زواج القاصرات في غزة... حين تختصر الحرب سنوات الطفولة

زواج القاصرات في غزة... حين تختصر الحرب سنوات الطفولة

زواج القاصرات في غزة... حين تختصر الحرب سنوات الطفولة


13/10/2026

في غزة، لا تسرق الحرب أرواح الأطفال وبيوتهم فحسب، بل تختصر طفولتهم أيضاً، إذ تدفع ظروف النزوح والفقر وانعدام الأمان بعض الأسر إلى تزويج فتياتها مبكراً قبل اكتمال نضجهن النفسي والجسدي، لتجد القاصرات أنفسهن أمام مسؤوليات تفوق أعمارهن.

ولا يقتصر زواج القاصرات على حرمان الفتيات من التعليم وأحلام الطفولة، بل يهدد صحتهن ومستقبلهن، ويضاعف هشاشتهن في ظل الحرب، وبين قسوة الواقع وغياب الحماية، تبقى ضرورة إنقاذ الطفولة وضمان حق الفتيات في الأمان والتعليم أولوية لا تحتمل التأجيل.

وأفاد تحليل أممي صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان في نيسان/أبريل 2026 بأنّ سجلات ورقية راجعتها منظمات شريكة أظهرت منح أذونات زواج لما لا يقلّ عن 400 فتاة في هذه الفئة العمرية خلال أربعة أشهر من عام 2025، وتشير الأمم المتحدة إلى أنّ الأعداد الفعلية قد تكون أكبر. 

وذكر تقرير الوضع الإنساني لصندوق الأمم المتحدة للسكان للربع الأول من عام 2026 أنّ زواج الأطفال أُبلغ عنه بمستويات مرتفعة في 46% من الأسر التي شملها التقييم. 

وذكر الصندوق أنّ قرابة 10% من حالات الحمل المسجلة حديثاً في ذلك الشهر كانت لمراهقات، وأشار إلى معاناة كثيرات منهن من سوء التغذية وفقر الدم وضعف الوصول إلى رعاية ما قبل الولادة. 

وفي تقييم لليونسبف أُجري بين 21 كانون الأول/ديسمبر 2025 و15 كانون الثاني/يناير 2026 وشمل 2071 أسرة لديها أطفال في قطاع غزة، أفادت 1.2% من الأسر بوجود أطفال تزوجوا قبل سن 18 عاماً، وكان جميع الأطفال الذين شملتهم هذه النتيجة بعمر 16 أو 17 عاماً، و92% منهم فتيات.

طفولة مؤجلة وأحلام معلقة

تقول الشابة ياسمين نصار (21 عاماً)، التي تزوجت قبل بلوغ الثامنة عشرة: "كنت ما أزال أفكر في دراستي، وفي الأشياء التي أريد تحقيقها عندما أكبر، ولم أكن أتصور أن تتغير حياتي بهذه السرعة، وأن أجد نفسي أمام قرار سيحدد مستقبلي قبل أن أفهم تماماً ما أريده لنفسي".

وتضيف نصار: "لم تكن الظروف سهلة على أسرتي، فقد غيرت الحرب تفاصيل حياتنا، وأصبح التفكير في المستقبل مرتبطاً بالخوف من الأيام المقبلة، وشعرت أنّ الجميع منشغل بتدبير أمور الحياة الأساسية، بينما لم يكن هناك متسع كبير للحديث عمّا أريده أنا، أو عن الأحلام التي كنت أخشى أن أفقدها".

وتتابع: "بعد الزواج اكتشفت أنّ الأمر لا يشبه الصورة التي كنت أتصورها، وهناك مسؤوليات يومية وتوقعات كثيرة، وأشياء تحتاج إلى خبرة وصبر لم أكن أمتلكهما في عمري، وأحياناً كنت أتمنى لو أستطيع العودة إلى أيامي السابقة، حين كان أكبر همّي أن أذهب إلى المدرسة وأقضي وقتي مع صديقاتي".

وتواصل نصار: "أكثر ما يؤلمني أنني لا أعرف كيف سيكون مستقبلي، وكنت أريد أن أواصل تعليمي، وأن أتعلم وأختار الطريق الذي يناسبني، لكنّ الزواج جعل هذه الأحلام أكثر تعقيداً، وأصبحت أفكر في كيفية التوفيق بين مسؤولياتي وما أطمح إلى تحقيقه لنفسي".

وتستعيد الشابة شعورها في الأيام الأولى قائلة: "لم يكن سهلاً أن أبتعد عن الحياة التي اعتدتها، أو أن أتأقلم مع واقع جديد بهذه السرعة، وكنت أحتاج إلى من يسمعني ويفهم خوفي، لا إلى من يطلب منّي أن أتصرف كأنني أكبر من عمري، فالزواج لا يعني أنّ الفتاة أصبحت مستعدة تلقائياً لكل ما يرافقه من أعباء".

وتكمل: "لا أريد أن ألوم أسرتي وحدها، فأنا أعرف أنّ الحرب وضعت الجميع تحت ضغط كبير، وأنّ الخوف على المستقبل جعل القرارات أكثر صعوبة، لكنني أتمنى أن تدرك الأسر أنّ حماية بناتها لا تعني تزويجهن مبكراً، وأنّ الفتاة تحتاج إلى التعليم والأمان والوقت حتى تنضج وتقرر ما تريده لحياتها".

وتختتم نصار حديثها قائلة: "أتمنى أن تتاح لي فرصة استكمال تعليمي وتحقيق أحلامي، وأن أستطيع يوماً أن أعيش الحياة التي تمنيتها، ولا أريد أن تختصر طفولتي في قرار اتُخذ في ظروف قاسية، ولا أن تفقد الفتيات الأخريات سنواتهن قبل أن تتاح لهن فرصة الاختيار، ونحتاج إلى الأمان، وإلى من يساعدنا على بناء مستقبلنا، لا إلى حلول تجعلنا نتحمل أعباء أكبر من أعمارنا".

أمومة تحت ضغط الحرب

وترى خديجة النجار، وهي والدة فتاة تزوجت قبل بلوغ الثامنة عشرة، أنّ "الحرب غيرت حسابات الأسرة وضيقت خياراتها، حتى بات التفكير في مستقبل ابنتها محاطاً بالخوف والقلق من المجهول، وبين النزوح وتدهور الظروف المعيشية، وجدت نفسها أمام قرار مصيري يتعلق بحياة ابنتها، في وقت كانت تتمنى أن تحظى فيه بطفولة آمنة وفرصة لمواصلة تعليمها".

وتضيف النجار (47 عاماً): "لم يكن قرار زواج ابنتي سهلاً، ولم أتخيل أن يأتي اليوم الذي أراها فيه تنتقل إلى حياة جديدة قبل أن تكمل سنوات طفولتها، وكنت أخشى عليها من الظروف المحيطة بنا، وأفكر كثيراً في مستقبلها، لكنني أدرك اليوم أنّ الخوف وحده لا يكفي لاتخاذ قرار بهذا الحجم، وأنّ الفتاة تحتاج إلى الوقت حتى تنضج وتعرف ما تريده لحياتها".

وتتابع: "الحرب جعلت الحياة أكثر قسوة، وأصبحنا نفكر في كيفية تأمين الاحتياجات الأساسية قبل أيّ شيء آخر، وفي ظل هذا الواقع، تتراجع أحلام كثيرة، ويصبح الحديث عن التعليم والاستقرار والمستقبل مؤجلة، لكنني أتساءل إن كنا، ونحن نحاول حماية بناتنا من المجهول، ندفعهن إلى مسؤوليات أكبر من أعمارهن".

وتشرح: "الزواج المبكر لا ينهي مسؤولية الأسرة تجاه ابنتها، بل يضعها أمام تحديات جديدة، مضيفة: "الفتاة الصغيرة قد لا تكون مستعدة لتحمل أعباء الحياة الزوجية، مهما بدت قادرة على التكيف، فهي تحتاج إلى الاحتواء والدعم، وإلى فرصة لتتعلم وتكتشف نفسها، لا أن تجد نفسها فجأة مطالبة بأداء أدوار تفوق خبرتها وقدرتها على التحمل".

وتعترف النجار بأنّ آثار الزواج المبكر لا تتوقف عند لحظة اتخاذ القرار، بل قد تمتد إلى مستقبل الفتاة وتعليمها واستقلالها، قائلة: "أتمنى ألّا تحرم ابنتي من حقها في استكمال تعليمها وتحقيق أحلامها، وأتمنى أيضاً أن تجد كل أم تمر بظروف مشابهة من يقف إلى جانبها، وأن تتوافر للأسر المساندة التي تساعدها على تجاوز الخوف والفقر، بدلاً من اتخاذ قرارات قد تترك آثاراً طويلة في حياة بناتها".

وتوضح النجار: "لا أريد أن تكبر الفتيات قبل أوانهن، ولا أن تصبح الحرب سبباً في خسارة سنوات من أعمارهن، وبناتنا يحتجن إلى الأمان والتعليم والحماية، وإلى أن يسمع صوتهن عندما يتعلق الأمر بمستقبلهن، فقد تفرض الحرب ظروفاً قاسية، لكن يجب ألّا يصبح الزواج المبكر الطريق الوحيد الذي تراه الأسرة لحماية ابنتها".

الحرب تعمق زواج القاصرات

بدوره، يرى أستاذ علم الاجتماع بجامعة القدس أحمد الكرد أنّ "الحرب تدفع بعض الأسر إلى اتخاذ قرارات قاسية تحت ضغط الفقر والنزوح وانعدام الأمان، فتصبح الطفلة في نظر بعضهم عبئاً اقتصادياً أو مسؤولية يراد نقلها إلى أسرة أخرى، لكنّ الزواج المبكر لا ينهي المعاناة، بل قد ينقل الفتاة من قسوة الحرب إلى مسؤوليات تفوق قدرتها على الاحتمال، ويحرمها من حقها في الاختيار والنضج".

ويضيف الكرد أنّ "الزواج المبكر يفرض على الفتاة أدواراً تفوق استعدادها النفسي والعاطفي، وقد يعرّضها للقلق والعزلة والشعور بفقدان الأمان، خصوصاً في بيئة أنهكتها الحرب، وقد تجد نفسها أمام مسؤوليات زوجية وأسرية دون امتلاك الخبرة والنضج الكافي، ممّا يهدد استقرارها النفسي وعلاقاتها الاجتماعية".

ويرى أنّ "الظروف الاقتصادية القاسية والنزوح وفقدان مصادر الدخل من العوامل التي قد تدفع بعض الأسر إلى تزويج بناتها مبكراً، بحثاً عن تخفيف الأعباء المعيشية، ومع تراجع الحماية الاجتماعية وضعف فرص التعليم، تصبح الفتيات أكثر عرضة للقرارات القسرية، ممّا يستدعي تدخلاً مجتمعياً يحميهن بدلاً من تحميلهن ثمن الانهيار الاقتصادي".

ويشرح: "قد يؤدي الزواج المبكر إلى انقطاع الفتيات عن التعليم، وتقليص فرصهن في العمل والاستقلال وبناء مستقبل يحقق طموحاتهن، فبدلاً من أن تنشغل الطفلة بالتعلم واكتشاف قدراتها، تجد نفسها أمام التزامات مبكرة قد تحد من خياراتها لسنوات طويلة، وتعمق دائرة الفقر والتبعية التي تعاني منها النساء".

وتتطلب مواجهة الظاهرة، وفق الكرد، دعماً نفسياً واجتماعياً للأسر والفتيات، وتوفير المساعدات الاقتصادية والتعليم الآمن، وتعزيز التوعية بحقوق الطفل ومخاطر الزواج المبكر، إلى جانب تفعيل الحماية القانونية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية