
حوار: رامي شفيق
صاغت الدولة التونسية، منذ عهد الاستقلال، استثناءً لافتًا ومسارًا خاصًا بها في محيطها العربي والإسلامي، سواء من حيث الرهان المبكّر على المشروع الحداثي أو الارتكان إلى المبدأ المدني في بناء الدولة وبنية المجتمع. وقد تميّز هذا المسار بخيارات فكرية وسياسية جعلت من العقل والتحديث أساسًا لمشروع الدولة الوطنية الناشئة.
ومن هنا فطن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة إلى أهمية تشييد مسار حداثي واضح المعالم منذ خمسينات القرن الماضي، قوامه الرئيس إعمال العقل، وتكريس دولة القانون، والاستثمار في التعليم العمومي، وتحرير المرأة، وفصل المجال الديني عن المجال السياسي، دون الدخول في قطيعة مع الإسلام في أبعاده القيمية والإنسانية. وقد واصل، نسبيًا، نظام الرئيس زين العابدين بن علي الحفاظ على جوهر هذا الخيار المدني، فظلّ الدين خارج التوظيف الحزبي المباشر، وبقيت مؤسسات الدولة محكومة بمنطق الدولة الوطنية لا بمنطق الجماعات العقائدية، رغم ما شاب تلك المرحلة من اختلالات سياسية.
بيد أنّ هذا المسار تعرّض، عقب أحداث سنة 2011، إلى هزّة عميقة أفسحت المجال أمام صعود حركات الإسلام السياسي، وفي مقدّمتها حركة النهضة، التي نجحت في النفاذ إلى كرسي السلطة مستفيدة من فراغ سياسي، وارتباك مؤسساتي، وحالة سخط اجتماعي واسعة. وقد سعت الحركة، تحت غطاء الشرعية الانتخابية، إلى إعادة توظيف الدين في المجال العام، وبسط نفوذها على مفاصل حسّاسة من الدولة، ولا سيّما وزارة الشؤون الدينية، والفضاء الجمعياتي، وبعض مفاصل الإعلام والتعليم، وهو ما أسهم في تطبيع الخطاب الديني الشعبوي وفتح المجال أمام قراءات متعسفة ومتشدّدة، شكّلت أحد روافد التطرّف والعنف لاحقًا.
وأمام هذا التحوّل تبرز الثقافة والتنوير ودور المؤسسات التربوية والتعليمية بوصفها خط الدفاع الأوّل في مواجهة الفكر المتطرّف، بعيدًا عن المقاربات الأمنية الظرفية. فإعادة الاعتبار للفكر النقدي، وتحديث الخطاب الديني، وتمكين المؤسسات الثقافية من أداء دورها التنويري، وإصلاح البرامج التعليمية على أسس عقلانية وإنسانية، تمثّل شروطًا أساسية لتحصين المجتمع، ولا سيّما فئة الشباب، من الانزلاق نحو الغيبية والتطرّف. فالمعركة مع الإسلام السياسي ليست معركة أمنية فحسب، بل هي في جوهرها معركة ثقافة، لا تُحسم سوى ببرامج واعية ومحدّدة، تعمل صوب مقاربات رصينة، ومؤسسات قوية، وهوية وطنية جامعة تعيد الاعتبار إلى العقل بوصفه أساس النهضة والتقدّم.
إلى ذلك، التقت (حفريّات) الكاتب والأديب التونسي محمود حرشاني لمناقشته في خطر الإسلام السياسي على بنية المجتمع ومؤسّساته، والأدوار المنتظرة من مؤسّسات الثقافة والمثقّفين لصدّ تلك الهجمات والأفكار الظلامية.
نص الحوار:
إلى أي حدّ ترون أنّ التطرّف الديني وانتشار الأفكار الغيبية يُعدّان نتيجة مباشرة لتراجع الثقافة والمعرفة النقدية؟
ـ من المؤسف أنّ بلادنا ـ تونس ـ تعرّضت، في فترة من الفترات، لهيمنة ثقيلة لظلّ الثقافة الهشّة، وفي المقابل غابت كل مظاهر الثقافة الرصينة التي تُحصّن العقول وتجعلها في مأمن من كل مظاهر التطرّف أو الشعوذة وتصديق الخرافات التي لا سند لها. وكان هذا نتيجة الصراع الأبدي القائم بين السلطة والمثقّف. ومثلما يقول المفكّر التونسي عبد السلام المسدي، إنّ هذا التباعد والتنافر خلق نوعًا من الفراغ تسلّل منه الفكر الظلامي المتطرّف، لأنّ السلطة، في مفهومها السياسي، تريد أن تحتكر المشهد وتوظّف المثقّف لخدمة أغراضها ومصالحها، في حين يعتقد المثقّف في نفسه أنّه، في حدّ ذاته، سلطة ويصعب ترويضه.
من هنا، في اعتقادي، وفي غياب ثقافة حقيقية مؤسَّسة على التفكير السليم، فُتح الباب أمام الخرافات والشعوذة والفكر المتطرّف والظلامي، ووجدت في شبابٍ تنقصه الثقافة الحقيقية والصلبة أرضًا خصبة للانتشار، ممّا سمح لجماعات الإسلام السياسي بالتمدد والعمل والانتشار، خاصة خلال سنوات العشرية السوداء.
كيف تفسّرون سقوط تونس في تجربة أحزاب الإسلام السياسي رغم الإرث المدني العميق الذي أسّسه مشروع الرئيس الراحل بورقيبة؟
ـ أوّلًا أشكرك على أنّك، في سؤالك، أكّدت على دور الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في التأسيس، منذ أواسط الخمسينات، لمشروع فكري حضاري مدني قائم على إعمال العقل بعيدًا عن الشعوذة والأفكار العقيمة. فكان الرهان على التعليم ومجانيته، وبناء المدارس والمعاهد، ومقاومة كل مظاهر الفقر والعوز، دون معاداة الإسلام كدين سماوي في أبعاده الإنسانية وجوهره الصحيح السليم من عند الله، لأنّ الزعيم بورقيبة كان صاحب مشروع.
وعندما زار الرئيس التونسي الولايات المتحدة في الستينات، لم يكن طلبه غير المساعدة على تعليم التونسيين ونشر المدارس في كل مكان، لأنّه كان يؤمن، وهو ابن جامعة السوربون، أنّه بالعلم يمكن أن نُحصّن العقول ونحميها من السقوط في التطرّف وتسطيح الفكر.
وعلى هذا الأساس كان الرهان على تحرير المرأة أوّل مشروع للدولة التونسية الناشئة، في شهر آب/أغسطس 1956، بصدور مجلّة الأحوال الشخصية. وجاء نظام الرئيس زين العابدين بن علي امتدادًا لجوهر ونظام بورقيبة، ولذلك لم يجد الإسلاميون أيّ فجوة للدخول إلى المشهد السياسي وحكم البلاد.
ولكن بسقوط نظام بن علي في بداية عام 2011، ونتيجة تداخل عوامل محلية وأجنبية، وجد الإسلاميون، وحركة النهضة تحديدًا، المجال للدخول، لأنّ الشعب كان متعطّشًا للتغيير، ولأنّ نظام بن علي كان، في تلك الفترة، قد بلغ نهايته. وبدأت بعض الجهات تُحرّض ضده، وظهرت الاحتجاجات في عدّة مناطق من البلاد، مثل أحداث الحوض المنجمي، ثم ثورة 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 التي انطلقت من سيدي بوزيد.
هذه الأحداث التي عمت بعض البلاد العربية لم يكن لها قادة، ومن هنا سَهُل على حركة النهضة في تونس كنموذج الظهور في مظهر البديل، واستُقبل راشد الغنوشي من منفاه بـ "أقبل البدر علينا"، ليستمرّ حكم الإسلام السياسي نحو عشر سنوات عرفت بـ "العشرية السوداء".
هل أخفقت النخب الثقافية والمؤسسات التعليمية في تحصين المجتمع فكريًا أمام الخطاب الديني الشعبوي؟
ـ نعم، أخفقت النخب الفكرية في القيام بدورها في محاصرة مدّ الإسلام السياسي، والأخطر أنّ عددًا من الوجوه الثقافية والإعلامية انخرطت، عن قصد أو مكرهة أو نتيجة إغراءات عديدة، في الترويج لمشروع الإسلام السياسي، وقِلّة فقط بقيت على الحياد، ولكن لم يكن دورها مؤثّرًا.
أضف إلى ذلك أنّ الإسلام السياسي بسط نفوذه بشكل يصعب زحزحته أو أن يكون للمثقّفين فيه دور، فاكتفى أغلبهم بالانسحاب أو الوقوف على الربوة.
هل ثمّة مسؤولية على جامعة الزيتونة والمؤسسات الثقافية، كمؤسسات تنويرية، في صعود القراءات الدينية المتشدّدة؟
ـ بصدق، إنّ عددًا من المؤسسات التعليمية والتنويرية هيمنت عليها حركة النهضة، أو إنّ دورها كان محدودًا وصوتها خافتًا. ولعلمك، فإنّ حركة النهضة جعلت من وزارة الشؤون الدينية أداة لبسط مشروعها، ولم تُفرّط فيها حتى لشركائها في الحكم.
واليوم يُفتح العديد من الملفات القضائية، مثل قضايا التسفير إلى بؤر التوتّر، نتيجة خطاب ديني تحريضي دفع بآلاف الشباب إلى الالتحاق ببؤر التوتّر والمشاركة في حروب ليس لهم فيها ناقة ولا جمل. وكان الخطاب الديني خطابًا مسمومًا لا يحترم العقل، وكان في جوهره يحمل رسالة تغرير بالشباب، وحتى بالإناث منهم، فالتحقت نسبة كبيرة منهم ببؤر التوتّر، وانخرط آخرون في عمليات إرهابية خطيرة نتيجة خطاب دغمائي غير مسؤول.
برأيكم، هل كانت تجربة الإسلام السياسي تعبيرًا عن أزمة هوية ثقافية أكثر منها خيارًا سياسيًا واعيًا؟
ـ نعم، بكل تأكيد، ما قلتموه في سؤالكم صحيح. كان هناك فراغ فكري وثقافي، وحتى الخطاب الديني في المساجد والجوامع كان خطابًا هشًّا تقليديًا لم يكن ينفذ إلى الأعماق. وهذا كان دور وزارة الشؤون الدينية التي لم تُقدّر كما يجب، في اعتقادي، الدور الموكول إلى الخطاب الديني وتخليصه من القوالب الجافة وجعله مغريًا للشباب ليُحصّنهم من كل أشكال التطرّف والغيبيات المجهولة والشعوذة.
أضف إلى ذلك أنّ دور المؤسسات الثقافية كان ضعيفًا أيضًا، وكذلك المؤسسة التربوية والبرامج الدراسية، التي لم تكن تتوفّر بها المادة التي تُطفئ لهيب الأسئلة عند الشباب.
كيف يمكن اليوم إعادة بناء الوعي الثقافي التنويري لمواجهة الغيبية والتطرّف بعيدًا عن المقاربة الأمنية؟
ـ أقول بصدق إنّ تونس تخلّصت اليوم من هيمنة الإسلام السياسي وخرجنا من العشرية المظلمة، وبقيت آثارها وسلبياتها التي يلزمها وقت طويل للتخلّص منها. ومطلوب اليوم التوجّه نحو ثقافة رصينة تُحصّن الأفكار، مثلما كان يقول العلّامة ابن خلدون، ابن هذه التربة الطيبة: "تعويد العقول الدربة على الصواب".
اليوم، باعتقادي، نحن بحاجة إلى مشروع ثقافي جديد يكون مرتكزًا على ثوابت صحيحة تقطع مع الفكر الظلامي، وتؤسّس لمجالات أرحب على قدر ما تزخر به هذه البلاد، قديمًا وحديثًا، من إرث حضاري وثقافي وفكري، أسّس له الروّاد المصلحون أمثال بورقيبة، والطاهر الحداد، والشابي، وطاهر بن عاشور، والفاضل بن عاشور، ومحمود المسعدي، وقبلهم جميعًا ابن خلدون، والخضري حسين الذي انطلق من تونس ليشغل إمامة الأزهر، وكذلك الدور التنويري لجامع الزيتونة المعمور الذي كان قبلة القاصدين من طلبة العلم.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_1.jpg.webp?itok=wyB-p77t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A70_1.jpg.webp?itok=9swa9NrG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%84_0.jpg.webp?itok=HGZ6ReH5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)