
مع مرور الوقت وتطور الحياة والعلوم المختلفة يظهر المزيد من التحديات أمام الفكر الديني، تلك التحديات التي تفرض عليه إمّا التفاعل الإيجابي معها، وإمّا تجاوزه، ومن بين أهم التحديات التي يواجهها الفكر الديني والفاعلون الدينيون في هذه المرحلة ذلك المتعلق بتطور الذكاء الاصطناعي؛ حيث أصبح الكثير من الأفراد يعتمدون على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الكثير من الأمور سواء فيما يتعلق بالعمل أو الدراسة أو العديد من جوانب الحياة الأخرى، ويُعدّ الدين والبحث في القضايا المختلفة المتعلقة به من أبرز الأمور التي يستعين الأفراد بالذكاء الاصطناعي من أجلها، وكثيرًا ما يلجأ الفرد إليه من أجل البحث عن إجابات لأسئلة تدور في ذهنه أو معلومة يرغب في الوصول إليها.
تطوّر الذكاء الاصطناعي فرض تحديًا جديدًا على الفكر الديني يتطلب التفاعل معه بدلًا من تجاهله أو تجاهل تأثيره المتزايد على الأفراد
فهل يُسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز نمط التدين الفردي الآخذ في الانتشار في السنوات الأخيرة بسبب عوامل معينة؟ وهل يمثل ذلك عاملًا إضافيًا يزيد من انتشار هذا النمط؟ وهل يؤثر سلبًا على سلطة رجال الدين في المجتمع؟
الذكاء الاصطناعي والمعرفة الدينية
من خلال البحث على أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي بهدف التعرف على معدل استخدام الأفراد في المجتمع المصري لهذه التطبيقات والاستعانة بها في فهم الأمور الدينية المختلفة، قمنا بسؤال أحد تلك التطبيقات وهو ChatGPT فوجدنا أنّ نسبة تبلغ تقريبًا 20% من الأسئلة التي توجه من مصريين لهذا التطبيق تتعلق بأمور دينية، منها أسئلة تتعلق بطلب فتاوى خاصة بالحياة اليومية مثل الصلاة، والصيام، والتعامل مع غير المسلمين، والحجاب، والطلاق... إلخ، وأخرى تتعلق بتفسير الآيات أو الفروق بين المذاهب، وتساؤلات أخرى نقدية أو تأملية عن التدين، والسلطة الدينية، والعلاقة بين الدين والسياسة، وأخرى خاصة بقضايا تجديد الخطاب الديني، وتوجد أسئلة تدور حول الشكوك في بعض الأمور الدينية، وأسئلة أخرى وجودية، خاصة من الشباب.
يستخدم كثير من الأفراد تطبيقات الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات دينية مما يعكس تغيرًا عميقًا في مصادر المعرفة والمرجعية الدينية
ويمثل الذكاء الاصطناعي أداة مناسبة للفرد للوصول إلى المعلومة التي يريد بصورة سريعة وسلسة، كما أنّه يفتقد للقيود التي يمكن أن يجدها الفرد في التعامل مع رجال الدين من أجل البحث عن ردود لأسئلة تدور في ذهنه أو شكوك تجاه أمر ديني معيّن أو غموض يحيط بمسألة من وجهة نظره، كما أنّه يعفيه من اللوم أو النقد الذي يمكن أن يوجه إليه حال سؤاله لرجل دين في أمر من الأمور.
والاستعانة بالذكاء الاصطناعي في هذا الأمر تعكس عددًا من الدلالات؛ منها أنّ الدين ما يزال يحتل مكانة في المجتمع، ويظل فهم القضايا الدينية المختلفة محل اهتمام من جانب شريحة كبيرة باعتبار الدين أحد العوامل المهمة التي تؤثر على المجتمع سلبًا وإيجابًا حسب توظيفه من الفاعلين الدينيين، كما يعكس هذا الأمر كذلك ضعف الثقة في المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية، ومن ثم الاتجاه نحو البحث الذاتي دون الارتباط بمؤسسة أو تنظيم يمثل مرجعية للفرد، ويعكس أيضًا وجود اهتزاز في القناعة بالمُسلّمات والأفكار الموروثة لدى شريحة من الأفراد، ممّا يدفعهم تجاه استخدام الأدوات التكنولوجية الحديثة من أجل طرح الأسئلة بحرّية دون حرج أو خوف أملًا في الحصول على إجابات غير تقليدية وفتح آفاق جديدة للتفكير.
الفردية كنمط للتدين
من الملاحظ، خاصة بعد الربيع العربي، تزايد النزعة الفردية في المجتمع بشكل عام، وقد تركت هذه النزعة آثارها على التدين، وتشير بعض الدراسات إلى أنّ التدين لدى الشباب في السنوات الأخيرة أصبح يتسم بالفردية، وأنّ الدين تحوّل لدى العديد منهم إلى مسألة خاصة، وأنّه لم يعد مشروعًا اجتماعيًا أو سياسيًا شاملًا، أو قاعدة ليوتوبيا اجتماعية إسلامية جماعية، ولكنّه أصبح ركيزة لتحقيق اليوتوبيا الفردية، ومن مظاهر ذلك أنّ الكثير من الشباب أصبح غير نشط سياسيًا.
يستخدم كثير من الأفراد تطبيقات الذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات دينية مما يعكس تغيرًا عميقًا في مصادر المعرفة والمرجعية الدينية
ويعرف الباحث المغربي رشيد جرموني في دراسته "الدين والإعلام: في سوسيولوجيا التحولات الدينية" نمط التدين الفردي بأنّه تلك الحالة التي يصبح الفرد فيها مرجعًا لنفسه في الاستمداد والتلقي والممارسة والتوجيه والسلوك والتمثل، بحيث يسقط كل المرجعيات والسلطة الدينية سواء كانت تقليدية كالأسرة، أو حركات الإسلام السياسي أو المؤسسة الدينية الرسمية. ويرى أنّ العالم يشهد تحولات عميقة تركت آثارها على جميع المجالات ومنها المجال الديني، ومن مظاهر هذه التحولات حدوث انزياح أو خلخلة لعدد من المرتكزات أو المُسلّمات في الفكر الديني لدى شريحة من المجتمع، منها نزع القداسة عن المؤسسات الدينية سواء الرسمية أو غير الرسمية، ومن مؤشرات نزع تلك القداسة بروز الثقافة الفردانية التي تسعى للتخلص من السيطرة والوصاية، ويرى أنّ هناك اتجاهًا نحو التدين في موجة يشهدها العالم، لكنّه تدين يتميز بأنّه فردي وشخصاني.
نسبة ملحوظة من أسئلة المستخدمين المصريين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي تتعلق بفتاوى حياتية أو تأملات دينية أو تساؤلات نقدية
ويشير الباحث إلى أنّ ظاهرة التدين الفردي تعكس الخطأ الكامن في نظرية العلمنة كما صاغها الرواد الأوائل مثل كارل ماركس وهربرت سبنسر ودوركايم وماكس فيبر، والتي تنبأت بتآكل الدين تدريجيًا ثم أفوله واندثاره بالتزامن مع استمرار عملية التحديث في المجتمعات، وقد ثبت مع الوقت عدم صحة ذلك التنبؤ، بل على العكس عاد الدين بقوة في العديد من المجتمعات منذ ستينيات القرن العشرين، وصارت هناك نظريات أخرى ترى أنّ الدين لن يضمر بشكل نهائي ولكن سوف يحدث تحوّل في وظائفه المجتمعية التقليدية العامة ويصبح شأنًا خاصًا، وسوف يغلب عليه الطابع الفردي المتحلل من الانتماء والارتباط بالمؤسسات، كما أنّ هذا النمط من التدين يمثل جزءًا من ظاهرة عامة، وهي النزعة الفردية المتنامية في المجتمعات بشكل عام.
تشير النزعة الفردية المتزايدة بعد الربيع العربي إلى تحوّل الدين من مشروع جماعي إلى وسيلة لتحقيق الذات وبناء يوتوبيا فردية
ويرى الباحث أنّ هناك عاملين رئيسيين لبروز ظاهرة التدين الفردي؛ الأوّل هو ضعف الثقة في المؤسسة الدينية الرسمية، نتيجة الرغبة في التخلص من محاولة احتكارها وهيمنتها على المجال الديني، وأيضًا لأنّ خطابها يدعم الأوضاع القائمة ويعمل على الحفاظ عليها، والثاني هو ارتفاع رأس المال المعرفي في المجتمع، حيث إنّ تعدد مصادر المعرفة الدينية الناتج عن الاختلاف فيما بين الفاعلين في المجال الديني حول هذه المعرفة وحول العديد من الرؤى الدينية؛ قد خلق حالة من التشظي المعرفي، أدت إلى نزع القداسة عن هؤلاء الفاعلين سواء المؤسسة الرسمية أو الحركات الإسلامية، وسعي الأفراد في البحث بشكل مستقل واكتساب المعرفة الدينية من مصادر غير تقليدية، وقد ساعد على ذلك التقدم التكنولوجي الذي يسهّل الوصول إلى مصادر المعرفة؛ ممّا أسهم في دعم نمط التدين الفردي المنفلت من الأطر المرجعية.
فقدت المؤسسات الدينية كثيرًا من مكانتها بسبب احتكارها للمعرفة وخطابها الداعم للأوضاع القائمة مما دفع الأفراد للبحث الذاتي
من خلال ذلك نرى أنّ تطور أدوات الذكاء الاصطناعي يؤثر بشكل كبير على نمط التدين التقليدي، وعلى المؤسسات الدينية التقليدية، وعلى طرق الحصول على المعرفة الدينية من خلال تلك المؤسسات؛ وبالتالي يؤدي إلى ضعف الارتباط بتلك المؤسسات وعدم النظر إليها كمرجعية ومصدر وحيد للحصول على المعرفة الدينية، وكل ذلك يُسهم في تعزيز نمط التدين الفردي وانتشاره بصورة أكبر، ويهدد الفاعلين في المجال الديني سواء من الرسميين أو غير الرسميين، الذين يستمدون سلطتهم بشكل أساسي من امتلاكهم للمعرفة الدينية واحتكارهم لها، تلك السلطة التي باتت الأدوات التكنولوجية الحديثة تعمل على تهديدها والتقليل منها؛ ممّا يضع تلك المؤسسات في تحدٍّ كبير ينبغي عليها وضع تصوّر للتعامل معه.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%83_5_1_1_0.jpg.webp?itok=Bvcv0WWZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86_22_0_1.jpg.webp?itok=vELv53a1)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)