فصول بلا جدران: خيام غزة تتحول إلى منارات للتعليم

فصول بلا جدران: خيام غزة تتحول إلى منارات للتعليم

فصول بلا جدران: خيام غزة تتحول إلى منارات للتعليم


كاتب ومترجم فلسطيني‎
15/12/2025

منذ بدء حرب الإبادة على غزة مطلع تشرين الأول (أكتوبر) 2023 توقفت العملية التعليمية بشكل كامل في غزة، بعد أن تسببت الحرب بتدمير المراكز التعليمية والمدارس، ونتيجة لذلك فقد مئات الآلاف من الطلاب حقهم في التعليم، ومع التوصل إلى وقف لإطلاق النار، اضطرت الجهات المحلية والدولية إلى ابتكار حلول بديلة لاستمرار المسيرة التعليمية، ومن أبرز الحلول تحويل الخيام إلى مدارس مؤقتة إلى حين البدء بإعادة إعمار ما دمره الاحتلال.

ومع غياب المباني المناسبة وتدمير مدارس غزة بشكل كلي أو جزئي، وتحويل المباني المتضررة جزئيّاً إلى مراكز لإيواء النازحين، ظهرت النقاط التعليمية داخل مخيمات النازحين، حيث تقام النقاط التعليمية داخل خيام كبيرة مجهزة من الأخشاب والشوادر، وفيها ألواح تعليمية وبعض المقاعد، وتدار من قبل معلمين متطوعين أو مؤسسات إغاثية، وتشكّل هذه الخطوة والمبادرات فرصة مهمة لحماية الأطفال من التسرّب المدرسي.

وكانت وزارة التربية والتعليم، بعد أن فقدت الأمل بعودة التعليم الوجاهي إلى المدارس، قد أطلقت خطة للتعلم عن بُعد، ولاقت هذه الخطوة مشاركة وتفاعلاً من قبل عدد من الطلاب، لكنّ عمليات النزوح المتكررة للسكان وانقطاع شبكات الإنترنت والكهرباء، أدت إلى عزوف الآلاف من الطلبة عن الاستمرار في متابعة الدروس عبر الإنترنت، ودعمت فكرة إنشاء خيام تعليمية داخل المخيمات لحماية الطلاب من فقدان حقهم في التعليم.  

ويُعدّ تحويل الخيام إلى مدارس مبادرة إنسانية تعليمية ضرورية، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السكان في غزة، ورغم التحديات الكبيرة، فإنّ هذه الخطوة تمكّن آلاف الطلاب من مواصلة مسيرتهم التعليمية والمحافظة على ارتباطهم بالتعليم، وتمنحهم بصيص أمل في مستقبل أفضل، ويشكّل التعليم عنصراً أساسيّاً في دعم الصحة النفسية للأطفال والحفاظ على مستقبلهم، خاصة في مناطق النزاع بعد أن أدت الحرب والنزوح المستمر إلى انقطاع آلاف الطلاب عن مقاعد الدراسة لأشهر طويلة.

ويُعتبر الفلسطينيون من أكثر الشعوب العربية تعلماً، ويحظى التعليم باهتمام كبير بين الأسر، وتسجل فلسطين نسباً مرتفعةً في القراءة والكتابة والتحصيل الجامعي مقارنة بالظروف الاقتصادية والسياسية، وقد بلغت نسبة الملتحقين بالتعليم في غزة على وجه التحديد 95%، وينظر إلى التعليم في فلسطين كأداة للحفاظ على الهوية الوطنية، في ظل ما تعانيه فلسطين من احتلال.  

ويجمع المواطنون في غزة، بالرغم من الظروف الصعبة التي أفرزتها الحرب وما زالت تلك الظروف قائمة، على عدم السماح بضياع حق أبنائهم في التعليم، ففي الوقت الذي تغرق فيه الخيام ويتلهف النازحون للحصول على الخيام والمساعدات الإنسانية، يبقى اهتمامهم بأبنائهم قائماً على الذهاب إلى دروسهم التعليمية.

داخل مخيم منارة الحياة وسط قطاع غزة أقدمت إدارة المخيم على إنشاء مدرسة تعليمية تستقبل رياض الأطفال والطلبة في المراحل الابتدائية والإعدادية، وذلك بجهود ذاتية وبمساعدة عدد من الفتيات اللاتي يقدّمن دروساً تعليميةً، وقد أنشئت خيمة كبيرة من الحديد  والنايلون تتسع لـ (40) طالباً، ونتيجة لارتفاع عدد الطلبة الملتحقين بالمدرسة، سيتم تقسيم الدوام على فترات أسبوعية، ومنح جميع الطلاب الفرصة في التعلّم.

يقول مصطفى عز الدين، أحد المشرفين على إنشاء الخيمة التعليمية داخل المخيم: "هناك إلحاح مستمر من قبل العائلات النازحة داخل المخيم على ضرورة إلحاق أبنائهم بالمدارس وتعويض ما فاتهم من مراحل دراسية، وذلك لحمايتهم من فقدان حقهم في التعليم، بعد توقف العملية الدراسية أكثر من عام ونصف عام نتيجة الحرب المدمرة على غزة".

ويشير في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ "اهتمام الأهالي، رغم ما يعيشونه من ظروف صعبة بتعليم أبنائهم، كان بمثابة حافز لإدارة المخيم كي تستغل ذلك، من خلال جلب الدعم الخارجي لإنشاء خيمة تعليمية تتسع لعشرات الطلبة، وتقدّم لهم العلم وتؤهلهم للالتحاق بالمستويات الدراسية التي فاتت جميع الطلاب على مدار عامين من الحرب".

ولفت إلى أنّ "المدرسة تستقبل أسبوعيّاً (260) طالباً من مستويات مختلفة، ويتم تعليمهم وتقديم القرطاسية لهم بالمجان، وقد أنشئت هيئة تعليمية تدير هذه الخيمة بما هو متوفر من إمكانيات، ويتلقى أعضاء الهيئة التعليمية مكافأة مالية من خلال تبرعات تأتي من فاعلي خير".

من جهتها تقول الإخصائية النفسية أماني محمود، التي تعمل على تفعيل أنشطة تفريغ الضغوط النفسية داخل المخيم والنقطة التعليمية: هناك حضور لافت من الطلاب في كافة المستويات للالتحاق بالمدرسة التعليمية في المخيم نفسه، بعد إصرار الأهالي على حماية أبنائهم من مخاطر الشوارع ومظاهر الحرب."    

وتشير في حديثها لـ (حفريات) إلى أنّ "الحرب وعمليات النزوح تسببت بإرهاق نفسي وجسدي للمعلمين والطلاب، وفقدت المؤسسات التعليمية عدداً من الكوادر، نتيجة القصف الإسرائيلي على غزة، وهناك عدد كبير من الطلاب بحاجة إلى مراحل تفريغ نفسي، بسبب الضغوط الواقعة عليهم نتيجة حرب الإبادة المستمرة."  

ولفتت إلى أنّ "الخيمة التعليمية، بالرغم من الجهد الذي بذل لإقامتها وخدمتها شريحة من الطلاب، إلا أنّها تفتقر للعديد من الوسائل المهمة، وأهمها ضعف البنية التحتية من حيث التهوية وتسرب مياه الأمطار داخلها، كما أنّها تحتاج إلى مزيد من المقاعد، حيث يجلس البعض على مقاعد وآخرون على قطع من السجاد لضعف الإمكانيات."  




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية