شبكات المجتمع المدني في بلجيكا: نفوذ الإسلام السياسي ومعضلة التمدد الخفي

شبكات المجتمع المدني في بلجيكا: نفوذ الإسلام السياسي ومعضلة التمدد الخفي

شبكات المجتمع المدني في بلجيكا: نفوذ الإسلام السياسي ومعضلة التمدد الخفي


23/09/2025

جماعة الإخوان، المصنفة على قوائم الإرهاب، تتعدد محاولاتها، مثل باقي قوى الإسلام السياسي، لإيجاد مساحات عمل ونفوذ لها داخل الساحة الأوروبية، وقد راكمت على مدار عقود بالفعل نفوذها بوسائط متفاوتة، أبرزها التغلغل من خلال شبكات المجتمع المدني، والجمعيات الخيرية والتنموية، فضلاً عن المراكز الثقافية ومنصات حقوقية واتحادات الطلبة في الجامعات. هذا التشكل الناعم، الخفي والمستتر، يكاد أن يكون متكرراً في العواصم الأوروبية التي شهدت صعودًا لهذه القوى الإسلاموية، حيث اعتمدت استراتيجيات التمكين المتدرج بدلاً من الصدام المباشر والعنيف، والاستفادة من هوامش الحرية والديمقراطية الليبرالية.

نفوذ الإخوان في بلجيكا لا يختلف عن باقي العواصم الأوروبية بشكل لافت، حيث تعتمد الجماعة الاستراتيجيات ذاتها وتتبنّى أنماط العمل التقليدية من الناحية التنظيمية والحركية، وتتسلل من خلال شبكاتها المنظمة لإحداث التأثير المحلي الوطني ثم الأوروبي. غير أنّ الجماعة، التي تواجه، مؤخرًا، استدارة الحكومات الأوروبية لكبح نفوذ الإسلاموية، خصوصًا مع صعود الأحزاب اليمينية إلى السلطة، سعت منذ عام 2017 إلى إعادة التموضع في عاصمة الاتحاد الأوروبي وتشكيل نفسها في بيئة سياسية ما زال مناخها السياسي أقلّ حدة تجاه الإسلاموية، ولا يقع تحت تأثيرات التحولات الأوروبية الراديكالية. ورغم ذلك، تتصاعد التحذيرات في الملاذ الأوروبي الأخير ضد الإخوان، حيث إنّ تقريرًا أمنيًا شدد على أنّ "الإخوان حركة متطرفة، تحترم ظاهرياً قواعد الديمقراطية والقانون، لكنّها تسعى إلى السيطرة من الداخل، بهدوء شبه خفي وعلى المدى الطويل". ويقول التقرير إنّ التنظيم البلجيكي للإخوان "له نفوذ تنظيمي متشعب ومعقد هيكليًا من خلال الاندماج داخل مؤسسات المجتمع المدني". 

وما تزال هناك جماعات تتوسع ضمن الحركة السلفية الجهادية في بلجيكا، لا سيّما في مدينة أنتويرب في شمال البلاد، وقد تلقت بلجيكا (218) تهديدًا متطرفًا وفقًا للتقييم السنوي لهيئة التنسيق في البلاد لتحليل التهديدات (OCAM) في آب (أغسطس) 2022 وثلث التهديدات المتطرفة كانت تستند إلى إيديولوجية جهادية، وتظل الشبكات الاجتماعية الوسيلة الأفضل لإصدار التهديدات من حركات السلفية الجهادية في بلجيكا. وقد استغلت جماعة الإخوان المساحة التي حصلت عليها الهيئة الإسلامية في بلجيكا لتخترق الجمعيات والمساجد والأحزاب السياسية، واستقدمت الأئمة من الخارج إلى المسجد الكبير، وهو ما أدى إلى إنشاء جمعيات تربطها علاقة بالإخوان. وفي 1992 أسسوا "المركز الإسلامي البلجيكي" الذي أغلق في 2002، وفي 1997 أنشئت "رابطة مسلمي بلجيكا" في عدة مدن وسيطرت على (10) مساجد، وفق المركز الأوروبي لدراسة مكافحة الإرهاب والاستخبارات. ويُعدّ مسجد "السلطان أحمد" في هوسدن زولدر أحد مراكز التشدد في بلجيكا ويديره محمد أوستن رئيس الهيئة الإسلامية. ونظرًا للعلاقة القوية بين إخوان بلجيكا وإخوان فرنسا ظهر "التجمع المناهض للإسلاموفوبيا" في بروكسل في شباط (فبراير) 2021، بعد أن تم حله في فرنسا لاتهامه بأنّه ذراع للإخوان، ويحرض ضد سياسية الحكومات الأوروبية الخاصة بالاندماج المجتمعي.

وقد كشفت الاستخبارات البلجيكية، في نهاية عام 2022، عن الأنشطة والتمويلات السرّية لتنظيم الإخوان المسلمين، التي تهدف لاستقطاب وتجنيد الجاليات المسلمة وخلق مجتمع مواز، مُحذرة من تطرف بعض أئمة المساجد وأعضاء تنظيم الإخوان. في حين يشير المركز الأوروبي إلى "إجراءات المواجهة"، حيث نفذت بلجيكا عددًا من لوائح تمويل الإرهاب لمكافحة التهديدات الإرهابية، وتفرض هذه اللوائح التزامات لحفظ السجلات وإعداد التقارير على البنوك ومقدمي الخدمات المالية الآخرين العاملين في نطاق سلطتها. ووسعت التشريعات والقوانين البلجيكية نطاق جرائم غسل الأموال الأصلية التي تتجاوز الاتجار بالمخدرات لتشمل تمويل الأعمال الإرهابية.

إذاً، تواجه بلجيكا معضلة متصاعدة مع تمدد شبكات مرتبطة بجماعة الإخوان، لا تعمل بشكل مركزي بل عبر فسيفساء من الجمعيات والمساجد والهياكل التعليمية والثقافية، مستفيدة من الأدوات الديمقراطية والقوانين لترسيخ نفوذها الناعم، وفق ما أكدت تقارير استخباراتية وبرلمانية ودراسات أكاديمية. في حين توضح مجلة (إنترفيو) الفرنسية أنّ بلجيكا تحولت منذ عقود إلى أرض خصبة لزراعة نفوذ الإخوان، بدءًا من الستينيات مع وصول العمال والطلاب المهاجرين، حيث مثّل "المركز الإسلامي والثقافي" في بروكسل واجهة بارزة لهذا التيار قبل إغلاقه عام 2019.

وتابعت: "الإخوان لم يشكّلوا يومًا حركة مركزية في بلجيكا؛ بل يتعلق الأمر بعدد من الجمعيات والمساجد والهياكل التعليمية والثقافية التي تنشر رؤية محافظة للإسلام. هذا، وحذّرت الاستخبارات البلجيكية في أكثر من تقرير، أبرزها عام 2018، من أنّ الإخوان يشكّلون "حركة يجب مراقبتها"، مؤكدة استراتيجيتهم في التأثير داخل مجالات التعليم والسياسة والمجتمع المدني، عبر خطاب مزدوج يوظف شعارات الاعتدال ومكافحة التمييز خارجيًا، بينما يعزز داخليًا أجندة محافظة ومنغلقة".

الإخوان لا يمثلون غالبية المسلمين في بلجيكا؛ فالمجتمع متنوع، تسوده اتجاهات متعددة تتراوح بين الصوفية والإصلاحية الحداثية، لكنّ قدرة الإخوان المسلمين على التنظيم والتعبئة والتأثير على المؤسسات تمنحهم وزنًا يفوق حجمهم.

وفي حديثه لـ (حفريات) يوضح الكاتب الصحفي السوري المقيم في باريس شيار خليل، أنّه يتم النظر "بقلق بالغ إلى تنامي نفوذ جماعة الإخوان المسلمين في بلجيكا، والذي لم يعد يقتصر على الجانب الديني، بل تمدد ليشمل ساحات اجتماعية وتعليمية وسياسية". موضحًا أنّ الجماعة تعتمد على آليات واضحة للتمدد، منها إنشاء جمعيات ومراكز ثقافية ودينية كواجهات، واختراق اتحادات الطلبة والشباب، إضافة إلى توظيف خطاب "التمييز والضحية" لاستقطاب الجاليات، والحصول على تمويلات خارجية لدعم أنشطتها.

ويضيف خليل: أمّا ساحات النفوذ، فهي تشمل المساجد والمراكز الدينية، وبعض المؤسسات التعليمية الخاصة، والمنظمات المدنية المرتبطة بالمهاجرين، وتسعى الجماعة إلى إعادة إنتاج خطابها المتشدد والتأثير على قضايا الهوية والاندماج. وقد أثبتت التجربة أنّ شبكات الإخوان في بلجيكا مترابطة ومعقدة، تجمع بين جمعيات محلية، واتحادات أوروبية، وشخصيات اجتماعية وسياسية، تعمل بشكل منسق لفرض أجندة خاصة بعيدة عن قيم المواطنة. 

ويختتم حديثه قائلًا: إنّ خطورة هذا التنامي لا تقتصر على الداخل البلجيكي فحسب، بل تمتد لتشمل القارة الأوروبية بأكملها، حيث تعمل الجماعة على نسج شبكات عابرة للحدود، مستفيدة من حرية الحركة والتواصل بين العواصم الأوروبية. هذا الامتداد يتيح لها التأثير على السياسات المتعلقة بالهجرة والاندماج، ويمنحها قدرة متزايدة على الضغط من خلال منظمات واجهة، وهو ما يشكّل تهديداً جدياً لاستقرار المجتمعات الأوروبية ويعمّق من حالة الانقسام داخلها.

من هنا، يؤكد على أنّ مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مراقبة صارمة للتمويل والخطاب الديني، وتقديم بدائل مدنية تعزز المشاركة الإيجابية للمسلمين في الحياة العامة، بعيدًا عن محاولات الاستغلال الإيديولوجي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية