فيصل أبو الرايقة لـ (حفريات): الإسلام السياسي والمحاصصة يفاقمان تعقيد الأزمة الليبية

فيصل أبو الرايقة لـ (حفريات): الإسلام السياسي والمحاصصة يفاقمان تعقيد الأزمة الليبية

فيصل أبو الرايقة لـ (حفريات): الإسلام السياسي والمحاصصة يفاقمان تعقيد الأزمة الليبية


14/12/2025

أجرى الحوار: رامي شفيق

مع تعمّق نموذج الانسداد السياسي والتجاذبات الإقليمية والدولية التي تُلقي بظلالها على المشهد الليبي، يبدو الاستحقاق الانتخابي الرئاسي بوصفه أحد أهم مفاتيح الخروج من خندق الأزمة الممتدة منذ سنوات يجابه تحديات عديدة.

بين دعوات متكررة للتعجيل بالاستحقاق الانتخابي، وحراك شعبي يطالب بإنهاء المرحلة الانتقالية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً حول مدى جدية هذه المبادرات وإمكان تحوّلها إلى مسار عملي يقود إلى توحيد المؤسسات واستعادة استقرار الدولة، في مواجهة واقع تتداخل فيه صراعات الفاعلين وتعدد مراكز القرار، وسط تنافس دولي وإقليمي على النفوذ في ليبيا.

في هذا السياق، يقدّم الباحث الليبي في شؤون الأمن القومي فيصل أبو الرايقة قراءة تحليلية عميقة لمختلف أبعاد المشهد، معتبراً  في حواره مع (حفريات) أنّ دعوة رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح إلى الإسراع في الانتخابات تكسر الجمود الخطابي دون أن تُفككه مؤسسيّاً، في ظل غياب خارطة طريق واضحة وتوافق وطني حقيقي. ويشير أبو الرايقة إلى أنّ الضمانات الفعلية لإنجاح الاستحقاق الانتخابي ترتكز على توافق القوى المسلحة الكبرى، وتفاهم إقليمي ـ دولي لوقف توظيف الأزمة الليبية، وتأسيس مفوضية مستقلة وقادرة على إدارة الانتخابات بنزاهة. ويحذّر من مخاطر تكريس تقاسم السلطات شرقاً وغرباً بوصفه مدخلاً لـ "تقسيم ناعم"، ومن توظيف الدين في الصراع السياسي باعتباره عاملاً يفاقم الاستقطاب ويهدد بناء الدولة المدنية.

نص الحوار:

كيف تُقيِّمون دعوة المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، للمفوضية إلى الإسراع في الانتخابات الرئاسية؟

ـ جاءت دعوة المستشار عقيلة صالح استجابةً للحراك الشعبي الذي خرج في مدن الشرق الليبي، مطالباً القوى الفاعلة بتنفيذ الاستحقاق الرئاسي بأسرع وقت ممكن. وجاء هذا الحراك في وقت بالغ الدلالة لحجم التحولات والتطورات الجيوسياسية إقليمياً ودولياً.

ومن ناحية أخرى، تأتي هذه الدعوة من حيث الشكل استجابةً لصوت الشارع الذي سئم المراوحة في المكان والدخول في تفاصيل التفاصيل دون حسم أمر الاستحقاق واستكمال بنية الدولة الوطنية في ليبيا بعد عقد أو أكثر من أحداث العام 2011 وسقوط نظام العقيد القذافي، ولكنّها أيضاً تعكس من ناحية المضمون صراع شرعيات أكثر ممّا تظهر مساراً انتخابياً مكتمل الشروط ومرتبطاً بجدول زمني محدد وخارطة طريق واضحة.

إنّ دعوة رئيس مجلس النواب الليبي تكسر حالة الجمود خطابياً، لكنّها لا تبدده مؤسسياً.

إذاً نحن في أمس الحاجة لتوافق وطني حقيقي على جملة من الإجراءات الواضحة التي تفضي إلى هذا الاستحقاق الانتخابي واستقرار الدولة الليبية، عبر قواعد صارمة تشير إلى مراحل التنفيذ وحسم شروط الترشح والقبول بالنتائج وضمان وحدة الإطار القانوني.

إذاً، في تقديرك، ما الضمانات الحقيقية نحو الشروع في تنفيذ هذا الاستحقاق؟

ـ ربما الوضع في ليبيا يحتاج لبعض التوضيح نتيجة طبيعة المجتمع وماهيته، لأنّ الضمان الرئيس في ليبيا ليس النص القانوني فحسب، بل الأمر يتعلق بفهم مدركات ميزان القوى وقدرته على التأثير.

ولكن على أيّ حال، في تقديري، الضمانات الحقيقية تتمثل في ثلاثة عناصر رئيسية:

1. توافق الحد الأدنى بين القوى المسلحة الرئيسة على عدم إفشال المسار الانتخابي.

2. الالتقاء نحو اتفاق إقليمي ـ دولي على وقف توظيف الملف الليبي كساحة تنافس.

3. الوصول إلى تأسيس مفوضية مستقلة فعلاً، وتملك القدرة الفنية لتحقيق هذا الاستحقاق، وتحظى باعتراف الأطراف.

وبالتالي، أتصور أنّه من دون هذه العناصر الضرورية واللازمة للانتخابات الرئاسية، تتحول الانتخابات إلى جولة جديدة في صراع الشرعية.

هل هناك تعارض بين "الحوار المهيكل" للأمم المتحدة والتحرك الأمريكي المباشر؟

ـ ربما ينبغي التأكيد على أنّ عدداً من القوى الفاعلة إقليمياً ودولياً ينظرون باهتمام كبير للملف الليبي ومسار الاستقلال وتوحيد المؤسسات والمناصب التنفيذية في ليبيا، انطلاقاً من الأهمية الاستراتيجية لليبيا وموقعها الحيوي على البحر المتوسط كبوابة لأوروبا.

تفصيلياً، يبدو أنّ حراك الأمم المتحدة وجهود واشنطن ليست متعارضة بشكل كامل، بيد أنّ المسارين بينهما تداخل وتفاعل أممي مؤطَّر، ومن ناحية أخرى مسار أمريكي أكثر براغماتية ومرونة.

إذاً، ينبغي فهم ذلك من خلال أنّ الازدواجية قائمة في الأدوات والطرق والوسائل، لا في الهدف المعلن والظاهر للجميع؛ إذ أنّ الجميع يرفع شعار "الاستقرار لليبيا"، لكن لكل طرف تعريفه الخاص للاستقرار ومن يحكمه ويمثل مصالح تلك القوى الفاعلة.

وبالتالي، نستطيع القول إنّ هذا التعدد في الرعاة والمؤثرين يزيد شعور الليبيين بأنّ الأزمة تُدار من الخارج أكثر ممّا تُحلّ من الداخل.

ما مخاطر تكريس تقاسم السلطات بين الشرق والغرب؟ وهل يقود إلى "تقسيم ناعم"؟

ـ لم تكن السنوات الفائتة سهلة ويسيرة على أبناء الشعب الليبي، بل كانت ثقيلة الوطأة والتداعيات على كافة مفاصل الدولة والمجتمع، الأمر الذي أفاد لتقدير أنّ تقاسم السلطات الحاصل حالياً بين قوى الشرق والغرب كحل مؤقت وطارئ قابل للفهم، غير أنّ تحويله وتكريسه إلى قاعدة دائمة يعني عدداً من الحقائق المؤلمة، خاصة على مستوى ترسيخ منطق المحاصصة الجهوية على حساب المواطن، وتكريس اقتصادين وتعدد ولاءات يحمل مخاطر عديدة.

قد يبدو ذلك الواقع ليس تقسيماً رسمياً، لكنّه يخلق تقسيماً فعلياً ناعماً في الإدارة والقرار والموارد، وهو ما يصعب بعدها إعادة توحيد الدولة إلا بأثمان سياسية واجتماعية باهظة.

إلى أيّ حد يوجد حوار حقيقي بين مجلس النواب والأعلى للدولة؟

ـ ما يجري الآن بين مجلس النواب في طبرق شرق ليبيا والمجلس الأعلى للدولة في العاصمة طرابلس غرب ليبيا هو تفاوض على حصص أكثر من كونه حواراً حقيقياً على مشروع دولة.

في تقديري، أنّ الحوار الحقيقي بين المؤسسات في ليبيا يبدأ متى كان السؤال بصيغة مؤداها: "أيّ نظام سياسي نريد؟" حينها يمكن الحديث عن مضمون حقيقي وواقعي تستفيد منه الدولة الليبية، أمّا حين يكون السؤال: "من يشغل أيّ منصب؟" فنحن صوب مساومات قصيرة النفس، تنتج تسويات هشة لا تصمد أمام أول اختبار.

كيف تنظرون إلى انخراط تيار دار الإفتاء وبعض قوى الإسلام السياسي في المشهد المباشر؟

ـ للأسف، تيار دار الإفتاء والصادق الغرياني هو استمرار لتقليد قديم في الشرق الأوسط يتمثل في توظيف الدين واستخدامه كـ "رأسمال رمزي" في صراع السلطة.

وفي الوقت نفسه، يبدو أنّ انخراط هذه التيارات الدينية في المجال السياسي مسألة خطيرة وتهدد بنية الدولة، خاصة أنّها من الصعب أن تقبل بقواعد اللعبة المدنية، لكنّ حقيقة الإشكال تتبدّى حين تُستَخدم المرجعية الدينية بعيداً عن أصول الدين وقواعده الرئيسية، بل كأداة وظيفية نحو إقصاء الخصوم واحتكار تعريف الشرعية والاصطفاف بجانب قوى على حساب أخرى.

وإلى أيّ حد يمثل في تقديرك هذا الدور عنصر تعقيد للأزمة؟

ـ الحقيقة المطلقة لا تعرف سوى قول نعم، لأنّ دخول الفاعل الديني إلى قلب الاستقطاب المسلح والسياسي من شأنه أن يرفع منسوب الصراع من درجة "خلاف سياسي" قد يبدو واقعياً ومنطقياً إلى درجة معقدة من "صراع على الحق والباطل". فضلاً عن كون ذلك يعمل على تضييق مساحة التسويات؛ فمنطق العمل السياسي يسمح ويقبل بمفهوم التنازل والإجراءات التكتيكية، أمّا التنازل في "العقيدة" وما يتعلق بالنصوص المقّدسة، فهو خيانة للدين.

بهذا المعنى، يصبح توظيف العامل الديني من قوى الإسلام السياسي معقداً للأزمة في ليبيا بشكل كبير.

ما خطورة تسييس الخطاب الديني على بناء الدولة المدنية في ليبيا؟

ـ إنّ الخطر الأساسي في هذا الوضع يبدو للجميع من خلال تحويل الدين كمرجعية جامعة لكافة المواطنين في المجتمع إلى هوية فئوية، وهو ما يهدد وحدة المجتمع.

كما أنّ الفتوى الدينية حين تُستعمل كأداة تعبئة في معارك السلطة وميادين السياسة، فإنّها تفقد المجتمع ثقته الطبيعية في المؤسسة الدينية، وحينها أيضاً تتحول الدولة إلى ميدان تنافس بين "هويات دينية ومقولات فقهية"، لا بين رؤى سياسية حقيقية تستهدف صالح الوطن والمواطنين.

وبالتالي، نصل إلى نتيجة مؤسفة نحو تهديد فكرة الدولة المدنية التي تتأسس على حياد المؤسسات واعترافها بكافة قناعات المواطنين الدينية.

إذاً، كيف يمكن تحييد الدين عن الاستقطاب السياسي في ليبيا؟

ـ في اعتقادي، أنّ مفهوم التحييد لا يعني استبعاد الدين من المجال العام، بل الأمر يحتاج لضبط حقيقي لمفهوم الفتوى عبر مؤسسات دينية مستقلة عن الأحزاب والحركات المسلحة وأهدافها المتباينة والمتعارضة والمتناقضة أحياناً.

كما أنّ تحييد الدين يقتضي ويلزم منع استخدام كافة المنابر الدينية في أعمال السياسة أو التحريض بين القوى المتنافسة، وكذلك إقرار قواعد دستورية واضحة تحمي حرية المعتقد، وتمنع أيّ تشريع يقوم على الإقصاء الديني.

من خلال ذلك كله يمكن استعادة الدين كقيمة أخلاقية عامة، لا كأداة في صراع السلطة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية