تضعها هذه الأطراف فوق أيّ اعتبار وطني.

 

  • كيف تنظرون إلى تدخل عبد الحميد الدبيبة في أعمال المجلس الأعلى للدولة، وتأثير ذلك على استقلالية المجلس وقدرته على لعب دور جامع، خاصة عبر الطعون في شرعية محمد تكالة وخالد المشري؟ وهل قد يؤدي ذلك لاحقاً إلى تعطيل المجلس برمّته؟

ـ نعم؛ نجح عبد الحميد الدبيبة في السيطرة على بعض مكونات مجلس الدولة عبر مصالح وظيفية دفعت لتمكين شخصيات مثل محمد تكالة، التي استُخدمت في تعطيل أيّ توافقات بين مجلس النواب ومجلس الدولة لإنتاج حكومة جديدة، لكنني حقيقة أرى أنّ محمد تكالة سيكون خارج المشهد قريباً نتيجة هذه الممارسات.

هذا التدخل المباشر أفقد المجلس كثيراً من استقلاليته، وحوّله من مؤسسة يُفترض أن تكون جامعة إلى أداة تُدار عبر الصفقات والمال السياسي. ومع استمرار هذه الممارسات، سيتحول المجلس إلى ساحة صراع داخلي تُستهلك فيها الطاقات بدلاً من أن يُوجَّه نحو بناء توافق وطني حقيقي.

خطر تعطيل المجلس برمته قائم، خاصة إذا استمرت سياسة شراء الولاءات. فمع كل محاولة للتقارب بين المجلسين (الدولة والنواب)، تظهر تدخلات تُعيد الأمور إلى نقطة الصفر، وهو ما يعمّق الانقسام، ويُفقد الليبيين الثقة في قدرة مؤسساتهم على إنتاج حلول حقيقية.

 

  • هل تتوقعون أن يميل رئيس المجلس الأعلى محمد تكالة إلى ترجيح كفة الدبيبة، ولو على حساب مبدأ التوافق الوطني الأوسع بين المجلسين (الأعلى للدولة والنواب)؟

ـ من المرجح أن يميل تكالة لصالح الدبيبة طالما أنّ المصالح والمال السياسي الفاسد قائمان؛ وهذا يعطّل أيّ مسعى لتوافق وطني أوسع.

إنّ محمد تكالة لم يثبت حتى الآن أيّ استقلالية في مواقفه، بل بدا في معظم المحطات كأنّه يُنفذ أجندة عبد الحميد الدبيبة، سواء بشكل مباشر أو عبر تحالفات ظرفية. ومع غياب الرقابة الشعبية الفعالة وضعف البنية المؤسسية، سيظل هذا الميل قائماً، ما لم تطرأ متغيرات قوية تجبره على مراجعة خياراته.

 

  • بتقديركم، ما أبرز المخاطر السياسية التي يطرحها حضور أحزاب ذات خلفية إيديولوجية، مثل حزب العدالة والبناء، على مسار التوافقات السياسية المقبلة في ليبيا؟

ـ لا أتوقع أن يكون لمثل هذه  الأحزاب دورٌ فاعل في المرحلة القادمة، وخصوصاً حزب العدالة والبناء الذي يمرّ بضعف كبير، وتعاني جماعة الإخوان المسلمين حالة هشاشة في عدة دول، ممّا أضعف موقعهم داخل ليبيا. لذلك المرحلة المقبلة ستقتصر في الغالب على الأطراف المحلية والدولية ذات القدرة الفعلية على التأثير.

لكن رغم هذا التراجع، لا يمكن تجاهل أنّ بقايا هذه الأحزاب قد تلعب أدواراً تخريبية، خاصة عبر توظيف نفوذها في بعض المؤسسات أو تحالفاتها الإقليمية. الخطر الأساسي يكمن في قدرتها على تعطيل أيّ توافق من الداخل، حتى وإن لم تكن قادرة على فرض أجندة كاملة. وهذا ما يجعل التعامل معها معقداً؛ فهي ضعيفة جماهيرياً لكنّها ما زالت قادرة على تعطيل المسارات السياسية الحساسة.

على أيّ حال ينبغي الالتفات إلى أنّ ليبيا مرّت بمراحل متعددة كانت فيها عرضة لتمدد الجماعات الإرهابية، نتيجة الانقسام السياسي وغياب الاستقرار، وهو ما جعل البلاد بيئة مناسبة في فترات معينة لنشاط هذه الجماعات، خاصة مع ما تملكه من موارد طبيعية وموقع استراتيجي.

فضلاً عن أنّ الانقسام السياسي الحاد ما يزال يشكّل تهديداً مباشراً لليبيا، كونه يوفر أرضاً خصبة لعودة التنظيمات المتطرفة وتنامي فكرها، باستغلال عوامل الفوضى، والفقر، وغياب الدولة، كما أنّ التركيبة الاجتماعية الليبية، إلى جانب رفض المجتمع المحلي للفكر المتشدد والدخيل، لعبت دوراً كبيراً في مواجهة هذه الجماعات، إلا أنّ هذا الرفض المجتمعي وحده لا يكفي في ظل استمرار الانقسام الحالي.

لقد حاولت الجماعات الإرهابية مراراً استغلال هشاشة الوضع الأمني، خاصة خلال العقود الماضية، والفكر المتطرف بدأ بالتسلل إلى ليبيا منذ أواخر الثمانينات، إلا أنّ التصدي له لم يكن على المستوى المطلوب، رغم بعض التحركات الأمنية والعسكرية التي حققت نتائج ملموسة، مثل عملية الكرامة التي واجهت الجماعات المسلحة، وعملية البنيان المرصوص التي تصدت لتنظيم (داعش) في مدينة سرت.

لذا يكون القلق واقعياً من احتمال تكرار السيناريو ذاته في بعض المناطق الغربية، مثل صرمان وصبراتة، التي ما تزال تشهد هشاشة أمنية قد تسمح بعودة الجماعات الإرهابية مجدداً، خاصة في ظل غياب استراتيجية وطنية موحدة لمكافحة التطرف.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية