الإسلاميون.. بين وهم الشعارات واختبار الواقع

الإسلاميون.. بين وهم الشعارات واختبار الواقع

الإسلاميون.. بين وهم الشعارات واختبار الواقع


24/12/2025

نشأت الحركة الإسلامية المعاصرة منذ بدايات القرن العشرين ممثلة في جماعة الإخوان وما تبعها من جماعات وتنظيمات، منطلقة من رفض الواقع بكل ما فيه، فالمجتمعات الإسلامية، من وجهة نظرها، لم يعد للإسلام وجود فيها إلا بقدر ضئيل، والشريعة تم تهميشها مقابل قوانين مستوردة من الغرب غير المسلم، والحكومات والأنظمة لا تمثل الإسلام ولا بدّ من أن يحل بدلًا منها حكومات إسلامية، والاستبداد هو سمة تلك الأنظمة التي يجب التخلص منها حتى تنال الشعوب حريتها، والعلاقة مع الغرب تتسم بالخضوع والتبعية ولا بدّ من إحداث قطيعة معرفية مع الغرب ومقاومة سيطرته، وإسرائيل هي العدو الرئيس الذي يجب محاربته حتى القضاء عليه بشكل نهائي، إلى غير ذلك من منطلقات وشعارات براقة يطلقها الإسلاميون عبر أدبياتهم وخطابهم منذ عشرات السنين، ومن خلالها يقومون بعملية مزايدة مستمرة تجاه كل التيارات الأخرى وتجاه الأنظمة الحاكمة، وتجاه المجتمع ككل، لكنّ الملفت في الأمر، ومن خلال التجربة، أنّ تلك الشعارات سرعان ما تتحول إلى أوهام وتتلاشى عندما يصل الإسلاميون إلى السلطة، لتحلّ محلها حسابات أخرى تفرض عليهم خيارات أكثر براجماتية، لنجد أنّ الإسلاميين غالبًا ما يخفقون في اختبار الواقع، وسوف نتخذ نموذجين لتوضيح ذلك الأمر.

نموذج الإخوان في مصر

كشفت تجربة الإخوان في الحكم في مصر خلال الفترة 2012 – 2013 عن العديد من التناقضات في مواقف مختلفة بين ما كان يتم إطلاقه من شعارات ومبادئ قبل الثورة وما تم اتخاذه من سياسات بعد توليهم السلطة وخضوعهم لاختبار الواقع؛ فعلى سبيل المثال كان خطاب الإخوان بخصوص أمريكا قبل توليهم السلطة يتسم بالعداء واتهام الولايات المتحدة بأنّها الداعمة لإسرائيل في ممارساتها ضد الفلسطينيين وضد الدول العربية بشكل عام، لكن منذ أن قرر الإخوان الترشح لانتخابات الرئاسة بعد الثورة بدأ التواصل بين الإخوان وأمريكا من أجل كسب دعمها وموافقتها على أن يتولوا الرئاسة في مصر، ووفق ما قاله الدكتور سعد الدين إبراهيم في إحدى ندواته بمركز ابن خلدون بعد 2013 بأنّ السفيرة الأمريكية السابقة بالقاهرة آن باترسون أكدت في العديد من التقارير التي أرسلتها إلى الإدارة الأمريكية أنّ جماعة الإخوان هي القوة الوحيدة المنظمة والقوية في مصر ولديها القدرة الكبيرة على التأثير في رسم مستقبل الشرق الأوسط، وأنّ رموز الجماعة نجحوا في إقناع واشنطن بقدرتهم على هذا التأثير خلال الزيارات والاتصالات المتبادلة، وأنّ تلك الطمأنة السياسية لقيت ترحيبًا من جانب إدارة الرئيس باراك أوباما، وقال إنّ حوالي (30) من قيادات الجماعة سافروا إلى واشنطن قبل جولة الإعادة بالانتخابات الرئاسية، وإنّهم عرضوا على الإدارة الأمريكية إقامة علاقات استراتيجية بين الطرفين، وتعهدوا كذلك باحترام معاهدة السلام مع إسرائيل وعدم تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة، كما كشفت التسريبات التي تم بثها من قبل اجتماعات عدد من قيادات الإخوان مع المجلس العسكري، على لسان خيرت الشاطر، عن حقيقة الموقف من أمريكا وإسرائيل؛ حين قال إنّ الإخوان لا يريدون أن تحدث ثورة جياع في مصر لأنّ فيها خطرًا على المصالح الأمريكية ومشروع إسرائيل، وأنّ الإخوان ليسوا في حرب مع أحد، وأنّه عندما أراد أن يذهب الشعب إلى الحدود مع إسرائيل رفضنا جميعًا وقلنا لا، وطلب الإخوان من خالد مشعل حينها إصدار بيان يعلن فيه رفض حماس ذهاب مصريين إلى الحدود. ومثال آخر وهو الخاص برفض القروض من المؤسسات الدولية في السابق واعتبار التعامل بها على أنّه ربا، وأنّه يُسهم في زيادة الأعباء على الدولة وتعميق تبعيتها للغرب، ثم مع وصول الإخوان إلى الحكم سعت الجماعة إلى الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، وعملت على إيجاد مخرج شرعي حتى لا يتم اتهامها من جانب أنصار التيار الإسلامي بما كانت تتهم به الحكومات من قبل، فوصفت الفائدة التي تتمّ إضافتها على القرض بأنّها رسوم إدارية وليست ربا، بل طلبت الجماعة من خلال أحد رموزها، وهو عبد الخالق الشريف، رئيس هيئة الدعوة والإرشاد بالجماعة، من الأزهر ووزارة الأوقاف والعلماء إصدار فتوى جماعية بشأن جواز قرض صندوق النقد الدولي لمساعدة الرئيس.

نموذج القاعدة في سوريا

نموذج آخر يكشف عن ذلك التناقض بين الشعارات والممارسات، ويعكس الإخفاق في اختبار الواقع عندما يصل الإسلاميون إلى السلطة ويواجهون العديد من التحديات التي لم تكن واضحة حينما كانوا في المعارضة، فجماعة (القاعدة) من التنظيمات الراديكالية التي تتخذ مواقف أكثر تطرفًا ويتسم خطابها بالعدائية الشديدة لكل المخالفين، وترفع الكثير من الشعارات البراقة التي تحمل نزعة طهورية، وتقوم بالمزايدة على الجميع على اعتبار أنّها الحق وما دونها هو الباطل، ومن أبرز الشعارات التي كانت ترفعها ما يتعلق بأمريكا وإسرائيل كذلك والموقف العدائي الواضح منهما، وتوظيف ذلك في نقد الأنظمة الحاكمة وتخوينها على اعتبار أنّها موالية لإسرائيل وتعمل لصالحها حسب رؤيتهم.

نشأت الحركة الإسلامية المعاصرة منذ بدايات القرن العشرين ممثلة في جماعة الإخوان وما تبعها من جماعات وتنظيمات، منطلقة من رفض الواقع بكل ما فيه

لكن مع وصول مجموعة تنتمي في الأصل لتنظيم (القاعدة) إلى الحكم في سوريا اختلفت السياسات وتغير الخطاب تجاه أمريكا وإسرائيل بدرجة كبيرة وصلت إلى حدّ التناقض الصارخ، مع تبرير ذلك من العديد من أنصار التيار الإسلامي بشكل عام بمبررات شرعية وواقعية كثيرة، فالعلاقة بين النظام الحاكم الجديد في سوريا وبين إسرائيل بلغت حدًّا كبيرًا من التعاون والتنسيق وبشكل واضح دون مواربة، فهناك تعاون بين النظام وإسرائيل في عدة ملفات أمنية، مثل التعاون في مواجهة الحركات الجهادية في سوريا كتنظيم (داعش)، والتعاون في مواجهة حزب الله في لبنان والعمل على منع وصول السلاح إليهم، والتعاون في القبض على بعض رموز المقاومة الإسلامية الفلسطينية المقيمين في سوريا من جانب النظام السوري، والتعاون كذلك في تسليم الوثائق الخاصة بعميل الموساد إيلي كوهين، والتي سلمتها حكومة الشرع إلى إسرائيل منذ فترة قريبة، كما توجد مفاوضات على تسليم رفات كوهين لإسرائيل، وهو الأمر التي ظلت تسعى إسرائيل إلى تحقيقه طيلة عقود ماضية دون جدوى.

ويكشف تقرير منشور في جريدة (معاريف) الإسرائيلية عن بعض مظاهر التعاون بين النظام الحاكم في سوريا بقيادة أحمد الشرع وبين إسرائيل، وممّا جاء فيه: "بما أنّ الجولاني يقول إنّه لا يريد حربًا مع إسرائيل، بل يريد التنمية فقط، ولا يريد أن تستفز القوى المتطرفة إسرائيل حتى لا تضرّ بالمصالح السورية، فهذا أمرٌ مهم، وهو بقوله هذا يُخاطر ببعض شركائه  المتطرفين، حتى بنخبته الذين ما زالوا جهاديين، ومع ذلك يُعلن أنّه لا يريد مواجهة إسرائيل، ولهذا السبب هذا مهم"، وجاء في التقرير أيضًا على لسان أحد الخبراء الإسرائيليين قوله: إنّ "لدينا مصلحة مشتركة جوهرية مع الجولاني في محاربة حزب الله، كل إجراء نتخذه ضد حزب الله في لبنان يساعد الجولاني، وكل مواجهة يخوضها أتباع الجولاني على الحدود مع لبنان عند المعابر الحدودية لمنع حزب الله من الحصول على الأسلحة والذخيرة تخدم إسرائيل، لدينا أيضًا مصلحة في مساعدة الجولاني في كبح أنشطة الميليشيات الشيعية العراقية في شرق سوريا، لقد أطلقوا النار علينا خلال الحرب في الشمال، وهم يحاولون تهريب أسلحة إلى حزب الله، وقد طرد مؤخرًا عناصر حماس وعناصر إرهابية فلسطينية أخرى من سوريا". وجاء أيضًا في التقرير أنّ مسؤولًا إسرائيليًا وصف اللقاءات التي عقدت مع ممثلي الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع بوساطة تركيا، بأنّها "إيجابية"، وأنّ الحكومة السورية الجديدة قدمت بوادر حسن نية تجاه إسرائيل، وأنّ إسرائيل تنوي الرد بخطوات مماثلة، وأنّ انضمام سوريا المحتمل إلى اتفاقيات إبراهيم قد يُحدث تغييرًا جذريًا في التوازن الإقليمي.

من خلال هذه الأمثلة، والتي يوجد غيرها الكثير، ليس في مصر وسوريا فقط ولكن في كل الدول التي وصل فيها إسلاميون إلى الحكم أو إلى مواقع اتخاذ القرار؛ يتضح أنّ ثمة فجوة كبيرة بين الشعارات والواقع، وبين المعارضة والمسؤولية عن إدارة الدولة، فالإسلاميون يتخذون من تلك الشعارات أداة لكسب حاضنة شعبية، يداعبون من خلالها أحلامهم ويكسبون تأييدهم، ويقدّمون من خلالها أنفسهم على أنّهم البديل الأنسب لتلك الأنظمة الذي سوف يحقق نموذج المجتمع الفاضل، حتى إذا ما وصلوا إلى السلطة وخضعوا لاختبار الواقع؛ تلاشت الأحلام وبدت الشعارات كسراب يحسبه الظمآن ماءً، وفشلوا في الاختبار.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية