ماريز يونس: "الطائفية استعمار داخلي، والإسلام السياسي أعاد إنتاج الانقسامات في العالم العربي"

ماريز يونس: "الطائفية استعمار داخلي، والإسلام السياسي أعاد إنتاج الانقسامات في العالم العربي"

ماريز يونس: "الطائفية استعمار داخلي، والإسلام السياسي أعاد إنتاج الانقسامات في العالم العربي"


07/10/2025

 

أجرى الحوار: رامي شفيق

تبدو تجربة المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة مثيرة للانتباه والاهتمام، خاصة في الدول التي شهدت صراعات داخلية أو احترابًا أهليًا بين مكوّناتها وفاعليها المحليين.

وفي هذا السياق، التقت (حفريات) الدكتورة ماريز يونس، أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية ورئيسة الشبكة الدولية لدراسة المجتمعات العربية، لعرض وتشريح مقاربة المجتمعات العربية في ظل أزمتي الطائفية وخطر الإسلام السياسي.

تقول الدكتورة يونس في حوارها مع (حفريات): إنّ الطائفية في العالم العربي ليست مجرد خلاف اجتماعي أو ديني، بل هي شكل من "الاستعمار الداخلي" الذي يعيد إنتاج الانقسامات ويكرّس الهيمنة والعنف ويقوّض فكرة المواطنة. وتشير إلى أنّ الإسلام السياسي، سواء في صورته السنّية أو الشيعية، عمّق هذه الانقسامات بدلًا من تجاوزها، فقد أعاد صياغة الخلافات الاجتماعية والاقتصادية بلغة دينية مقدّسة جعلت العنف مشروعًا والصراع ضرورة دفاعية.

وتؤكد رئيسة الشبكة الدولية لدراسة المجتمعات العربية أنّ مخاطر الإسلام السياسي لا تقف عند حدود تقويض الدولة الوطنية، بل تتعداها إلى تغذية الحروب الأهلية وتكريس التبعية للخارج، بما يجعل المجتمعات العربية أسيرة الانقسام وفاقدة للسيادة.  

 

نص الحوار:

  • بداية، كيف تعرّفون مفهوم الطائفية في السياق العربي، وهل تختلف محدداته في بلد عن آخر كلبنان وسوريا مثلاً؟

ـ الطائفية في التجربة العربية أشبّهها بـ "الاستعمار الداخلي، فهي تعمل بالمنطق نفسه وإن تغيّرت أدواتها؛ إذ تقوم على الهيمنة والعنف واحتكار السلطة ونهب الموارد، وتعيد إنتاج المجتمع في صورة كيانات متنازعة تخضع في النهاية لمنظومة سيطرة ضيقة. وأصبحت في الوقت الراهن أداة سياسية فاعلة تُستخدم لإدارة المجتمع وتوزيع السلطة وتبرير العنف. فهي خطاب حداثي ـ استعماري يختزل التعددية في قوالب طائفية صلبة، ويطمس إمكانات المعايشة التاريخية لصالح نظام تمثيل يقوم على الانقسام والهيمنة. وهي تتنامى اليوم في العالم العربي وتتخذ أشكالًا مختلفة. في لبنان، تكرّست بعد الاستقلال عبر صيغة "الميثاق الوطني" لتصبح مدخلًا مؤسسيًا إلى الدولة ووسيلة للاستفادة من مواردها، وهو ما جعل الانتماء الطائفي جزءًا من شرعية النظام السياسي نفسه. أمّا في سوريا، فقد بقيت الطائفية في الظاهر خارج الخطاب المؤسسي الرسمي لكنّها تحولت في الواقع إلى أداة للتعبئة داخل الصراعات الأهلية والحروب الراهنة، حيث أعيد تفعيلها لتبرير السيطرة وتعبئة الولاءات. في العراق أعيد إنتاج الانقسامات المذهبية كقاعدة لترتيب السلطة السياسية والاقتصادية، واستخدمت الطائفية كأداة في القمع والتمييز وإعادة توزيع النفوذ.  

وعلى غرار الاستعمار الخارجي الذي يستعمل خطاب "الحماية" و"التنمية" لتبرير سياساته، تستخدم الطائفية خطاب "حماية الطائفة" و"حقوق الجماعة" لتبرير احتكارها للسلطة وتكريسها للعنف. فهي في جوهرها جزء من نظام عالمي يسمح بتدوير الهشاشة واستثمارها، إذ تفتح المجال أمام التدخلات الإقليمية والدولية وتوفر لها واجهات شرعية. لذلك يمكن القول إنّ الطائفية، بما تحمله من عنف وهيمنة واحتلال للفضاء العام والخاص، ليست أقلّ خطورة من الاستعمار الخارجي، بل هي شكله الداخلي الذي يجعل المجتمعات أسيرة انقساماتها، ويفرض عليها نمطًا دائمًا من التبعية والتفكك.

 

  • ثمّة من يذهب نحو أنّ الإسلام السياسي، سواء في صورته السنّية أو الشيعية، عزّز الانقسامات الطائفية. إلى أيّ حدٍّ تتفقون مع هذا الرأي؟ وكيف نشرح مسارات حدوثه؟

ـ الإسلام السياسي لم يظهر في فراغ، بل جاء في سياق انهيار المشاريع القومية والعلمنة في العالم العربي، ومع صعوده ارتبط حضوره غالبًا باستغلال الدين ضمن إطار سياسي يمنح الجماعات شعورًا بالهوية والشرعية في ظل دول وطنية منهكة. ولأنّ الإسلاموية طرحت نفسها بديلًا عن الهوية الوطنية الجامعة، فقد وجدت في الدين والتراث أداة فعالة للتعبئة، خصوصًا في لحظات الصراع والانهيار. حيث تُعاد صياغة الخلافات الاجتماعية والاقتصادية بلغة طائفية مقدّسة، تجعل العنف مشروعًا والصراع ضرورة دفاعية. من هنا لم تكن الطائفية مجرد عرض جانبي، بل كانت مكوّنًا بنيويًا في كثير من تجارب الإسلام السياسي، إذ شكّلت وسيلة لإعادة تأطير الخصومة السياسية والشرعنة الأخلاقية للعنف. الأمثلة في العراق ولبنان وسوريا واليمن تُظهر كيف تُستخدم الطائفية كأداة لتوزيع النفوذ والسيطرة، حيث تبني الأحزاب الإسلامية قواعدها على أسس مذهبية واضحة، حتى عندما تدّعي أنّها عابرة للطوائف. ومع التدخلات الإقليمية والدولية، اكتسبت الطائفية بُعدًا استراتيجيًا أوسع، فتحولت إلى لغة للصراع الجيوسياسي بين قوى إقليمية تستثمر في الإسلام السياسي لتوسيع دوائر نفوذها. وبهذا يغدو الخطاب الطائفي جزءًا من بنية الإسلام السياسي، ليس فقط كإرث تاريخي، بل كآليّة معاصرة لإدارة السلطة وتبريرها، ولتعبئة الجماهير داخل فضاء سياسي مأزوم، بحيث يستمر إنتاج الطائفية كأداة للشرعنة والانقسام معًا.

 

  • عانت المجتمعات العربية في لحظة سياسية من جماعات الإسلام السياسي وهي تتبوأ الحكم بدرجة أو بأخرى في عدد من المجتمعات العربية خلال ما عرف بسنوات "الربيع العربي ". إلى أيّ مدى تأثرت المجتمعات العربية سلبيًا؟

ـ شكّل "الربيع العربي" فرصة تاريخية غير مسبوقة أمام الحركات الإسلامية للانتقال من موقع المعارضة إلى مركز الحكم، وكانت الأسرع استثمارًا لهذه اللحظة بفضل تنظيمها القوي وشبكاتها الاجتماعية الواسعة وخطابها الديني الذي منحها شرعية شعبية في ظل انهيار الأنظمة الاستبدادية. وعلى الرغم من المسارات المتباينة التي شهدتها تجارب الإسلام السياسي في بعض الدول العربية، إلا أنّ جميعها أدت إلى مآلات سلبية، وإن بدرجات مختلفة. ففي حين مثّلت التجربتان المصرية والتونسية صعودًا سريعًا إلى السلطة انتهى إمّا بانهيار كامل كما في مصر أو بتنازلات متتالية أفقدت المشروع مضمونه كما في تونس، فإنّ تجارب أخرى انزلقت إلى مستويات أعنف، كما في اليمن وليبيا وسوريا، حيث استُخدم الخطاب الديني والمذهبي أداة للتعبئة ضمن صراعات أهلية محلية وإقليمية. وقد استغلت القوى الإقليمية والدولية حركات الإسلام السياسي ووظفتها كأداة في صراعاتها ضمن محاور إقليمية، فتحولت المنطقة العربية إلى ساحة لتصفية الحسابات تحت عنوان "دعم الإسلاميين أو محاربتهم". هذه التبعية أضعفت صورة الإسلام السياسي كحركة استقلالية، وحوّلته إلى جزء من لعبة النفوذ الإقليمي والدولي.

 

  • ما أبرز المسارات الواقعية التي يمكن أن تسلكها المجتمعات العربية لتجاوز الطائفية وتداعيات الإسلام السياسي؟ 

ـ لا يمكن في ظل التعقيدات البنيوية التي تعيشها الدول العربية طرح مسار واحد أو خيار جاهز لتجاوز الطائفية وتداعيات الإسلام السياسي، لأنّ هذه الظواهر متشابكة مع مجموعة من التحديات الكبرى. فالمسارات المطروحة ليست خطية أو معزولة، بل هي متداخلة وتتحرك في فضاء واحد حيث تتقاطع الطائفية مع الإسلام السياسي، وتتغذى كلتاهما من هشاشة الدولة والتدخلات الخارجية والانقسامات الاقتصادية والاجتماعية.

والانتفاضات العربية كشفت أنّ المشكلة ليست مجرد أنظمة سلطوية يمكن إسقاطها، بل بنية دولية ـ محلية أعقد؛ أنظمة حكم هشة تقوم على المحاصصة أو الولاءات، ومجتمعات منقسمة بفعل الطائفية، وإسلام سياسي عاجز عن تقديم بديل ديمقراطي جامع، وتدخلات إقليمية ودولية تجعل من كل دولة ساحة لتصفية الحسابات. لذلك، فإنّ أيّ معالجة واقعية لا يمكن أن تقتصر على المواطنة أو الإصلاح الدستوري فقط، ولا على المصالحة أو إصلاح الخطاب الديني وحده، بل يجب أن تُبنى على منظومة متشابكة من المسارات، تتحرك بالتوازي وتدعم بعضها البعض.

بهذا المعنى، يصبح الحديث عن "مسار" في صيغة المفرد تبسيطًا مُخلًا، بينما الأدق هو طرح شبكة من المسارات المترابطة: مسار سياسي لإعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المواطنة، ومسار مجتمعي لإعادة بناء الثقة بين الفئات المتنازعة، ومسار ديني يحرر الخطاب من التوظيف السياسي، ومسار اقتصادي يعالج التهميش، ومسار إقليمي يخفف من التدخلات الخارجية. وكلّ مسار من هذه المسارات يظلّ ناقصًا إذا لم يُدعَم بالآخر، وكلّ تقدم في أحدها يمكن أن يتراجع إذا لم يتكامل مع بقية المسارات.

أرى أنّ الأولوية للتحرير المعرفي والثقافي الذي يقطع مع الماضي ومع الصور النمطية التي تفرضها الحداثة الغربية في آنٍ واحد معًا. ومن هذا المنظور نحتاج إلى نخب وطنية تُعيد تعريف السيادة والمواطنة وتحصّن الفضاء العام وتُنشئ مجتمعًا مدنيًا حقيقيًا لا "مدنيًا طائفيًا". وإعادة الاعتبار للمعرفة في إطار الخصوصية المحلية والتجارب التاريخية المتنوعة بدل الخضوع لوصفة تنموية عالمية جاهزة. وبالطبع هذا الوجه لا يولد بسرعة لكنّه يُراكم ثقة ويُضعف منطق الولاءات الطائفية كشرط للبقاء أو الوصول إلى الموارد.

نحتاج إلى نخبة تفكير جديدة ـ نخبة مدنية، علمية، ثقافية، ليست بعيدة عن الناس ولا محمية في برج عاجي، قادرة على إنتاج  آليات قانونية ومدنية تحمينا من الانزلاقات نحو العنف من خلال الاستثمار في طاقات الشباب وتصميم مشاريع مستقبلية تترجم مطالبهم إلى برامج وسياسات قابلة للتنفيذ.

 

  • هل ترون أنّ إصلاح النظام التعليمي والثقافي هو المدخل الأهم، أم أنّ الإصلاح السياسي أولى وأسبق؟

ـ إصلاح النظام التعليمي والثقافي هو المدخل الأهم لأيّ مشروع تحرري أو إصلاحي في العالم العربي. أثبتت التجربة، خصوصًا بعد انتفاضات 2011، أنّ المسألة الثقافية هي العقدة البنيوية الأعمق، إذ لم تُفلح مشاريع التحديث التقني أو الإصلاحات الشكلية في الجامعات والمدارس في زحزحة التراث الذهني والديني المسيطر على وعي المجتمعات العربية. هذا يفسر كيف أنّ الحركات الاحتجاجية، التي انطلقت لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية، أعادت إنتاج نفسها ضمن سرديات دينية أو طائفية، لأنّ الوعي الجمعي ما زال أسير هذا المخزون الثقافي.

المدخل المعرفي يعني أوّلًا التحرير المعرفي: أي نقد الموروث الذي يُستخدم لتبرير التسلط والعنف والإقصاء، وفتح مساحات للتفكير النقدي في المدارس والجامعات والإعلام والقوانين. التحرير المعرفي يتطلب إعادة نظر في العلاقة بين الدين والسياسة، بين التراث والتحديث، بين الهوية والانفتاح. المقصود تفكيك البُنى الفكرية التي تجعل التراث والطائفية والمذهبية والإقصاء الديني مسائل مقبولة، وبناء منظومة قيمية تقوم على الاعتراف بالتعددية والمواطنة.

أمّا التحرير الثقافي، فهو تحويل هذا النقد إلى ممارسة اجتماعية. الثقافة هي أنماط حياة، وأدوات للتعبير. عندما يحتكر خطاب واحد الفضاء العام، يتكرس الاستبداد، بينما فتح مساحات التعبير والالتقاء والحوار والفن والإبداع والإعلام الملتزم، يمكّن الأجيال الجديدة من إعادة تعريف هويتها وعلاقتها بالدولة والمجتمع. أعتقد أنّ السياسة تجد معناها عندما تكون الثقافة أرضيتها.

الأولوية الثقافية تضع الإصلاح السياسي في إطاره الصحيح: السياسة التي تنبني على ثقافة نقدية تصبح مجالًا لإنتاج أنظمة وممارسات أكثر صلابة. أمّا الثقافة، فهي التي تهيّئ المجتمع كي يستوعب التعددية ويقبل بالمواطنة. الجمع بينهما ضروري، والبداية من المدرسة والعقل والفضاء العام هي ما يضمن أنّ أيّ إصلاح سياسي يستند إلى أرضية صلبة. التحرير المعرفي والثقافي هو ما يجعل الإصلاح السياسي ممكنًا وقابلًا للاستمرار.

 

  • بتقديركم ما أكبر التحديات التي ستواجه المجتمعات العربية في العقد القادم للمرور بعيدًا عن خطر الإسلام السياسي سنّيًا وشيعيًا؟

ـ يبين الواقع أنّ التحديات في المنطقة  تتفاقم. فنحن أمام مشاريع خارجية تقسيمية تستثمر في الانقسامات الداخلية وتعيد إنتاجها بأدوات أكثر تعقيدًا. هذه المشاريع تستغل هشاشة البنى الوطنية وتوظّف نقاط الضعف لدينا، سواء الإيديولوجيا الدينية، والتراث، والطائفية، لإعادة إنتاج النزاعات والتقسيم. من جهة أخرى نحن نعيش في زمن نظام "النيوليبرالية" التي وصلت ذروة توحشها كأداة استعمارية جديدة تعمل على إضعاف الاقتصادات الوطنية وتفكيك أسس السيادة وتكريس التبعية في منطقتنا. ومن هنا أرى أنّ التحدي الأكبر الذي ينتظر المنطقة اليوم هو تفكيك الدولة الوطنية من خلال إعادة إنتاج الانقسامات الطائفية والمذهبية والمناطقية كآلية لتفريغ فكرة المواطنة الجامعة، وتحويل الدولة إلى مجرد ساحة صراع بين قوى داخلية متنازعة وخاضعة لتدخلات خارجية. هذا المسار يجعل الخطر الحقيقي ليس في الإسلام السياسي وحده، بل في التقاء بنيته مع منطق النيوليبرالية ومشاريع الهيمنة الدولية، بحيث يتحول الاثنان إلى وجهين متكاملين لعملية إعادة استعمار صامتة تسعى إلى شلّ قدرة المجتمعات العربية على النهوض، وإبقائها رهينة التفتيت والتبعية.

وأمام هذه التحديات الكبرى، أرى أنّ المواجهة تبدأ بـ "التحرير"، أي تحرير ثقافي ومعرفي شامل يعيد الاعتبار للعقل النقدي والتفكير العقلاني بعيدًا عن الانفعالات التي تشدنا إلى الماضي وتجدد الصراع. ويقدم سردية بديلة قادرة على إقناع الناس بأنّ مستقبلهم المشترك لا يُبنى إلا على الاعتراف المتبادل والشراكة في المصير.

من دون هذا التوجه التحريري، سيظل المجال مفتوحًا أمام الإسلام السياسي السنّي والشيعي معًا لملأ الفراغ، لأنّ الأزمات حين تتفاقم تدفع الناس إلى البحث عن ملاذٍ بديل يمنحهم هوية ومعنًى وأمانًا. 

 

  • كيف تنظرون إلى دور الشباب والمرأة في تأسيس فضاء اجتماعي مقاوم لهذه الانقسامات؟

ـ أثبت الشباب في الانتفاضات العربية أنّهم الفاعل الأكثر حضورًا في المشهد، فقد خرجوا إلى الشوارع حاملين شعارات الحرية والكرامة، وأعادوا تعريف السياسة باعتبارها مشاركة جماعية ورفضًا للاستبداد. لقد عبّر هذا الجيل عن وعي مختلف، ورفض شامل للأحزاب والهيكليات التقليدية وكل مشاريع الإيديولوجيا القديمة، حتى وصل الأمر في كثير من الحالات إلى رفض فكرة التنظيم نفسها. ورغم أنّ هذا الرفض لم يتبلور بعد إلى مشروع بديل متكامل، فإنّه يُظهر أنّ الوعي الجديد لدى الشباب تحوّل إلى انتفاضات وشبكات تضامن وابتكارات ثقافية، عبّرت عن ثورة شعورية ضد القهر والاستبداد. لكنّ هذا المسار ظل محدودًا بإطاره الشعوري والاحتجاجي، ولم ينجح في تأسيس مؤسسات أو بدائل تنظيمية راسخة، وهو ما يجعل الحاجة ملحة لمرافقة النخب الفكرية لهذا الجيل من أجل بلورة مشروع بديل، يقوم على تأسيس فكري ونظري وخطط عملية متدرجة تفتح الطريق نحو المسار الثالث: بناء دولة المواطنة والعدالة.

في المقابل، برز مسار آخر انجرف فيه بعض الشباب نحو الإسلام السياسي، بكل ما يحمله من نزعات إقصاء وتعبئة طائفية وعنف مشروع باسم الدين. هذا الانجراف يجد جذوره في الإحباط العميق من الدولة الوطنية التي فشلت في تقديم العدالة والتنمية، وفي انهيار المشاريع القومية واليسارية التي تركت فراغًا سياسيًا هائلًا. ولأنّ الإسلاموية بدت بديلًا جاهزًا، قدّمت وعودًا بالهوية والكرامة والانتماء، وجد كثير من الشباب فيها ملاذًا. ومن جهة أخرى، فإنّ خصوصية المنطقة وتفاقم المظلومية الفلسطينية جعلا من مشروعية المقاومة العنيفة خطابًا جاذبًا لبعضهم، وهو ما أتاح للحركات الإسلامية استثمار هذه الرمزية لتعزيز نفوذها وتوسيع خطابها. لكنّ هذا المسار، رغم جاذبيته في لحظات الغضب، انتهى في كثير من التجارب إلى تكريس الانقسام الأهلي والارتهان الى مشاريع إقليمية وخارجية وإشعال حروب داخلية في بعض الدول العربية. أمّا النساء، فقد كنّ جزءًا أساسيًا من كلا المسارين. ففي الانتفاضات، شاركن بقوة غير مسبوقة، ممّا مثّل قيمة مضاعفة للاستثمار في طاقاتهن بعد أن أقصين تاريخيًا عن الفعل المجتمعي. وفي مسار الإسلام السياسي، تم استقطاب بعضهن بخطاب ديني يعيد إنتاج الهيمنة، بينما انجرفت حركات نسوية أخرى إلى صراعات ثنائية مع الرجل أو إلى خطابات مدفوعة بالتمويل النيوليبرالي، وهو ما جعلها مغتربة عن واقع المجتمع. لذلك فإنّ المطلوب اليوم إعادة بلورة خطاب النساء في أفق أوسع، يضع قضية المواطنة والعدالة محورًا لنضالهنّ، ويصوّب الصراع نحو المنظومة السياسية الذكورية التي تنتج التمييز على الرجل والمرأة معًا.

أعتقد أنّ جيل الانتفاضات يعيش مفترق طرق: بين مسار مدني عفوي ما يزال يبحث عن تأسيس فكري ومؤسساتي يجعله بديلًا واقعيًا، ومسار إسلام سياسي يستثمر المظلومية والهشاشة لإعادة إنتاج الطائفية والانقسام. والتحدي الأكبر أمام النخب والمجتمعات هو تحويل الوعي الاحتجاجي إلى مشروع تغييري مستدام، يفتح أفق بناء دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية التي يتطلع إليها الشباب والنساء معًا.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية