
تُعدّ مراجعات الجماعة الإسلامية المصرية، التي أُعلنت رسميًا من داخل السجون في تموز (يوليو) 1997، واحدة من أبرز التحولات الفكرية والتنظيمية في تاريخ الحركات الإسلامية المعاصرة، لا سيّما تلك التي انتهجت خيار المواجهة المسلحة مع الدولة. فهي أول تجربة مكتملة تعلن ـ بإرادة ذاتية ومن طرف واحد ـ وقفًا شاملًا للعنف المسلح، وتدشّن مسارًا جديدًا يعتمد السلمية والعمل الدعوي تحت سقف النظام السياسي.
وبعد مرور تلك الأعوام الطوال، تم اتهام هذه المراجعات من قبل معارضي الجماعة بأنّ قادتها عادوا إلى العنف بعد عام 2011، بعد تحالفهم الكبير مع جماعة الإخوان، وترفض الجماعة هذا الاتهام وتؤكد أنّ مبادرة وقف العنف نجحت وما زالت في حقن الدماء.
وفي الشهور الفائتة أعلن مركز (حريات)، الذي يرأسه طارق الزمر، وهو أحد قادة المراجعات القديمة، عن مراجعات جديدة، وهو يعبّر عن تطور لافت قد يشير إلى أنّ المراجعات القديمة يعتريها بعض القصور، وفي الوقت نفسه هو تحوّل آخر للجماعة الإسلامية المصرية التي تراجعت كثيرًا، وذابت داخل المجتمع، عقب عزل الإخوان عن السلطة بمصر.
اتهام مبادرة وقف العنف بالقصور
كان من الغريب أن يتم اتهام مبادرة وقف العنف، التي أطلقت عام 1997، أنّها جاءت في ظروف غير طبيعية، وأنّ النظام كان يتاجر بها، وأنّه يعتريها بعض القصور، الذي يستدعي مراجعات أخرى.
يقول طارق الزمر: فمن جهة الدولة، لم يكن موقف النظام المصري متّسقًا أو صادقًا في تعامله مع المبادرة، بل طغى عليه الطابع الأمني والتوظيف السياسي. ومن داخل الجماعة ظهرت أصوات تتشكك في دوافع المراجعة من داخل السجن، حيث رفضت بعض القيادات في الخارج تبنّيها. أمّا القوى الإقليمية والدولية، فقد نظرت إلى المراجعات بعيون الريبة، متأرجحة بين الإشادة الحذرة والاحتواء الأمني. ورغم التزام الجماعة الكامل بنهجها الجديد، وقيامها بأدوار مؤثرة في مواجهة الفكر التكفيري والمتطرف سابقًا ولاحقًا، ولا سيّما داعش والقاعدة، إلا أنّ التجربة واجهت حصارًا سياسيًا وإعلاميًا وأمنيًا، سعى إلى تحجيمها، أو احتوائها، أو تشويهها.
وفي الحقيقة كان النظام المصري قد وقف موقفًا إيجابيًا من الجماعة، وكان صادقًا ومتسقًا وليس العكس، فقد قتلت الجماعة الكثير من رجال الشرطة، وقامت بعمليات إرهابية كبيرة، كان آخرها عام 1997، وبعد إطلاق المبادرة والمراجعة بشهور، قتل (97) سائحًا أجنبيًا بمدينة الأقصر، ورغم ذلك قبلت الدولة المبادرة، وأفرجت عن قادة متورطين، ومحكومين بالإعدام، وكان منهم طارق الزمر، وعاصم عبد الماجد، ورفاعي طه، الذي قُتل فيما بعد في سوريا.
ويؤكد طارق الزمر أنّ الدولة رفضت الاعتراف بالتحوّل كمسار سياسي، وهذا خطأ فادح، فقد تم الاعتراف بالتحول، وساعدتهم الدولة في عمل موقع إلكتروني، وقدمت المساعدات المادية للقيادات والقواعد من الجماعة، وأسهمت في حلّ مشكلاتهم الاجتماعية، وساعدت في تحسين ظروف باقي المسجونين، حتى أنّ أغلبهم حصلوا على شهادات ماجستير ودكتوراه، ومنهم القيادي صفوت عبد الغني، ولكن كان من المنطقي على أيّ جهاز أمني في دولة واجهت عنفًا مسلحًا مدة (10) أعوام أن تحترز وتسير بخطوات هادئة، حتى تصل المراجعات لأهدافها الحقيقية، ولا تتحول إلى مأزق للجميع.
إنّ طارق الزمر، الذي كان واحدًا ممّن شاركوا في إخراج مبادرة وقف العنف إلى النور، يقول الآن إنّها فشلت في تحقيق الأهداف المرجوّة، بل ألحقت بالمجتمع والتنظيم أضرارًا فادحة، وقدّمت للاستبداد هدية ثمينة لتكريس قبضته على المجتمع والشأن العام، وأنّها أعطت الذريعة للنظام لتوسيع القمع، رغم أنّه منذ بدأ تفعيل المبادرة عام 2001 حتى خروج أغلب العناصر المسجونة عام 2006، بدأ أعضاء الجماعة في ممارسة حقهم الطبيعي في الحياة، وكان عليهم أن يجتازوا محنًا كثيرة في حياتهم مثل إكمال دراستهم الجامعية، أو حلّ مشكلاتهم الخاصة، وكانت الجماعة ممثلة في قائدها كرم زهدي وناجح إبراهيم، حاضرة في المساجد، والمؤتمرات الدعوية، ولم يعترضها أحد، بل كان ناجح إبراهيم يذهب إلى السجون لمناقشة التكفيريين، تحت رعاية وزارة الداخلية المصرية، وحينما بدأت الجماعة مسيرة العودة الشاملة وقعت الثورة المصرية، التي أدت إلى انقلاب كبير داخل التنظيم، تمّ على أثره إقالة قادتها كرم زهدي وناجح إبراهيم وفؤاد الدواليبي وحمدي عبد الرحمن، وعلي الشريف، لصالح تيار الصقور، الذي تحالف مع جماعة الإخوان، وقرر إنشاء حزب البناء والتنمية، وجمعية دينية، وجماعة، في خلط عجيب بين العمل الاجتماعي والسياسي والتنظيمي.
ماذا تحتاج الجماعة؟
صدق الزمر بقوله إنّ التجربة أثبتت أنّ السياق المصري لا يحتمل العمل المسلح، لا اجتماعيًا ولا سياسيًا، وأنّه لا يمكن اختزال التغيير في البندقية. وقد كانت هذه المراجعة نوعًا من "الاجتهاد الواقعي"، الذي يستند إلى فقه المقاصد، ويوازن بين المفاسد والمصالح، وهو ما أكدته مضامين الكتب التي صدرت بعد المراجعة، التي أعادت تأصيل مفهوم الجهاد، وميزت بين جهاد الدفع وجهاد الطلب، وبين مقاومة المحتل والعمل المسلح الداخلي.
لكنّه أخطأ في أنّ الدولة فرّغت المبادرة من مضمونها الفكري، لأنّها هي من أسهمت في نشر الكتب والأفكار التي تناولها قادة الجماعة، وسعت لتوظيفها في سياق "الحرب على الإرهاب"، وهذا حقها، ورغم ذلك لم تقم بتفكيك التنظيم، بل أبقت عليه.
ورغم اعتراضنا على بعض ما قاله طارق الزمر، فإنّ الجماعة وباقي التنظيمات الأخرى تحتاج إلى مراجعات جديدة بالفعل في الأصول والمستجدات، وفي الثوابت ومتطلبات الواقع، وفي النصوص وضرورات السياسات.
إنّ تنظيمات الإسلامويين لديها ضعف في الوصل بين مقاصد الشريعة ومنطق السياسة، وغياب فقه الواقع، وفقه المآلات، وفقه الأولويات، فلدى الإسلاميين أزمات سياسية تتلخص في: غلبة منطق الصراع مع الدولة دون استراتيجية للخروج من المأزق، وإهمال التحديات الدولية والموازين الكبرى، وفشل في فهم طبيعة الدول.
ويحتاج الإسلاميون إلى مرجعية تعاقدية لا وصائية، تستند إلى قيم الشورى والعقد الاجتماعي، لا إلى مفهوم الطليعة المتعالية أو الجماعة المعصومة، ومرجعية حضارية لا فصامية، تدمج بين الأبعاد الثلاثة: الروحي ـ السياسي ـ المدني، ومرجعية توازن بين الثوابت والمصالح، تنطلق من النص، لكنّها لا تجمد عنده، بل تعيد تنزيله عبر فقه الواقع. ومن فقه الطاعة والمعارضة إلى فقه الدولة والشرعية الدستورية، وإعادة تعريف العلاقة بين الدعوي والسياسي.
ولا بدّ أن يتركوا مفهوم "التمكين"، ومفهوم "الجماعة"، و"التيار الإسلامي الجامع"، ومفهوم "الولاء والبراء"، ومفهوم "الحكم الإسلامي"، و"الدولة الإسلامية"، ومفهوم "الجهاد".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_37.jpg.webp?itok=6wh276E4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%860_0.jpg.webp?itok=qs1bPkj6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_133_0_1_0_5.jpg.webp?itok=cE4hLx4N)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_6.jpg.webp?itok=Bl3yrVaF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_6.jpg.webp?itok=tGbymFvi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B4%D8%A7%D9%84_0.jpg.webp?itok=zf-8RRpW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B4%D9%8A%D8%B1_5.jpg.webp?itok=Vx1QREdL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_9.jpeg.webp?itok=1guFm_Rm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7_76_1_3.jpg.webp?itok=mmPC4udo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_5.jpg.webp?itok=0qOglt4v)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_2.jpg.webp?itok=k4gxvtkD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_3.jpg.webp?itok=f_obAOzS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%8600_1.png.webp?itok=Jd04hQlB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%81%D8%BA%D8%A7%D9%86_16.jpg.webp?itok=4bou4pnX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B1.png.webp?itok=WdA0_pf-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_129.jpg.webp?itok=aju99hfl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B10.jpg.webp?itok=CiRz0dt5)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%81%D9%81_1.jpg.webp?itok=zXUGGeDE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_87.jpg.webp?itok=j3N6HAhd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)