الاستحقاق الانتخابي في ليبيا: رهانات الاستقرار ومخططات التعطيل ودور الإسلام السياسي في معركة السلطة

الاستحقاق الانتخابي في ليبيا: رهانات الاستقرار ومخططات التعطيل ودور الإسلام السياسي في معركة السلطة

الاستحقاق الانتخابي في ليبيا: رهانات الاستقرار ومخططات التعطيل ودور الإسلام السياسي في معركة السلطة


19/08/2025

 

ثمّة حراك واسع يستهدف كسر حالة الجمود في العملية السياسية الليبية، بغية الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي، وحسم تشكيل حكومة موحدة، وتوحيد السلطات التنفيذية والمناصب السيادية، فضلًا عن استكمال الإطار الدستوري والقانوني للعملية الانتخابية.

حراك لكسر الجمود السياسي في ليبيا

وفي هذا السياق، قالت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه: إنّ اللجنة الاستشارية أوصت في تقريرها المقدم إلى البعثة بضرورة تشكيل حكومة موحدة قبل إجراء الانتخابات. وأكدت أنّ وجود حكومة موحدة أمر بالغ الأهمية، وأنّ كيفية تشكيل هذه الحكومة سيكون جزءًا من التفاوض ضمن خارطة الطريق، مشيرة إلى أنّ ما سيتم التوصل إليه سيستند إلى آراء المواطنين من خلال استطلاعات الرأي.

وأضافت تيتيه أنّ هناك أطرافًا تعتقد أنّ مصالحها ستتضرر بشدة إذا أُجريت الانتخابات، وهو ما يدفعها إلى التعطيل، الأمر الذي قد يعرّض العملية السياسية للخطر. وأشارت إلى أنّ السبيل الوحيد لتغيير المؤسسات هو الانتخابات، وأنّ الهدف يتمثل في الانتقال من المراحل الانتقالية إلى مرحلة انتخابية تفرز قيادة تتمتع بتفويض شعبي، تتحمل مسؤولية مستقبل ليبيا وتخضع للمساءلة أمام الليبيين.

وتواصل البعثة تنظيم استطلاعات الرأي وعقد جلسات حوار، سواء بشكل مباشر أو عبر الوسائط الرقمية، مع الفعاليات السياسية والاجتماعية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وسلطات الحكم المحلي، مع التركيز على فئتي الشباب والنساء. وتواصل انخراطها في مشاورات مع الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف الليبي.

ونشرت البعثة توصيات اللجنة الاستشارية بشأن أربعة خيارات لإجراء الانتخابات في ليبيا، من أبرزها: الدخول في مفاوضات برعاية أممية للتوصل إلى اتفاق سياسي مع الأطراف القائمة لتشكيل حكومة موحدة جديدة تشرف على الانتخابات، وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن، وتكليف المسؤولين المنتخبين باعتماد دستور دائم.

قوى الإسلام السياسي والتحديات أمام المسار الانتخابي

إلى ذلك، تُظهر تصريحات المبعوثة الأممية هانا تيتيه أنّ التحدي الأكبر أمام العملية الانتخابية في ليبيا لا يقتصر على الإطار الدستوري والقانوني، بل يمتد إلى وجود أطراف، وعلى رأسها قوى الإسلام السياسي، ترى في الانتخابات تهديدًا مباشرًا لمصالحها ونفوذها. فهذه القوى التي استفادت من طول أمد المراحل الانتقالية قد تلجأ إلى تعطيل التوافق على تشكيل حكومة موحدة، أو إلى افتعال أزمات قانونية وسياسية تعيق تنظيم الانتخابات، مستندةً إلى شبكات نفوذها المحلية والإقليمية. وبذلك يصبح الخطر قائمًا من إعادة إنتاج مرحلة انتقالية جديدة تُبقي ليبيا رهينة الاستقطاب الإيديولوجي وتمنع ولادة سلطة شرعية قادرة على فرض الاستقرار.

في هذا السياق، قال فتح الله السريري، عضو المجلس الأعلى للدولة: إنّه عندما تكون العملية الانتخابية نزيهة وشفافة، وتُتاح فيها فرصة كبيرة للمشاركة الشعبية الواسعة، إلى جانب رقابة داخلية من قبل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، والرقابة الدولية بمساندة البعثة الأممية في ليبيا، في تأهيل البيئة الانتخابية التشريعية والرئاسية، وفرض نتائج الانتخابات على الأطراف المشاركة فيها، فإنّ كل ذلك سيفوّت أيّ محاولة لإفساد الانتخابات أو العبث بها أو توظيفها لأجندات داخلية فئوية أو خارجية.

السريري: نزاهة الانتخابات رهينة بمشاركة واسعة ورقابة صارمة

ولفت السريري في تصريحاته لـ (حفريات) إلى أنّ مثل هذه العملية ستكون عاملًا رئيسيًا ومهمًا في بناء دولة المؤسسات والقانون، ليعيد لها دورها الفاعل في محيطها الإقليمي والدولي.

وأضاف عضو المجلس الأعلى للدولة أنّ الطريق لا يخلو من بعض المعوّقات، لكن لا بدّ من التغلب عليها، مشددًا على أنّ الانتخابات لن تُجرى في أقلّ من سنة، على أقلّ تقدير.

وعن سؤال حول ما إذا كان يُرجّح أن تسعى أطراف محددة لعرقلة الانتخابات؟ أوضح فتح الله السريري أنّ كل شيء وارد، لكنّه شدّد على أنّ الإصرار الداخلي على إجراء عملية انتخابية ناجحة يتطلب الاستعداد الجيد لها، بالتوازي مع الدعم الدولي الفني، وفرض عقوبات صارمة ومتعددة على المعرقلين المحتملين.

وأكد  السريري في ختام  تصريحاته لـ (حفريات) التأكيد على أنّ نجاح الانتخابات مرهون بتكاتف الجهود الداخلية والدولية معًا، لتفويت الفرصة على أيّ محاولات لتعطيل المسار الديمقراطي.

من جانبه، قال المحلل السياسي خالد الحجازي، في ضوء تصريحات المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، حول محاولات بعض الأطراف عرقلة أيّ تقدّم في المسار الانتخابي: إنّ الجدل يتجدد بشأن القوى التي تستفيد من استمرار الوضع الراهن، وتحديدًا قوى الإسلام السياسي التي لطالما برعت في استغلال الفترات الانتقالية وتوظيفها لضمان بقائها في المشهد السياسي، دون العودة إلى صناديق الاقتراع.

الحجازي: الإسلام السياسي يستثمر المراحل الانتقالية للبقاء في المشهد

وأضاف الحجازي، في حديثه لـ (حفريات)، أنّ هذا التحذير ليس جديدًا، فقد سبق أن أشار تقرير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا  في مطلع 2024 إلى أنّ "المشهد الليبي بات مرتهنًا بتمترس بعض القوى خلف شعارات الإصلاح، في حين تسعى في الواقع إلى تعطيل الانتخابات وتكريس الأمر الواقع".

وبيّن أنّه منذ سقوط النظام السابق عام 2011 استثمرت قوى الإسلام السياسي، لا سيّما تلك المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، حالة الفراغ المؤسسي والانقسام بين الشرق والغرب لتعزيز نفوذها في المؤسسات السيادية، وعرقلة أيّ خارطة طريق تُقصيها عبر انتخابات حرة ونزيهة.

وبسؤاله حول مدى ما يمثّله نفوذ قوى الإسلام السياسي داخل المؤسسات الليبية من عقبة أمام تشكيل حكومة موحّدة، وما الأدوات التي تستخدمها هذه القوى لتعطيل المسار الانتخابي، خاصة مع التحركات التي تقودها البعثة الأممية؟ 

شدد الحجازي على أنّ نفوذ قوى الإسلام السياسي يمثّل أحد أبرز العقبات البنيوية أمام تشكيل حكومة ليبية موحّدة، فقد تمكّنت هذه القوى، على مدار سنوات المرحلة الانتقالية، من التغلغل في المؤسسات السيادية، مثل المجلس الأعلى للدولة ومفاصل إدارية وتشريعية أخرى، وهو ما يتيح لها القدرة على التأثير في مخرجات أيّ اتفاق سياسي.

أدوات الإسلام السياسي لتعطيل المسار الانتخابي

وأوضح أنّ أدوات التعطيل تتنوع بين:

التلاعب بالقوانين الانتخابية من خلال فرض شروط مجحفة لإقصاء الخصوم أو تفصيل قوانين تمنحهم أفضلية تنافسية.

الطعن في التوافقات عبر استغلال الثغرات القانونية للتشكيك في أيّ خطوات تقود إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية.

التحريض الإعلامي والتحالفات الإقليمية لحشد الرأي العام ضد أيّ عملية سياسية تهدد وجودهم في المشهد.

تعطيل جلسات البرلمان أو المجالس التشريعية من خلال الامتناع عن التصويت أو الانسحابات المتكررة.

وحول كيفية تعامل المجتمع الدولي والبعثة الأممية مع محاولات الإسلام السياسي لاستثمار المرحلة الانتقالية للبقاء في المشهد دون تفويض شعبي؟

أشار الحجازي إلى أنّ على المجتمع الدولي والبعثة الأممية أن ينتقلا من موقع الوسيط المحايد إلى دور أكثر فاعلية وضغطًا، وذلك عبر فرض معايير واضحة للمساءلة السياسية، والتعامل بجدية مع الجهات التي تُثبت تقارير الأمم المتحدة تورّطها في تعطيل العملية السياسية.

دعم المجتمع المدني والنخب المستقلة لتشكيل جبهة داخلية قادرة على خلق رأي عام مناهض لاستغلال المرحلة الانتقالية.

رصد وتوثيق الانتهاكات السياسية والتشريعية، وإحالتها إلى المحافل الدولية لمنع الإفلات من العقاب.

رعاية عملية انتخابية برقابة دولية حازمة تضمن نزاهة الاقتراع، مع تعهّد مسبق بعدم الاعتراف بأيّ طرف يعطّل نتائج الانتخابات أو يُعلن حكمًا موازيًا.

ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل ليبيا

أمّا بخصوص السيناريوهات المحتملة لمستقبل العملية السياسية في ليبيا، إذا استمرّت قوى الإسلام السياسي في عرقلة الانتخابات والطعن في نتائجها، فقد بيّن الحجازي أنّ البلاد قد تواجه (3) سيناريوهات رئيسية:

أوّلًا: الجمود السياسي المطوّل

الإبقاء على الوضع الراهن دون انتخابات أو حكومة موحّدة، ممّا يعمّق الانقسام المؤسساتي ويفتح الباب أمام الانهيار الإداري والاقتصادي التدريجي.

ثانيًا: الانفجار السياسي أو الأمني

احتمال اندلاع مواجهات مسلّحة جديدة بسبب الإحباط الشعبي والانقسام الحاد، خاصة في حال نشوء سلطتين متوازيتين، كل منهما تدّعي الشرعية، بما يكرر سيناريو  2014 ـ 2019.

ثالثًا: التدخل الدولي الموسّع

اضطرار الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى فرض حلول قسرية، مثل تشكيل حكومة تكنوقراط بإشراف أممي، أو فرض عقوبات على المعطّلين، وهو سيناريو محفوف بالمخاطر السياسية، وقد يُواجه برفض محلي واسع.

واختتم الحجازي حديثه بالتأكيد على أنّه بات من الواضح أنّ الرهان على التوافق الداخلي دون ردع حقيقي للمعرقلين لم يعد مجديًا، مشددًا على أنّه إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بجدية، فإنّ ليبيا ستبقى تدور في حلقة مفرغة من المراحل الانتقالية، حيث تُستخدم أدوات الديمقراطية لتأبيد سلطات الأمر الواقع.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية