ما سر الإخوان المتشابهين؟

سر تشابه الإخوان... كيف يتجسد الانتماء؟

ما سر الإخوان المتشابهين؟


29/01/2026

كثير من الناس ممّن اقتربوا من المنتمين إلى جماعة الإخوان يبدون دهشتهم من التشابه الغريب بين أفراد الجماعة، ويكتب الكثيرون تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي تعكس هذه الملاحظات، وتُطرح التساؤلات حول السبب في ذلك التشابه الذي لا يقتصر فقط على الأفكار والقناعات التي يشترك فيها أفراد الجماعة، ولكن يتخطى ذلك ليصل إلى حركات الجسد من طريقة الكلام والمزاح وطريقة المشي والجلوس والمظهر أو السمت الخارجي وبعض العبارات المستخدمة والابتسامة وردود الأفعال في المواقف المختلفة.

كيف يحدث ذلك؟

في الحقيقة أنّ هذا الأمر لا يحدث، بالتأكيد، من باب المصادفة، كما أنّه أيضًا لا يعني التطابق الكامل بين كل أفراد الجماعة، حيث إنّه كما توجد عوامل تُسهم في إيجاد هذا التشابه، فثمة عوامل أخرى تخلق الاختلافات فيما بينهم، منها الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها كل فرد، ونوع البيئة التي يعيش فيها وما إذا كانت بيئة حضرية أو ريفية، وكذلك مستوى التعليم الذي حصل عليه، وغير ذلك من عوامل، إلا أنّه في النهاية يوجد مجموعة من السمات المشتركة التي تجعل من السهل على من لديه الخبرة والدراية أن يتعرف على الفرد المنتمي إلى جماعة الإخوان من مجرد الحديث معه أو التعامل معه لوقت قصير أو الاستماع إليه أو مشاهدة تصرفاته، أو تجعل من ليس لديه تلك الدراية يشعر بأنّ ثمّة تشابهًا بين مجموعة من الأفراد دون أن يستطيع تفسير ذلك أو فهمه.

ويذخر علم الاجتماع بالنظريات والمفاهيم التي تساعد على فهم وتفسير العديد من الظواهر الاجتماعية، التي تمنحنا القدرة على فهم المعاني الكامنة وراء السلوكيات المختلفة، وفي هذا الإطار يوجد مفهوم سوسيولوجي يمكن من خلاله أن نفسّر ظاهرة التشابه بين أفراد جماعة الإخوان، وهو مفهوم "الهابيتوس"، وهو مفهوم تم استخدامه من جانب مجموعة من العلماء في حقول علمية مختلفة، مثل أرسطو وهوسرل في الفلسفة، ووليم جيمس في علم النفس، ومارسيل موس في الأنثروبولوجيا، ودوركايم في علم الاجتماع ، لكنّ عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو هو من طور هذا المفهوم وأعطى له مضامين جديدة، حيث يعرّفه بأنّه "نسق من الاستعدادات الدائمة والقابلة للنقل يعمل في كل لحظة، بدمجه للخبرات السابقة، كمصفوفة من الإدراكات، والتقييمات، والأفعال، ويتيح إنجاز مهامّ لا نهائية التنوع"، كما يعرّفه عالم الاجتماع الأمريكي جورج ريتزر بأنّه "مجموعة من البنى الذهنية أو المعرفية التي من خلالها يدرك الأفراد ويفهمون ويقدّرون ويقيّمون العالم الاجتماعي ويتعاملون معه، ومن خلال تلك البنى تنتج الممارسات". فـ "الهابيتوس" إذًا يُعبّر عن تأثير البنى الاجتماعية (المجتمع) في الفرد وتشكيلها له، حيث إنّ الفرد يستدمج تلك البنى بداخله من خلال التنشئة الاجتماعية والتعليم، فهو وفق تعبير بورديو "نتاج الاستبطان الداخلي لبنى العالم الاجتماعي".

ومن خلال هذا المفهوم، ووفق طرح بورديو، فإنّ الأفراد الذين يعيشون في ظل ظروف متشابهة وشروط اجتماعية واحدة يكون لديهم "هابيتوس" مشترك، ويترتب على ذلك تجانس الممارسات التي يقوم بها الأفراد في المواقف المختلفة، ليس بسبب تنسيق مقصود بينهم، ولكن بسبب "الهابيتوس" المتجانس، ولذلك فإنّ الأفراد الذين ينتمون إلى طبقة اجتماعية معينة يتشكل لديهم "هابيتوس" مشترك يجعل ممارساتهم متجانسة، ولا يعني ذلك التطابق التام بين الأفراد، ولكن يكون هناك نمط عام مشترك من الاستعدادات فيما بينهم، وينطبق ذلك أيضًا على الأفراد الذين ينتمون إلى مجموعة أو جماعة معينة حيث تجمع بينهم ظروف حياة متشابهة، تُسهم في تشكل "هابيتوس" مشترك فيما بينهم، ويقول بورديو عن "الهابيتوس" وتأثيره على تشابه سلوك الأفراد: "الممارسات داخل المجموعة الواحدة أو داخل طبقة اجتماعية في مجتمع متمايز، غالبًا ما تكون منسجمة أكثر ممّا يدركه الأفراد أنفسهم أو يتمنون، لأنّ كل فرد يتبع قوانينه الخاصة، ومع ذلك يتفق مع الآخرين، "الهابيتوس" هو تحديدًا هذا القانون الداخلي المنقوش في الأجساد نتيجة لتواريخ متشابهة، وهو شرط مسبق ليس فقط لتنسيق الممارسات، ولكن أيضًا لممارسات التنسيق نفسها".

ويتشكل "الهابيتوس" خلال حياة الفرد منذ نشأته عبر التنشئة الاجتماعية والتعليم، ويتحول إلى مجموعة من الاستعدادات الراسخة داخل الفرد، سواء على المستوى الروحي أو الجسدي، فتأثير "الهابيتوس" على الفرد لا يقتصر على الأفكار والسلوك ولكن أيضًا على الجسد، وكما يقول بورديو: "فإنّ الأذرع والأرجل مملوءة بأوامر غير ملموسة، ويمكن للمرء أن يسرد بلا نهاية القيم التي أصبحت متجسدة في الجسد بفضل التربية الضمنية التي تغرس رؤية كاملة للعالم من خلال أوامر تبدو غير ذات أهمية، مثل "اجلس باستقامة"، أو "لا تمسك السكين بيدك اليسرى"، وتنقل المبادئ الأساسية للثقافة إلى تفاصيل بسيطة من السلوكيات الجسدية واللفظية، ممّا يجعلها بعيدة عن الإدراك الواعي أو التعبير الصريح"، فالجسد هنا لا يمثل كيانًا فيزيائيًّا فقط، ولكنّه كيان يتجسد فيه البناء الاجتماعي، وتصبح حركات الجسد مثل طريقة الوقوف والمشي والأكل والابتسامة وطريقة الكلام وغير ذلك تعبيرًا عن "الهابيتوس" الذي تشكّل في سياق اجتماعي معيّن، وينتج عن ذلك تمايز بين الأفراد الذين ينتمون إلى طبقة اجتماعية معينة أو مجموعة أو جماعة الذين يجمع بينهم "هابيتوس" مشترك، وهذا التمايز يكون في أنماط التفكير والسلوك وحركات الجسد، وفي الذائقة التي تحدد تفضيلات وخيارات معينة في المأكل والملبس والفن والثقافة، ولذلك يؤثر "الهابيتوس" في الأفعال اليومية مثل التذوق، والملابس، والأثاث، والفن، وعادات الاستهلاك، وأنشطة وقت الفراغ"، فـ "الهابيتوس" هو بنية متجسدة تؤثر على طريقة تفاعل الأفراد مع العالم الاجتماعي.  

"الهابيتوس الإخواني" كيف يتشكّل؟

تنتهج جماعة الإخوان في سبيل إعداد الفرد المنتمي إليها طريقة "المجتمع المغلق"، حيث تنتقي الأفراد الذين ترى أنّهم يصلحون لأن يكونوا أعضاء بالجماعة وفق معايير وشروط موضوعة سلفًا، ومن أهم هذه المعايير أن يكون الفرد قابلًا لأن يكون تابعًا وطيعًا في يد غيره، ولا يتسم بالقدرة على التفكير النقدي ولا طرح التساؤلات، ثم تعمل الجماعة بعد ذلك على عزل الأفراد داخل هذا المجتمع المغلق، وتوفر لهم مجتمعًا بديلًا يشعرون فيه بأنّه الدنيا كلها، فيصبح للفرد أصدقاء جدد، وأنشطة مختلفة يمارسها مع أقرانه فقط، وربما يتزوج من داخل الجماعة، ويعمل في مؤسسة مملوكة لأحد أفراد الجماعة أو في وسط به الكثير من أفراد الجماعة، كما تعمل على عزلهم فكريًا لكي لا يتأثروا بأفكار أخرى، فتحثهم على عدم القراءة إلا لمفكّري الجماعة وعدم الاطلاع على كتب سوى أدبيات الجماعة المعروفة، ثم تقوم خلال سنوات الإعداد بترسيخ العديد من الأفكار والقناعات داخل عقول الأفراد من خلال المناهج التربوية التي تعدّها لجنة متخصصة داخل الجماعة، ومن خلال العديد من الأدوات والأساليب التربوية الأخرى التي تُسهم في صناعة الفرد بالشكل الذي تريده الجماعة ويتوافق مع أهدافها ومنطلقاتها الفكرية، وبالتالي يتشكل من خلال هذه العملية التربوية "الهابيتوس الإخواني" الذي ينتج عن العيش في ظل ظروف وبيئة مشتركة والتعرض لتأثيرات واحدة؛ فينتج عن ذلك ممارسات متماثلة في المواقف المختلفة، ولغة جسد بها العديد من التشابهات، حتى يتحول أفراد الجماعة إلى شيء أشبه بالقوالب الجامدة، يستطيع أيّ شخص أن يلاحظ مدى التشابه فيما بينها، سواء استطاع تفسير ذلك أم ظل حائرًا فيه. 

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية