هل يكون الدين وطنًا؟ الإسلاميون بين مفهومي "الوطن" و "الموطن"

هل يكون الدين وطنًا؟ الإسلاميون بين مفهومي "الوطن" و "الموطن"

هل يكون الدين وطنًا؟ الإسلاميون بين مفهومي "الوطن" و "الموطن"


22/01/2026

 

يستند التيار الديني، بشكل عام، إلى عدد من المنطلقات الفكرية والتصورات الذهنية حول التاريخ والواقع والذات والآخر، هذه المنطلقات والتصورات تتحدد بناءً عليها مساراته وممارساته، ومن بين أبرز هذه المنطلقات والتصورات ما يتعلق بالدولة والهوية ومصادر الانتماء والولاء.

وفي هذا الإطار يردد الإسلاميون، بشكل أو بآخر، بعض المقولات التي تعكس أنّ الإسلام هو الوطن الذي ينبغي الانتماء إليه مقابل التبرؤ من أيّ انتماءات أخرى، وأنّه هو المصدر الوحيد للهوية وإليه يكون الولاء، وهو ما يجعل المسلم البعيد أقرب من غير المسلم القريب.

لكنّ السؤال هو هل يصلح الدين أن يكون وطنًا، وهل ثمة تعارض بين الانتماء إلى الوطن وممارسة التدين، وما نتائج رؤية الإسلاميين هذه؟

بين "الوطن" و "الموطن"

وفقًا للمعجم الوسيط فإنّ مفهومي "الوطن" و "الموطن" يشيران تقريبًا إلى المعنى نفسه مع اختلافات بسيطة، فمفهوم "الوطن" يفيد الاستقرار والإقامة بشكل دائم، حيث يعرفه المعجم بأنّه مكان إقامة الإنسان ومقره وإليه انتماؤه وُلد به أم لم يولد، أمّا "الموطن" فيعني الإقامة المؤقتة كأن يقيم الفرد في بلدة ما لفترة مؤقتة فتكون حينها موطنًا له، ويعرفه المعجم بأنّه كل مكان أقام به الإنسان لأمر.

وفي الفقه الإسلامي فرّق الفقهاء بين "الوطن" و "الموطن" لأسباب فقهية لها علاقة بالصلاة وبعض أحكامها مثل القصر وصلاة الجمعة، والصيام وبعض أحكامه المتعلقة بالإفطار في حالات معينة، لذلك قسّم بعض الفقهاء الأوطان إلى "وطن أصلي" حيث يقيم الفرد بشكل دائم، و"وطن إقامة" حيث يقيم لمدة مؤقتة، وهو بهذا المعنى يقابل مفهوم "الموطن".

والوطن باعتباره هوية وانتماء وولاء يُعدّ مفهومًا حديثًا نشأ في الغرب أوّلًا ثم انتقل إلى المجتمعات الإسلامية في فترة متأخرة؛ فحتى القرن السادس عشر لم تكن أوروبا تعرف معنى الوطن على النحو الذي هو عليه الآن، حيث كانت الحدود بين الدول متداخلة ومتغيرة باستمرار من خلال الحروب والتحالفات وتغير الولاءات، وكان يحكمها مجموعة من الإقطاعيين بجانب الكنيسة التي كانت لها سلطة كبيرة حينذاك، ووفقًا للباحث عبد الستار جمال في دراسته حول مفهوم الدولة من النشأة إلى الدولة القومية، فإنّه قد حدث تحوّل في الغرب على المستوى السياسي والديني نتج عنه نشأة الدولة الحديثة، وكان لحركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر في القرن السادس عشر أثر على تعدد الكنائس بسبب الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية وهو ما أضعف من سلطتها، وكان لمعاهدة وستفاليا في القرن السابع عشر دور في رسم الحدود السياسية للدول والاعتراف بسيادتها والاتفاق على عدم تدخل بعضها في شؤون بعض، وهو ما ترتب عليه تبلور الدولة الوطنية وظهور مفهوم الوطن باعتباره هوية وانتماء، حيث أصبح ولاء الفرد للدولة وليس للكنيسة أو الإقطاع.

وعلى الجانب الآخر لم يكن مفهوم الوطن بمعناه الحديث قائمًا في المجتمع الإسلامي حتى بدايات القرن العشرين، وكان الانتماء إلى الدين هو الأساس في ظل نصوص دينية تحث على المساواة والأخوة القائمة على وحدة العقيدة، وفي ظل نظام الخلافة الذي كان يضم عددًا من الدول والمجتمعات الإسلامية بداخله، وعلى الرغم من وجود أكثر من خلافة في بعض المراحل التاريخية، إلا أنّ الفكرة كانت قائمة، فقد كانت كل خلافة منها تضم عددًا من الدول التي تجمعها وحدة الدين، وظل هذا الوضع قائمًا بشكل أو بآخر حتى ضعفت الدولة العثمانية، وبدأ يتشكل وعي لدى المصريين بأنّهم أمة متميزة لها تاريخها وهويتها وحضارتها التي يجب أن تجعلهم مستقلين غير تابعين لا إلى تركيا ولا إلى الغرب، وتبلورت الوطنية المصرية بإعلان إنهاء الحماية البريطانية على مصر، ووضع دستور 1923م، وبإلغاء الخلافة العثمانية في العام 1924.

الإسلاميون والوطنية

نظرًا لأنّ كل مكونات التيار الإسلامي من تنظيمات وجماعات تُعدّ سلفية، على اعتبار أنّ السلفية منهج تفكير جوهره الوقوف عند حدود الماضي والعمل على استعادته مرة أخرى في الحاضر؛ فإنّ موقف الإسلاميين وتصورهم عن الوطن وشكل الدولة لم يتجاوز ذلك المفهوم القديم، حيث يرون أنّ الدين هو المكوّن الوحيد للهوية والمصدر الأساسي للانتماء والولاء، وأنّ الدول القطرية تقتصر العلاقة معها على أنّها موطن يعيش فيه الفرد، يرتبط به بشكل عاطفي لأنّه المكان الذي وُلد فيه وله فيه ذكريات مختلفة، لكن لا يمثل بالنسبة إليه هوية ولا انتماءً، وأنّ الدولة الإسلامية هي دولة الخلافة التي يجب إعادة إقامتها مرة أخرى على النموذج نفسه الذي كان في الماضي، وهي دولة قائمة على وحدة العقيدة بحيث تمثل دولة للمسلمين.

ويُعبّر عدد من أدبيات الحركة الإسلامية عن هذا المعنى، فعلى سبيل المثال يقول حسن البنا: إنّ "الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة"، ويقول "أﻣّﺎ وﺟﻪ الخلاف ﺑﻴﻨﻨﺎ وبينهم، فهو أﻧﻨﺎ ﻧﻌﺘبر حدود الوطنية بالعقيدة وهم ﻳﻌﺘبرونها بالتخوم اﻷرﺿﻴﺔ والحدود الجغرافية، ﻓﻜﻞ ﺑﻘﻌﺔ ﻓﻴﻬﺎ مسلم يقول ﻻ إﻟﻪ إﻻ ﷲ محمد رسول الله وطني له حرمته وقداسته وﺣﺒﻪ واﻹﺧﻼص ﻟﻪ والجهاد في ﺳﺒﻴﻞ خيره"، ويقول كذلك: "يسمو وطن المسلم بعد ذلك حتى يشمل الدنيا جميعًا"، ويقول سيد قطب: "ولأنّ الإنسان بهذا القدر من الكرامة والسمو، أصبحت عقيدة المؤمن هي وطنه وقلبه وأهله، ومن ثم يتجمع البشر على هذه العقيدة وحدها".

تعكس هذه المقولات أنّ التيار الإسلامي توقف في تصوره للوطن عند مفهوم "الموطن" ولم يتطور إلى المعنى الذي يعني الوطنية بما هي هوية وانتماء، فالدول الوطنية أو القطرية تمثل لهذا التيار حلقة في سلسلة تتضمن حلقات أخرى تشكّل المجتمع الإسلامي المنشود، وهي مجرد هدف مرحلي في سبيل الوصول إلى الهدف الأكبر المتمثل في تلك الدولة، حيث يسعى هذا التيار إلى تغيير المجتمعات وفق نموذج معين تمهيدًا لإقامة المجتمع الأكبر المتمثل في دولة إسلامية كبرى تحت مسمّى الخلافة.

وينتج عن هذا التصور أن يصبح الارتباط ضعيفًا بين الفرد المنتمي إلى هذا التيار وبين مجتمعه الذي وُلد ونشأ وعاش فيه، وأنّ موطنه من الممكن أن يتغير حسب الظروف والأحوال إلى موطن آخر تتوافر فيه بعض السمات التي يتمناها ويصبح ولاؤه وانتماؤه إليه، بل من الممكن أن يعمل ضد موطنه الأصلي ويضر بمصالحه وهو يتخيل أنّه يسعى إلى تغييره حتى يصل إلى مجتمعه الأكبر المنشود، ومن نتائج هذا التصور أيضًا ألّا يكون الوطن في نظر الفرد فضاءً للعيش المشترك بين المختلفين دينيًا، ولكن يكون المسلم في أيّ مكان أقرب إليه من أيّ شخص آخر يشاركه العيش والتاريخ في الوطن إذا كان غير مسلم وربما إذا كان غير إسلامي.  




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية