فتوى الغرياني تُشعل المشهد الليبي من جديد: الدين في قلب الصراع السياسي

فتوى الغرياني تُشعل المشهد الليبي من جديد: الدين في قلب الصراع السياسي

فتوى الغرياني تُشعل المشهد الليبي من جديد: الدين في قلب الصراع السياسي


20/11/2025

تتعمّق حالة الانسداد السياسي، وتتصاعد الخلافات بين القوى الفاعلة في ليبيا، مع اعتراض حكومة أسامة حمّاد المكلّفة من البرلمان في شرق البلاد على قرار البعثة الأممية بتوقيع اتفاق مع قطر لتمويل الحوار السياسي المهيكل، فقد اعتبرت ذلك "تجاوزاً سافراً وغير مقبول للصلاحيات الممنوحة للبعثة"، ووصفت الاتفاق بأنّه "اعتداء مباشر على السيادة الليبية، وانحراف صارخ عن المعايير الدولية التي تلزم البعثات بالحياد والاحترام الكامل لسلطات الدولة المضيفة"، بحسب وسائل إعلام ليبية.

دار الإفتاء: أداة وظيفية باسم الدين

وفي خضمّ هذه الأجواء الملتهبة، أصدر الصادق الغرياني فتوى رسمية باسم دار الإفتاء اعتبر فيها زيارة وفود المصالحة من المنطقة الغربية إلى القيادة العامة تعدّياً وعدواناً على البلد وحدود الله وأحكامه وحرمات المسلمين.

وجاء في نص الفتوى الصادرة باسم الغرياني أنّ "من يشدّون الرحال إلى مجالس حفتر لا يمثّلون المدن الليبية، ويجب التبرّؤ منهم ومقاطعتهم، وعلى عامة الناس الخروج إلى الميادين للتنديد بهم".

جاءت فتوى الغرياني على خلفية استقبال المشير خليفة حفتر، القائد العام للقوات المسلحة الليبية، وفداً من مشايخ وأعيان وحكماء قبائل مناطق الساحل الغربي، وذلك في مدينة المشير خليفة حفتر العسكرية، بحضور رئيس الحكومة الليبية المكلّفة من البرلمان الدكتور أسامة حمّاد، ورئيس الأركان العامة الفريق أول ركن خالد حفتر.

وخلال الاجتماع قدّم وفد الساحل الغربي شكرهم للقيادة العامة على جهودها المبذولة لحماية البلاد وترسيخ الأمن، مؤكدين دعمهم الكامل للخطوات الرامية إلى تعزيز وحدة ليبيا وحماية مؤسساتها. وعبّروا عن استعدادهم للمساهمة الفاعلة في الحفاظ على تماسك المجتمع ومواجهة التحديات التي قد تمسّ أمن الوطن أو وحدته، مؤكدين أنّ القبائل الليبية كانت دائماً سنداً للدولة في مختلف الأزمات.

من جانبه، أشار حفتر إلى أنّ ما تعانيه الدولة اليوم هو نتيجة تراكمات طويلة من الصراعات السياسية وانتشار الفساد والسلاح خارج مؤسسات الدولة، مؤكداً أنّ معالجة هذه التحديات لن تتم إلا بإرادة الليبيين أنفسهم. وشدّد على أنّ الحل الحقيقي يكمن في قرار وطني حر يعيد للدولة مكانتها، ويضع حدّاً لمسارات العبث، ويضمن عودة المؤسسات إلى مسارها الصحيح.

 تعكس الفتوى التي أصدرها الصادق الغرياني بشأن زيارة وفود المصالحة من المنطقة الغربية إلى قيادة الجيش في شرق ليبيا ممارسةً وظيفيةً باسم الدين في لعبة السياسة ودوائر السلطة والنفوذ، وأداةً تُكرّس الانقسام بين مكوّنات المجتمع الليبي، الأمر الذي يعقّد مسارات الحلّ الليبي ـ الليبي والتوافق بين أطراف المعادلة.

فتوى الغرياني: خطوة سياسية نحو صراع النفوذ

إلى ذلك، قال الكاتب السياسي خالد محمد الحجازي: إنّ "إصدار المفتي المعزول" الصادق الغرياني فتوى تُحرّم زيارة خليفة حفتر "ليس مجرد موقف ديني"، بل هو ـ كما أشارـ خطوة سياسية واضحة في سياق صراع النفوذ الليبي. وبيّن في تصريحاته لـ (حفريات) أنّ الفتوى جاءت عقب التحركات الأخيرة لحفتر في الشرق، وعلى خلفية الزيارات التي قام بها أعيان وقبائل من مدن الساحل الغربي، فضلاً عن تصريحاته بشأن الانسداد السياسي ودعوته المواطنين للتحرك ضد الطبقة السياسية.

وأضاف الحجازي أنّ الرسالة واضحة: هناك خشية من تمدد حفتر نحو الغرب، سواء عبر تفاهمات قبلية أو ترتيبات سياسية، وربما حتى الاستعداد لسيناريو عسكري، لذلك تُعدّ الفتوى ـ كما قال ـ نوعاً من الاستنفار المبكر ومحاولة لقطع الطريق على أيّ تقارب محتمل بين مدن وقبائل الغرب الليبي وحفتر.

وأشار إلى أنّ ليبيا تعيش اليوم حالة "لا حرب ولا سلام"، وفي ظل غياب حل سياسي حقيقي، تُفهم أيّ خطوة من أيّ طرف فوراً على أنّها تهديد للطرف الآخر، ولهذا فإنّ تحركات حفتر الأخيرة أثارت حساسية وردود فعل واسعة، وأسهمت في هذا التصعيد الديني ـ السياسي.

المشهد الليبي القادم: تفاهمات أم مواجهة؟

وخلُص الحجازي إلى أنّ الفتوى "ليست عن الزيارة بحدّ ذاتها، بقدر ما هي رسالة سياسية بأنّ المشهد الليبي مقبل على إعادة ترتيب جديدة قد تكون تفاهمات، وقد تكون مواجهة". لكنّه يرجح أنّ التفاهمات أقرب من المواجهة؛ فالأطراف مرهقة عسكرياً، والضغوط الدولية لا تسمح بحرب جديدة، كما أنّ تحركات حفتر الأخيرة تبدو سياسيةً أكثر منها عسكريةً. 

وأكد الباحث الليبي في ختام حديثه لـ (حفريات) أنّ توظيف الدين في السياسة هو الأخطر؛ فعندما تتحول الفتوى إلى أداة صراع، يُغلق باب الحوار، ويتعمّق الانقسام، ويبدأ الناس بفقدان الثقة في الخطاب الديني نفسه.

حفتر: الشعب سيحسم مصير الأزمة في ليبيا 

خلال مطلع الشهر الجاري، وأثناء استقباله وفداً من قبائل ترهونة، قال المشير خليفة حفتر إنّه لا يمكن للشعب القبول بأن يصبح وطنه "حقل تجارب وساحة للصراع على السلطة والثروة".

وأشار حفتر إلى أنّ البلاد تمرّ بمرحلة مفصلية، وتابع: "نقول للشعب إنّ موعد حراكه السلمي كي يقرر مصيره قد حان"، مضيفاً: "على الشعب وضع حدٍّ للأزمة والتصدّي لكل من يدّعي الوصاية عليه في تقرير مصيره".

بدوره، يلفت المحلل السياسي عبد الله الديباني إلى أنّ دلالات فتوى الغرياني الصادرة مؤخراً وتوقيت إعلانها تؤكد أنّ الفتوى في السياق الليبي تُستخدم اليوم كأداة سياسية واضحة.

الغرياني أحد أوجه معادلة الانقسام في ليبيا 

ويشير الديباني إلى أنّ فتوى الصادق الغرياني بتحريم زيارة المشير خليفة حفتر لا تعبّر عن  توجّه ديني خالص، بل تعكس اصطفافاً سياسياً صريحاً داخل مشهد الانقسام الليبي الممتد منذ عقد أو أكثر قليلاً.

وبيّن المصدر ذاته أنّ الغرياني الذي يمثل أحد الشخصيات الممثلة لتيار الإسلام السياسي في الغرب الليبي، يدفع بخطابه الفقهي نحو هذا التيار ومصالحه السياسية.

ويتابع الديباني في تصريحاته لـ (حفريات) موضحاً أنّ توقيت الفتوى يحمل أيضاً في مضمونه مواجهة  تحركات المشير خليفة حفتر خلال الأسابيع الأخيرة.

ويشدد على أنّ اللحظة التي صدرت فيها الفتوى ليست محض مصادفة، بل تأتي على خلفية نشاط سياسي وعسكري متزايد للقيادة العامة وللمشير حفتر.

ويوضح الديباني أنّ اتصالات حفتر الأخيرة  مع قبائل الساحل الغربي أثارت قلقاً ملحوظاً لدى القوى الفاعلة في الغرب الليبي، سواء  في طرابلس ومصراتة والزاوية، إذ تُقرأ هذه التحركات كمسعى لاختراق البنية الاجتماعية لتلك المناطق.

توقيت الفتوى ومواجهة تحركات حفتر الأخيرة

وأضاف الديباني أنّ تصريحات المشير حفتر الأخيرة بشأن الانسداد السياسي اتسمت بوضوح وحِدّة، ملمّحاً إلى أنّ "الوقت قد حان لمرحلة جديدة"، وربما لتجديد الدعوة إلى "تدخل مباشر" من القبائل الليبية.

وبناء على ذلك، تسعى فتوى الغرياني ـ برأي الديباني ـ إلى التشويش على أيّ تقارب اجتماعي ـ قبلي مع حفتر ومنع منحه شرعية في الغرب.

الرسائل السياسية في فتوى الغرياني  

ويشير الديباني إلى أنّ الفتوى تحشد جملة من الدلالات السياسية، أبرزها منع تمدد حفتر داخل الحاضنة الاجتماعية الغربية.

فالفتوى ـ كما يوضح ـ تحمل رسالة ردع لأعيان وقبائل الساحل الغربي الذين زاروا حفتر مؤخراً، مفادها أنّ هذا التقارب "مُحرَّم" دينياً و"مكروه" سياسياً.

ويضيف الديباني أنّ الفتوى تمثل أيضاً أداة ضغط غير مباشرة على حكومة الدبيبة، لمنعها من الانفتاح على ترتيبات جديدة قد تشمل تفاهمات مع الشرق أو مع حفتر تحديداً، رغم قرب الغرياني الإعلامي من الحكومة في العاصمة طرابلس.

قراءة تحركات المشير خليفة حفتر

ويبيّن الديباني أنّ تحركات المشير حفتر الأخيرة تبدو موجّهة نحو محاولة إنقاذ الدولة من حالة الانسداد السياسي.

فحفتر ـ بحسب قوله ـ يستثمر حالة التنافر بين مجلسي النواب والدولة، وتراجع الثقة في حكومة الدبيبة، وتعثر المسار الأممي، ليقدّم نفسه للشعب الليبي معتبراً أنّ القيادة العامة هي "القوة الأكثر قدرة على فرض الاستقرار وإنهاء الفوضى".

ويضيف أنّ لقاءات حفتر مع القبائل تُعدّ اختباراً لمدى استعداد القبائل للانخراط في مشروع سياسي جديد، وتمهيداً لعملية سياسية أو عسكرية قد تكون جزئية أو شاملة في حال توفر الدعم الإقليمي أو الدولي.

ويشير الديباني إلى أنّ حفتر يبعث من خلال هذه اللقاءات رسالة مباشرة إلى النخب في المنطقة الغربية بأنّ أيّ ترتيبات سياسية جديدة لن تمرّ دون مشاركة القوات المسلحة.

التأثيرات المحتملة على المشهد الليبي

ويشدّد الديباني على أنّ الفتوى قد تعمّق الاستقطاب الديني ـ السياسي، مستحضرة أجواء 2014–2019، خصوصاً مع تصاعد خطاب التحريم والتخوين.

ويوضح أنّ الغرب الليبي نفسه قد يشهد توترات داخلية، نظراً لوجود أطراف تميل إلى الحوار مع الشرق، ممّا يجعل الفتوى سبباً للخلاف بين التيار الإسلامي ومجموعاته المسلحة من جهة، والمكونات القبلية والسياسية الأكثر براغماتية من جهة أخرى.

ويبيّن أن الفتوى قد تربك المسار الأممي والدولي، لأنّها تعكس استمرار الانقسام الإيديولوجي، وهو ما يضعف جهود تشكيل سلطة موحدة.

أمّا حكومة الدبيبة ـ كما يشير الديباني ـ فستجد نفسها في موقف حساس بين عدم الرغبة في الظهور، وكأنّها تتماهى مع الغرياني، وبين تجنب الدخول في صدام معه، ممّا يزيد من تعقيد المشهد السياسي بالنسبة إليها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية