نزيه خيّاط لـ (حفريات): حزب الله أمام لحظة انكشاف كبرى، والدولة مطالبة بحسم ملف السلاح

نزيه خيّاط لـ (حفريات): حزب الله أمام لحظة انكشاف كبرى، والدولة مطالبة بحسم ملف السلاح

نزيه خيّاط لـ (حفريات): حزب الله أمام لحظة انكشاف كبرى، والدولة مطالبة بحسم ملف السلاح


09/12/2025

حوار: رامي شفيق

يعيش لبنان سؤالًا مُركّبًا حول تنفيذ قرار الحكومة اللبنانية تسلُّم سلاح حزب الله واحتكار القوة في البلاد، بغية سدّ ذرائع العدوان الإسرائيلي على مناطقه المتاخمة، ومنع تنفيذ عمليات ميدانية على أراضيه، ومن ناحية أخرى كسر نفوذ حزب الله في البلاد وتقويض هيمنته التي تتصل ولائيًا بطهران وتعمل من خلالها كذراع وظيفية تهدّد أمن لبنان واستقراره.

إلى ذلك، التقت (حفريات) بالكاتب والأكاديمي اللبناني نزيه خيّاط، الذي أكّد أنّ الأزمة في لبنان ليست جديدة، لكنّها شهدت خلال العامين الأخيرين تغيّرات واضحة في معادلات الواقع السياسي والميداني.

وتابع قائلًا: إنّ اغتيال هيثم الطبطبائي، الذي كان يلعب دورًا محوريًا خلال العام الماضي في إعادة بناء الهيكل التنظيمي والعسكري للحزب، من شأنه أن يترك أثرًا بالغًا في المعادلة القائمة.

وأضاف خيّاط لـ (حفريات) أنّ إيران تحاول اليوم الاستثمار في حزب الله، بعد خسارتها لأوراق عديدة في المنطقة، كورقة أساسية وأيقونة رمزية في محاولة لإعادة ترميم نفوذها الإقليمي وجعله رأس الحربة في المواجهة مع إسرائيل.

نص الحوار:

  • كيف تقرؤون اليوم أزمة حزب الله في الداخل اللبناني، خصوصاً في ظل الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة عليه، وتأثير ذلك على موقعه في المعادلة الداخلية؟ وأثر اغتيال القائد العسكري هيثم الطبطبائي على معادلة التفاوض مع الحكومة اللبنانية؟

ـ بالنسبة إلى أزمة حزب الله في الداخل اللبناني، فهي في الحقيقة ليست أزمة جديدة، إلا أنّ المشهد السياسي اللبناني الداخلي، بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة مع حزب الله وإيران، شهد تغيّرًا واضحًا في المعادلة. فقد تعرّض الحزب لهزيمة قاسية أدّت إلى فقدان عدد كبير من قياداته في الصفوف الأول والثاني الثالث. وباعتبار أنّ حزب الله جسم عسكري بالدرجة الأولى، ويضمّ ما يقارب (50) ألف عنصر متفرّغ، فإنّ اغتيال نحو (6) آلاف من كوادره من قيادات الصف التنفيذي والمسؤولين الميدانيين في مختلف مناطق تواجده، ولا سيّما في الجنوب والبقاع، يعكس حجم الخسارة الكبرى التي تعرّض لها.

أمّا المستجدّ الأبرز، فقد تمثّل في إعلان الشيخ نعيم قاسم إعادة تجديد بنية الحزب التنظيمية، وتعيين مسؤولين عسكريين وأمنيين وسياسيين وماليين بدلاء عن القيادات التي تمّ اغتيالها. غير أنّ المفاجأة كانت في نجاح إسرائيل في اغتيال رئيس أركان حزب الله، أو الرجل الثاني بعد نعيم قاسم، وهو هيثم الطبطبائي. وهذا الأمر يدلّ بوضوح على أنّ الاختراق داخل جسم الحزب، وبنيته التنظيمية وحاضنته، ما يزال قائمًا بقوة، ويستهدف قياداته وبيئته بشكل غير مسبوق.

وإذا كان هذا الاختراق قد طال إيران نفسها، بوصفها المرجع الأساسي والموجّه والمموّل للحزب، حيث تمّ اغتيال ما يقارب (20) شخصية من قيادات الصف الأول في الحرس الثوري وعلماء الذرة وغيرهم، فإنّ تعرّض حزب الله لاختراق مشابه يصبح أمرًا متوقعًا إلى حدّ كبير.

ولا شكّ أنّ اغتيال هيثم الطبطبائي، الذي كان يلعب دورًا محوريًا خلال العام الماضي في إعادة بناء الهيكل التنظيمي والعسكري للحزب، من شأنه أن يترك أثرًا بالغًا في المعادلة القائمة. فبعد وقف إطلاق النار واغتيال حسن نصر الله، بدا موقف الحزب مهادنًا وموافقًا على مختلف المقررات، إلى أن جاءت زيارة علي لاريجاني واثنين من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان. واللافت أنّ هؤلاء الضباط لم يعودوا مع لاريجاني إلى إيران، كما حصل أمر مشابه خلال زيارة وزير الخارجية عراقجي؛ إذ عاد كلٌّ منهما بمفرده،  وبقي بعض قادة الحرس الثوري في لبنان، وهو ما أثار الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة تلك الزيارات ودلالاتها.

 

  • برأيكم، هل تتلكأ الحكومة اللبنانية فعلاً في تنفيذ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، أم أنّ التعقيدات البنيوية للواقع اللبناني تجعل هذا الهدف مؤجلاً أكثر منه متعثراً؟

ـ بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية والتباطؤ في حصر السلاح بيد الدولة، فأنا أرى أنّ هناك نوعًا من المراوغة المقصودة لدى السلطة في لبنان في تنفيذ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة. وهو التزام تعهّدت به أمام الدول الخمس والمجتمع الدولي، إضافة إلى الأطراف العربية التي شاركت في بلورة مخرجات وقف إطلاق النار وتطبيق مندرجات القرار (1701)، صحيح أنّ الواقع اللبناني معقّد، إلا أنّ اللحظات التاريخية تتطلّب اقتناص الفرص، لا إضاعتها.

في المرحلة التي كان يجب أن يتعامل فيها رئيس الجمهورية بجدّية وحزم مع هذا الملف، جاءت مواقفه على خلاف موقف رئيس الحكومة، الذي كان منذ البداية حاسمًا في هذا الأمر، لكنّه لم يحظَ بتغطية سياسية من رئاسة الجمهورية، بل بالعكس تمامًا. وقد ظهرت التباينات في الرؤى من خلال الاستقبالات المتكرّرة لمحمد رعد، رئيس كتلة نواب حزب الله، وحسن فضل الله، أحد نواب الحزب، الذي صرّح علنًا بوجود تفاهمات مسبقة بين حزب الله ورئيس الجمهورية قبل انتخابه. هذه التفاهمات، كما ألمح فضل الله، لا تقترب عمليًا من مسألة السلاح، ممّا رسّخ حالة الجمود حول هذا الملف.

وبالتالي، فإنّ هذا الموقف شكّل نقطة ضعف لدى السلطة، ولا سيّما رئاسة الجمهورية، بسبب اعتمادها أسلوب التفاوض مع حزب الله الذي استعاد قوّته مستندًا إلى الموقف الإيراني. فقد جاء أمر مباشر من طهران برفض أيّ نقاش في موضوع السلاح والاستعداد للمواجهة مع إسرائيل.

وفي هذا السياق، تحاول إيران اليوم الاستثمار في حزب الله بعد خسارتها لأوراق عديدة في المنطقة: خسارة حماس في غزة، وتراجع قدرة الفصائل العراقية والحشد الشعبي حيث لجأ نحو 80% منهم إلى مظلة الجيش العراقي بعد القصف على طهران، وفتح الأجواء أمام الطيران الإسرائيلي الذي استهدف القدرات النووية الإيرانية بنسبة كبيرة. هذه التطورات دفعت إيران إلى الاعتماد على حزب الله كورقة أساسية وأيقونة رمزية في محاولة لإعادة ترميم نفوذها الإقليمي وجعله رأس الحربة في المواجهة مع إسرائيل.

ولذلك نلاحظ اختلافًا واضحًا في موقف الحزب بين مرحلتين: مرحلة ما قبل زيارة وزير الخارجية الإيراني وعلي لاريجاني، حيث كان الموقف هادئًا ومائلًا للتهدئة؛ ومرحلة ما بعد الزيارة، حيث تصاعد الخطاب والتوتر بشكل ملحوظ. ففي البداية لم يكن نعيم قاسم يتّجه نحو التصعيد، بل فوّض الملف إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري لإيجاد مخرج يوقف العدوان، أو للتوقيع على اتفاق تطبيق القرار (1701)، ثم فجأة غيّر الحزب موقفه بعد خطاب التصعيد الذي أطلقه المرشد الإيراني علي خامنئي، وانخرط في مسار مختلف تمامًا.

  • كيف تفسّرون دعوة الرئيس الأمريكي للرئيس اللبناني جوزيف عون لزيارة واشنطن مقابل إلغاء دعوة قائد الجيش؟ ودلالة توقيت هذه الدعوة؟

دعوة الرئيس الأمريكي لجوزيف عون لزيارة واشنطن، سبقتها رسالة مهمّة تضمّنت ما يشبه إنذارًا مباشرًا وصل عبر الموفد المصري، وزير الخارجية ورئيس المخابرات المصرية، إذ بلّغا المسؤولين اللبنانيين رسالة شديدة اللهجة تُطالب بحسم ملف سلاح حزب الله بشكل نهائي، مع تحديد مهلة حتى الأول من كانون الأول (ديسمبر) لاتخاذ قرار واضح بهذا الشأن.

أمّا الموقف الذي صدر عن قائد الجيش اللبناني في تلك الفترة، والذي تضمّن اتهامًا لإسرائيل، فقد اعتبره الأمريكيون اتهامًا غير مباشر لهم أيضًا، وهو أمر غير مألوف وسابقة في هذا الإطار. وبناءً عليه جرى إبلاغ الجانب اللبناني بإلغاء دعوة الزيارة إلى واشنطن قبل نحو (48) ساعة من موعدها، وليس اعتذارًا من جانبه كما قيل إعلاميًا. ويمكن اعتبار هذه الخطوة رسالة سياسية مباشرة إلى رئيس الجمهورية.

وفي هذا السياق، خرج مسؤول في الحزب الجمهوري الأمريكي يُدعى توم حرب بمواقف إعلامية وجّه فيها انتقادات حادّة إلى رئيس الجمهورية، مذكّرًا بأنّ فترة توليه قيادة الجيش شهدت، بحسب تعبيره، أكبر نسبة لحفر الأنفاق في جنوب لبنان والبقاع، وأوسع عمليات تجميع وتخزين السلاح والذخائر والصواريخ النوعية، معتبرًا أنّ القرار (1701) لم يُطبّق فعليًا خلال عهده كما ينبغي.

ومن اللافت أيضًا أنّ قائد الجيش الحالي كان سابقًا مسؤولًا عن منطقة الجنوب، وكان يتابع العمل ضمن النهج ذاته ويتناغم مع القيادة السابقة، وقد أقام علاقات ميدانية مع ضباط من الطائفة الشيعية يُقال إنّ بعضهم محسوب على حزب الله، وحتى في مديرية المخابرات العسكرية تُثار اتهامات بوجود ضباط مقرّبين من الحزب.

وفي هذا الإطار جرى تداول معلومات مصدرها تقارير إسرائيلية وأمريكية تفيد بأنّ بعض الأسلحة التي كان الجيش اللبناني يصادرها في الجنوب كانت تُنقل عبر شاحناته، ثم يُعاد تخزينها في مستودعات تابعة لحزب الله. وبغضّ النظر عن مدى دقّة هذه المعلومات، إذ لا وجود لتأكيد رسمي لها، فإنّ مجرد تداولها أسهم في تعميق الشبهات وتعزيز الصورة السلبية لكل من رئيس الجمهورية وقائد الجيش لدى الجهات الدولية.

وبناءً على ذلك، ووفق ما تمّ تداوله في وسائل الإعلام، أُرسلت رسالة لاحقة تطالب بإقالة قائد الجيش واستبداله بقيادة تحظى بثقة اللجنة الخماسية المشرفة على الملف اللبناني.

 

  • هل تعتقدون أنّ العلاقات الأمريكية ـ اللبنانية تمرّ بمرحلة إعادة تموضع أو إعادة تقييم، وكيف سينعكس ذلك على المؤسسات العسكرية والأمنية وعلى التوازنات الداخلية؟

بالنسبة إلى العلاقات الأمريكية ـ اللبنانية، لا خيار للبنان في هذا المجال. وأعتقد أنّ المشكلة تكمن أيضًا في الفريق الاستشاري الذي أحاط برئيس الجمهورية، إذ لم يكن موفقًا في اختيار عدد كبير من هؤلاء المستشارين، لأنّ قسمًا منهم كان يُهادن حزب الله ويتمتّع بعلاقات جيّدة معه، ولا شكّ أنّ هذا الموقف يُلقي بظلاله على عملية اتخاذ القرار، ويُضعف الجدية المطلوبة لحسم مسألة الحوار والوصول إلى مخرج حقيقي لملف سلاح الحزب، وهو ما يؤدّي إلى عملية تمييع واضحة لهذا الملف.

أمّا بالنسبة إلى الدولة الوحيدة التي تدعم المؤسسة العسكرية اللبنانية، فهي الولايات المتحدة الأمريكية، فهي تقدّم سنويًا ما بين (300 و500) مليون دولار على شكل تجهيزات عسكرية ومساعدات لوجستية وذخائر وهبات، إضافة إلى تجهيزات ومعدّات ومدرّعات تُستخدم في إطار الأمن الداخلي فقط، ولا تصلح للمواجهة مع إسرائيل.

وبالتالي، فإنّ العقيدة القتالية للجيش اللبناني هي عقيدة غربية. ومن اللافت أنّه للمرة الأولى تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ما يمكن تسميته عقوبة، أو إهانة سياسية، بحق قائد للجيش اللبناني؛ إذ لم يحدث أن سُجّل مثل هذا المستوى من العلاقة المتشنّجة مع قائد للجيش اللبناني حتى خلال سنوات الحرب الأهلية.

 

  • كيف تُقدّرون تموضع تيار الإخوان المسلمين في لبنان كأحد وجوه الإسلام السياسي السنّي؟ وهل يشكّل حضورهم اليوم محاولة لملء فراغ ما أو لموازنة تمدّد الإسلام السياسي الشيعي ممثلاً بحزب الله؟

ـ الإسلام السياسي السنّي في لبنان هو في الحقيقة من أضعف التيارات السياسية، فجماعة الإخوان المسلمين، الممثَّلة تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، لم تتمكّن في أقصى حالات حضورها من إيصال أكثر من نائبين أو ثلاثة إلى مجلس النواب من مختلف المحافظات اللبنانية، وحتى بعد اتفاق الطائف، ومع الثقل الذي كان يمثّله فتحي يكن، الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان في ذلك الحين، لم ينجح إلا هو مع شخص أو شخصين خلال تسعينيات ما بعد الطائف، أمّا اليوم، فلا تتمثّل الجماعة الإسلامية إلا بنائب واحد في بيروت.

وبالتالي، فإنّ التيار الإسلامي السياسي المؤدلج في البيئة السنّية ضعيف جدًا، ولا سيّما أنّ المدن تكاد تخلو من أيّ حيثية شعبية فاعلة له. فالمجتمع السنّي اللبناني، وخصوصًا في المدن، هو مجتمع معتدل ومدني بطبيعته. صحيح أنّه يمكن تسجيل وجود بعض التكتلات أو المجموعات المؤيدة للتيارات السلفية، إلا أنّها لا تشكّل خطرًا من حيث القدرة على الهيمنة أو التنظيم أو السيطرة. وبصورة عامة، فإنّ البيئة السنّية في لبنان ليست بيئة مؤدلجة بالإسلام السياسي.

 

  • إلى أيّ مدى يمكن القول إنّ ثنائية الإسلام السياسي السنّي والشيعي في لبنان تسهم في إعادة رسم الحياة السياسية والاصطفافات الطائفية، وما انعكاسات ذلك على مستقبل الدولة ومؤسساتها؟

ـ لا ننسى أننا اليوم نرى أنّ إيران والنظام الإسلامي فيها مستوحَيان في جانب من بنيتهما من تنظيم الإخوان المسلمين. فإذا نظرنا إلى هيكلية الدولة الإيرانية نلاحظ أنّها تشبه إلى حدّ كبير هيكلية تنظيمية: المرشد، والتنظيم السرّي المتمثّل بالحرس الثوري. ولذلك، عندما انتُخب محمد مرسي في مصر، حاول إحداث انقلاب في تركيبة الدولة المصرية من خلال إنشاء تنظيم موازٍ للجيش يشبه الحرس الثوري، وهذا ما أثار المزاج العام والرأي العام في مصر ضده، ولا سيّما أنّ المجتمع المصري لا يحتمل الخطاب الديني المتطرّف.

وكذلك الحال في لبنان، فالخطاب الديني المتطرّف غير مقبول ثقافيًا ضمن المجتمع السنّي بشكل عام. أمّا حزب الله، فحاله مختلف؛ إذ نشأت حالة دولة دينية مذهبية، والطائفة الشيعية مبنيّة أساسًا كمؤسسة دينية ذات هرمية شبيهة بالإكليروس المسيحي.

بينما في البيئة السنّية لا يوجد مفهوم رجل الدين المتبوع صاحب الأتباع كما هو الحال في البيئة الشيعية. فالطائفة الشيعية تقوم على نظام هرمي واضح، مع تدرّج في مراتب رجال الدين وصولًا إلى مقام العلّامة وولاية الفقيه وما إلى ذلك من مراتب دينية.

إلى جانب ذلك، هناك الصراع المعروف بين مرجعيتي قم والنجف، وهو أمر غير موجود في البيئة السنّية، إذ إنّ مرجعيتها الدينية الأساسية هي الأزهر. أمّا التيارات السلفية، فقد شهدت فترة من الزخم، لكنّها فقدت حاضنتها الشعبية في لبنان بالكامل، ولم يعد لها نفوذ أو تأثير يُذكر، بل أصبحت مرفوضة من البيئة السنّية عمومًا.

 

  • ما مدلولات تصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، وهل يعني ذلك أنّ الدول الأوروبية ستتحرك نحو هذا القرار خلال الأفق المنظور؟

ـ بالنسبة إلى الثنائية، أي الإسلام السياسي السنّي والشيعي في لبنان، أنا لا أعتقد أنّ بإمكانهما تشكيل تكتّل واحد، في ظلّ انتماء حزب الله إلى المشروع الإيراني فقهيًا، وعقائديًا، واجتماعيًا، وتعليميًا، وحتى المناهج التعليمية في المدارس التابعة لحزب الله باتت تُدرّس الفارسية بدل العربية.

وبالمقارنة مع الإسلام السياسي السنّي، أو ما يمكن تسميته "السنّية السياسية" المتشبّثة بعروبتها، فإنّ أيّ تقاطع جدّي بين الطرفين يبدو مستحيلًا. ففي مرحلة سابقة كان هناك نوع من التأييد من بعض سنّة لبنان لحزب الله عندما كانت معركته محصورة في مواجهة إسرائيل وفي إطار التحرير. لكن منذ التفاته إلى الداخل، وبدئه الإخلال بالتوازنات الداخلية، ومشاركته في الحرب السورية بوصفه رأس حربة في تدمير الحواضر السنّية العربية العريقة والتاريخية، وقتل المدنيين، وإزالة الذاكرة التاريخية للاجتماع السوري، حدث تحوّل جذري في المزاج السنّي تجاهه.

هذا شكّل نقلة نوعية، حتى لدى الذين كانوا سابقًا يبرّرون مواقف الحزب؛ إذ فَقَد هؤلاء أيّ قابلية للاستمرار في هذا التبرير. واليوم فإنّ القلّة من السنّة الذين يُصنَّفون مؤيّدين لحزب الله هم في الواقع مرتزقة تحت مُسمّى "سرايا المقاومة"، ويتقاضون رواتب مقابل ذلك، ولا يقاتلون معه عن قناعة أو التزام عقائدي، بل بدافع المنفعة المادية فقط، في سياق الحاجة والانتفاع لا أكثر.

وبالنسبة إلى تصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية والجماعة الإسلامية في الولايات المتحدة، تقديري أنّ ذلك له علاقة بشكل مباشر بقطع الأوكسجين عن حماس. هذا مرتبط بحماس، لأنّ الأمر ليس مصادفة أن تكون مصر والأردن ولبنان هي المعنيّة بشكل مباشر. كما أنّ الفروع الموجودة في العالم تحت أسماء وتشكيلات وجمعيات مختلفة تُظهر أنّ الهدف هو القضاء على ظاهرة مثل ظاهرة حماس ضمن البيئة السنّية في المشرق العربي، وهذا يبدو هدفًا أمريكيًا واضحًا.

أهمّ مسألة الآن هي تجفيف منابع التمويل والمشاريع التجارية، لأنّ الجماعة تمتلك ثروات هائلة وقدرات مهمة، وبالتالي يُعتبر هذا ضربة كبيرة للإخوان المسلمين. كثير من الدول، مثل بعض الدول الأوروبية، سبق أن منعت المنظمات التي لها طابع تطرفي أو دعوي متطرف، والآن كل هذه الفروع ستلتف تحت العباءة الأمريكية.

هذا القرار لن يكون محصورًا بدولة واحدة، بل سيطال دول المشرق والمغرب العربي أيضًا. دول مجلس التعاون الخليجي حسمت أمرها ضد الإخوان منذ زمن، وفي المشرق حاول حزب الله التحالف معهم لاستغلالهم كغطاء سنّي في لبنان، خاصة فيما يتعلق بالغارات على غزة، ليظهر كأنّه مدعوم سنّيًا وليس من الشيعة فقط.

العملية الأمنية الإسرائيلية على الجماعة الإسلامية أدت إلى القضاء على (4) من أهم قياداتها، وهو ما تسبب في انكفاء الجماعة حتى منتصف السنة تقريبًا، وأصابهم بالهلع، بحيث لم يعد أحد من قياداتهم ينام في مكان سكنه. الذين سافروا أو تركوا مواقعهم لم يعودوا يشكّلون خطرًا على الحاضنة الاجتماعية السنّية أو على استمرارهم في الحياة السياسية اللبنانية.

بالطبع، ستظل هناك تكتلات صغيرة، لكن تقديري أنّه في الانتخابات المقبلة في لبنان لن يفوز أحد منهم إلا إذا قدّم خدمات شخصية كبيرة. أمّا بالنسبة إلى سوريا، فالوضع ما يزال قيد التشكّل، وستحدد الاتفاقيات مثل اتفاقية غزة ومدى تطبيق مشاريع ترامب لسلطة فلسطين تأثيرها على التوازنات السياسية في البيئة السنّية بشكل عام، واللبنانية بشكل خاص.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية