
أجرى الحوار: رامي شفيق
سقطت تنظيمات الإسلام السياسي خلال تجربة الحكم في بعض بلدان الشرق الأوسط خلال العقد الفائت، بصورة عميقة ودالة على ترنّح بنية تلك التنظيمات، ومدى تناقض خطابها مع الواقع.
أدّت هذه التجربة إلى هوّة سحيقة وكبيرة بين تلك التنظيمات والمواطنين في تلك الدول، وهو ما أدّى إلى عزلة كبيرة بين الجماعة، سواء في مصر أو تونس، ومواطني تلك الدول. بيد أنّ نجاح هذا الانعزال التام يستلزم عدّة إجراءات ضرورية لمنع إعادة التموضع مرة أخرى.
إلى ذلك، التقت (حفريات) بالكاتب الجزائري رياض هويلي، لمناقشته في تجربة الإسلام السياسي داخل الأقطار العربية، وسردية العنف في الجزائر، ومفهوم "الجماعات الوظيفية" عند تنظيمات الإسلام السياسي.
قال مدير شبكة "أخبار الوطن": إنّ التيارات الإسلامية التي اختبرت الحكم لأول مرة (تسيير البلديات في الجزائر لفترة قصيرة، الحكم في مصر لفترة وجيزة، رئاسة الحكومة في المغرب وتونس...) سرعان ما أثبتت محدوديتها في تسيير الشؤون العامة، وتبيّن الفرق الشاسع بين الخطاب والميدان، وبين الحركة والدولة، وبين الجماعة والمجتمع، وبين المسجد والمكتب، الأمر الذي سمّاه هويلي: أكذوبة "نموذج الحكم الإسلامي".
وتابع في حواره مع (حفريات) أنّ الكثير منها قام على ازدواجية التنظيم، بمعنى أنّ العديد من هذه الحركات كانت لديها تنظيمات عسكرية أو أجنحة مسلّحة تنتظر ساعة الصفر.
وحذّر رياض هويلي، رئيس نقابة ناشري الإعلام الجزائرية، من تنظيمات الإسلام السياسي في الأوطان العربية، باعتبارها متجذّرة في المجتمعات ولا يمكن استبعادها كليًا من دون شروط محدّدة.
نص الحوار:
كيف تقرؤون تجارب الإسلام السياسي في العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية؟ وهل يمكن القول إنّها مجرد جماعات وظيفية؟
ـ ربما الأمر يحتاج إلى الكثير من التوضيح، حيث إنّ صعود تيارات الإسلام السياسي لم يكن في الفراغ، بل كان على حساب المشروع السياسي في الشرق الأوسط بشكل عام، وبالتالي عرف الإسلام السياسي خلال العقود الثلاثة الماضية صعودًا كبيرًا ووهجًا سياسيًا وإعلاميًا واجتماعيًا، حتى كاد يسيطر على مفاصل الدولة الوطنية في العديد من الأقطار العربية؛ منها: الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، مصر، الأردن، المغرب، تونس، ودول أخرى بنسب متفاوتة. وقد سجلت هذه المرحلة ـللأسف ـ تراجعًا كبيرًا للتيارات الوطنية والثورية جرّاء إخفاقات اجتماعية وسياسية واقتصادية، ممّا زاد من توغّل أفكار الإسلام السياسي ورواده في مفاصل المجتمعات العربية.
أمّا بخصوص الشطر الثاني من سؤالكم، فأعتقد أنّ جماعات الإسلام السياسي كانت أحيانًا وظيفية، لكن ليس كلها ولا في كل مراحلها. فمثلًا جماعة الإخوان المسلمين استُغلت وظيفيًا من قبل أنظمة حاكمة لمحاصرة انتشار التيار اليساري التقدمي، لكنّها من جهة أخرى حركات قائمة بذاتها، تملك مرجعية فكرية ورؤية سياسية وتنظيمية تسعى من خلالها إلى بلوغ الحكم وإقامة ما تسمّيه "الحكم الإسلامي أو الدولة الإسلامية".
وربما ذلك تحديدًا هو ما أسقطها سريعًا من تجربة الحكم، الأمر الذي أنتج هوةً سحيقة بينها وبين الجماهير في عدد من الدول، ومن الصعوبة أن تُرمِّم هذا الفراغ من جديد. ولكن، على أيّ حال، يظلّ الرهان على تنمية سياسية حقيقية تُحوِّل بشكل واقعي الدور الوظيفي لتلك الجماعات.
في أيّ لحظة تاريخية انكشفت حدود مشروع الإسلام السياسي، وهل فشله نابع من ضعف الفكرة أم من ارتباطه بظروف وظيفية وأدوار مرسومة؟
ـ في الحقيقة، انكشاف أمر الحركات الإسلامية أو الإسلام السياسي كان خلال اجتيازها امتحان المؤسسات. فالعمل السياسي من داخل مؤسسات الدولة كشف عورة التيار الإسلامي، الذي كان كثيرًا ما يختفي وراء الخطاب الديني بما يحمله من شحنة عاطفية قوية. إلا أنّ "دخول الحمّام ليس كالخروج منه" على حدّ التعبير الجزائري.
فالتيارات الإسلامية التي اختبرت الحكم لأول مرة (تسيير البلديات في الجزائر لفترة قصيرة، الحكم في مصر لفترة وجيزة، رئاسة الحكومة في المغرب وتونس...) سرعان ما أثبتت محدوديتها في تسيير الشؤون العامة، وتبيّن الفرق الشاسع بين الخطاب والميدان، وبين الحركة والدولة، وبين الجماعة والمجتمع، وبين المسجد والمكتب. هنا بالضبط كان سقوط أكذوبة "نموذج الحكم الإسلامي".
هناك من يرى أنّ كثيرًا من تيارات الإسلام السياسي مارست ازدواجية بين الخطاب السلمي والعمل الوظيفي، في حين أبقت صلات مع تيارات راديكالية؛ إلى أيّ مدى ترون صحة هذه القراءة، خاصة مع شواهد التحالف مع تنظيمات مثل القاعدة وداعش؟
ـ تيارات الإسلام السياسي، وإن اتفقت في مرجعياتها الفكرية والسياسية وتوافقت في أهدافها الإيديولوجية، إلا أنّها كانت متباينة في أسلوب العمل والتحرك حسب طبيعة البلد الذي تنشط فيه. لذلك من الإجحاف تعميم الحكم على كل الحركات الإسلامية في مختلف الأقطار.
لكن لا يمنع ذلك من القول إنّ الكثير منها قام على ازدواجية التنظيم: تنظيم ظاهري سلمي يحاول التكيّف مع القوانين والمناخ السياسي السائد، وتنظيم سرّي وفق قاعدة: "وأعدّوا لهم ما استطعتم...". أقصد هنا بالتحديد أنّ العديد من هذه الحركات كانت لديها تنظيمات عسكرية أو أجنحة مسلحة تنتظر ساعة الصفر.
كيف انعكست هذه التحالفات غير المعلنة بين بعض فصائل الإسلام السياسي والجماعات العنيفة (مثل القاعدة أو داعش) على صورة المشروع السياسي لهذه التيارات في العالم العربي؟
ـ أيّ مشروع سياسي يقوم على العنف كوسيلة للوصول إلى الحكم سيفشل لا محالة. فالعنف لا ينتج إلا عنفًا وخرابًا. وبطبيعة الحال، الشعوب التي أصيبت بخيبة أمل في الأنظمة الثورية والوطنية ـ التي سقطت في الفساد واحتكار الحكم وتوريثه ـ ترفض الحروب الأهلية وانهيار السلم الأهلي وانكسار الأمن المجتمعي؛ لذلك سقطت التيارات الإسلامية التي ارتبطت بالعنف بشكل مباشر أو غير مباشر.
خبرت الجزائر تجربة العشرية السوداء؛ كيف يمكن استدعاء تلك التجربة لفهم مخاطر التحالف مع العنف في السياق العربي الحالي؟
ـ التجربة الجزائرية مع الإسلام السياسي بالغة الأهمية لفهم طبيعة هذه الحركات من جهة، وفهم تركيبة المجتمع الجزائري من جهة أخرى، وكيفية تجاوزه واحدة من أخطر الأزمات المسلحة التي كادت تقوّض أركان الدولة وتعصف بالمجتمع. نحن نتحدث عن عنف إرهابي مسلح خلّف ما لا يقلّ عن (250) ألف ضحية، ومئات الآلاف من الجرحى والمصدومين، ومئات الآلاف من اليتامى والأرامل، وآلاف المفقودين، وتفكك أسر بأكملها، فضلًا عن خسائر اقتصادية فاقت آنذاك (25) مليار دولار، وتعطل عجلة التنمية، وحصار دبلوماسي واقتصادي، وعزلة دولية.
كانت الجزائر قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، ومع ذلك لم يستسلم الشعب الجزائري الذي وقف إلى جانب جيشه الوطني الشعبي الجمهوري. واكتشف الجميع أنّ الخطاب الإسلامي لم يكن يراد منه إلا الحكم، ولو بقوة الحديد والنار. هنا كان التحالف المتين بين الجيش والشعب، وانهزم الإرهاب عسكريًا وشعبيًا.
وقد أقرّت الدولة إجراءات عديدة لاستعادة السلم والأمن الوطنيين: بدايةً بقانون الرحمة، مرورًا بقانون الوئام المدني، وصولًا إلى المصالحة الوطنية، مع إعادة النظر في تنظيم المجتمع ومراقبة وإصلاح المدرسة والمسجد والفضاء الجمعوي. وقد أصبحت التجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب نموذجًا عالميًا احتضنته الأمم المتحدة واعترفت به كبرى الدول. وعلى كلّ من يواجه خطر التطرف الإسلاموي أن يستأنس بها.
هل يمكن تصنيف الإسلام السياسي كظاهرة عابرة، أم أنّه ما زال يحتفظ بأدوات تمكّنه من إعادة التموضع عبر أشكال وظيفية جديدة، مثل العمل المدني أو مؤسسات حقوق الإنسان؟
ـ الإسلام السياسي في الأوطان العربية ليس ظاهرة عابرة، بل هو متجذر في المجتمعات ولا يمكن إقصاؤه أو استبعاده كليًا من دون شروط محددة. إنّه يتخذ عدة أشكال وأوصاف، لكنّه موجود، يقوى ويضعف حسب المراحل. الحل يكمن في التعايش وإدماج أنصار الإسلام المعتدل الذين يقبلون بفكرة الدولة داخل المؤسسات، لتجنب الاصطدام.
إذا أخذنا نماذج من تونس، وليبيا، ومصر، كيف يبدو خطر الإسلام السياسي في مثل هذه الجغرافيا واللحظات المفصلية؟
ـ بعد التجارب المريرة التي عاشتها حركات الإسلام السياسي، وخاصة تلك التي اختبرت العنف المسلح للوصول إلى الحكم، دخلت في مراجعات فكرية وتنظيمية. بل إنّ هناك من أصبح يؤمن بلعبة الانتخابات للوصول إلى الحكم كما في الجزائر والمغرب.
لكنّ خطر الإسلام السياسي يبقى قائمًا في الدول التي اعتمدت على القوة العسكرية والأمنية لمحاصرته. فالقمع يولّد العنف، والإقصاء يولّد العنف أيضًا. وهذا التيار متجذر في أوساط واسعة من الشعوب العربية، لذلك يبقى الخيار الأمثل هو اعتماد مقاربة مزدوجة: محاربة رموز التطرف من جهة، وإدماج رموز الوسطية والاعتدال من جهة أخرى، أمّا دون ذلك، فسيظلّ الخطر قائمًا.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_1.jpg.webp?itok=wyB-p77t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_87.jpg.webp?itok=j3N6HAhd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)