
تتميز جماعة الإخوان بتنوع الأنشطة التي تقوم بها بصورة تشمل العديد من جوانب الحياة المختلفة، حيث تمارس العمل السياسي والدعوي والخيري والخدمي، وكان لديها تنظيم عام يتضمن عددًا من الأقسام التي تقوم بهذه الأنشطة، وتنظيم آخر خاص يتولى إعداد أفراد بشكل مختلف من أجل القيام بأعمال شبه عسكرية، ويأتي هذا التنوع أولًا انطلاقًا من فكرة "شمولية الإسلام" التي تؤمن بها وتتخذ منها منهجًا للعمل، وثانيًا بهدف التغلغل في المجتمع وتكوين قواعد شعبية وتنظيمية تساعد الجماعة على الوصول إلى أهدافها، وكانت الجماعة تنشط خلال شهر رمضان من كل عام ويزداد نشاطها الدعوي والخيري، فتراهم حاضرين في المساجد للقيام بالأنشطة الدينية، وحاضرين في المجتمع للقيام بالأنشطة الخيرية ومساعدة الفقراء والمحتاجين.
لكن منذ العام 2013م الذي شهد سقوط الجماعة من الحكم وابتعادها بشكل كبير عن المجال العام، وعدم قدرتها، من ثم، على ممارسة تلك الأنشطة، ومع قدوم شهر رمضان من كل عام يتحدث العديد من أفراد الجماعة على وسائل التواصل الاجتماعي عن مدى الخسارة التي لحقت بالمجتمع نتيجة غياب الإخوان، وعن القصور الذي أصاب العمل الدعوي والخيري بسبب هذا الغياب.
لكنّ السؤال هنا هو: هل بالفعل خسر المجتمع بغياب الإخوان في هذه النواحي، والأهم من ذلك هل كان الإخوان يقومون بهذه الأدوار بهدف تقديم النفع للناس أم بهدف تحقيق مكتسبات سياسية وتنظيمية؟
بين الادعاء والحقيقة
أحد الرموز الدعوية البارزة في جماعة الإخوان كتب منشورًا مؤخرًا على موقع (فيسبوك) يُعبّر فيه عن فكرة خسارة المجتمع بغياب الإخوان، وكيف أنّ أفراد الجماعة كانوا يبذلون الجهد والوقت لخدمة الناس ودعوتهم إلى الله في رمضان، فيقول: "وكنا نحن معاشر الإخوان المسلمين في مصر لا ننام في هذه الأيام، فكان قسم البر يجتهد أصحابه في حصر اليتامى والأرامل والفقراء والمعوزين والمتعففين لإيصال ما يكفيهم طوال رمضان من أموال المحسنين ما يغنيهم عن ذل السؤال، ثم يقضون أيام الشهر في استقبال زكوات المال، وصدقات الفطر، حتى يتم توزيعها أواخر الشهر لإغناء الناس بها يوم العيد، وقسم نشر الدعوة كان يُعدّ المواد الدعوية التي كان يحتاجها الموسم، يعين بها الدعاة على هداية الساجد وعمارته للمساجد، وأقسام الطلاب والأشبال كانت تستنفر طاقات وإمكانات شبابها في استثمار أجواء رمضان الروحية، وأنفاسه الإيمانية في حشد الأولاد إلى المساجد وعقد المسابقات، وحلقات القرآن نهارًا، ودوريات الكرة بعد صلاة القيام ليلًا، وبقية الأقسام كانت تقوم بأدوارها الدعوية والمجتمعية في كل حيّ وشارع، فهؤلاء يصلحون ذات البين، وهؤلاء يعدون العدة للإفطار الجماعي للحي، وهؤلاء يستحثون زوجاتهم وبناتهم وأولادهم للإسراع في تعبئة أكياس المساعدات، وأموال الزكوات، وهؤلاء يجهزون المساجد للاعتكاف، بينما آخرون يعقدون الندوات، ويقدمون المحاضرات لكل الشرائح والأعمار بعد صلاة القيام، بينما النساء في أقسام الأخوات والطالبات والزهرات يحتضنَّ البنات، ويعلمن النسوة، ويُرشدن الفتيات، ويصلن اليتيمات والفقيرات، كان الناس ينامون، وكان الإخوان وغيرهم من المصلحين لا ينامون، كم اهتدى على أيديهم في هذه الأيام ضال، وكم اعتدل منحرف، وكم اصطلح متخاصمون، وكم عُمّرت من مساجد، وكم استقام منحرف".
وعلى الرغم من أنّ ما جاء في هذا المنشور يُعبّر عن واقع الجماعة في شهر رمضان في السابق، إلا أنّه يعكس فقط هذا الواقع من على السطح، بينما إذا توغلنا إلى العمق فسوف نجد صورة مغايرة لتلك الصورة المثالية التي يعمل الإخوان على ترسيخها؛ فالجماعة في نشاطها بشكل عام تهدف إلى تحقيق هدفين رئيسيين؛ الأوّل هو نشر أفكارها في المجتمع بهدف تكوين قاعدة شعبية تقوم بتوظيفها من خلال عدة صور، فهذه القاعدة أوّلًا تمنح الجماعة قوة أمام الدولة حيث تعكس شعبية الجماعة ورسوخها في المجتمع وتحول من ثم دون اتخاذ إجراءات قوية ضدها في أوقات الأزمات، وثانيًا تعتمد الجماعة على هذه القاعدة في تحقيق مكتسبات سياسية حيث تُعدّ مصدرًا للأصوات التي تحصل عليها في الانتخابات المختلفة مثل البرلمان والنقابات المهنية واتحادات الطلاب، والهدف الثاني والأهم الذي تسعى إليه الجماعة من خلال أنشطتها المختلفة هو أنّها تنتقي من المجتمع من تراه يصلح لعضويتها وفق معايير وشروط معينة تضعها سلفًا.
ويُعدّ شهر رمضان موسمًا للجماعة، لا من أجل تقديم الخدمات إلى الناس ومساعدة المحتاجين، ولا من أجل القيام بمهمة الدعوة إلى الله، ولكن لأنّه يمثل لها مناخًا ملائمًا تستطيع من خلاله الانتشار بصورة أكبر في المجتمع من خلال المساجد والجمعيات الخيرية والنوادي وغيرها، مستغلة إقبال الناس على الدين والعمل الخيري، فتقوم بتكثيف نشاطها خلال الشهر لتحقق الهدفين معًا؛ نشر الأفكار وتكوين القاعدة الشعبية، وانتقاء مزيد من الأفراد الذي سيصبحون بعد فترة من الإعداد والتربية من الأعضاء الجدد في الجماعة.
وفي هذا السياق يقول أحمد حميدة الباحث وعضو جماعة الإخوان السابق في تصريح لـ (حفريات): إنّ "الإخوان يرددون دائمًا أنّ العمل الخيري الذي ليس من ورائه مردود دعوي هو والعدم سواء، فالجماعة تنظر إلى حقل العمل الخيري على أنّه مجال مفتوح للتجنيد، حيث تستهدف من وراء تقديم الإعانات للأسر الفقيرة التواجد داخل تلك الأسر كتنظيم يجند لا كداعم يقدّم مساعدة ثم يمضي، ويعتبر الإخوان أنّ تلك الأسر هي بمثابة قاعدة انتخابية تُستدعى في الاستحقاقات المختلفة، ولطالما استخدمتها الجماعة لحشد الأصوات في الانتخابات التي خاضتها".
هل خسر المجتمع بغياب الإخوان؟
يعمل الإخوان منذ سقوطهم من الحكم على ترسيخ هذه الفكرة بطرق عديدة وفي مناسبات مختلفة، حيث تستغل الجماعة كل حدث أو أزمة يمر بها المجتمع لتطرح الفكرة التي تقول إنّ المجتمع خسر كثيرًا بخروج شريحة منه على الإخوان ومطالبتهم بإسقاطها من الحكم، وإنّ الدور الذي كانت تقوم به الجماعة لم يقم به أحد من بعدها، وإنّ الفراغ الذي تركته لم يستطع أحد أن يملأه بعد.
لكن بنظرة إلى الواقع نجد أنّ الصورة على العكس من ذلك؛ فما زال الدين حاضرًا في المجتمع بشكل كبير من خلال العديد من المظاهر، وبشكل خاص في شهر رمضان نجد المساجد ممتلئة بالمصلين، واستقبال الناس للشهر والاحتفاء به تبدو في صور كثيرة في الشوارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، كما أنّ المؤسسة الدينية الرسمية زاد حضورها في المجتمع وأصبح لها تأثير قوي من خلال العديد من الأنشطة التي تقوم بها في السنوات الأخيرة، والعمل الخيري حاضر بشكل قوي من خلال العديد من الجمعيات والمؤسسات غير الرسمية، وهو ما يُسهم في اهتزاز الفكرة التي تعمل الجماعة على ترسيخها منذ سنوات.
وفي هذا السياق يوضح عمرو فاروق الباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي، في تصريح لـ (حفريات)، أنّ فكرة خسارة المجتمع بغياب الإخوان عن المشهد الاجتماعي والدعوي، لا تمثل سوى سردية تروّج لها الجماعة لا سيّما في السنوات العشر الأخيرة، بهدف تحقيق مجموعة من الأمور أو التدليل عليها في ظل سقوطها سياسيًا وتراجعها شعبيًا ودعويًا، أوّلها، اعتبار الجماعة الجهة الوحيدة التي أسست لمفهوم "العمل الخيري" في المنطقة العربية، رغم أنّها وظفته في المقام الأول لصالح أهدافها السياسية التي أسهمت في قيامها بدور الدولة الموازية واستغلال الطبقات المهمشة كوقود في معركتها مع الأنظمة السياسية للوصول إلى السلطة وتحقيق استراتيجية" التمكين"، وثانيها، تمثل التشكيك والتقليل من عمل خيري أو دعوي يتم عبر المؤسسات الرسمية سواء الدينية أو الخيرية مثل "التحالف الوطني للمؤسسات الخيرية"، وبناء حالة من فقدان الثقة في دورها أو أهدافها، ويضيف فاروق أنّ ثالث هذه الأهداف يتمثل في الطعن في عقيدة ومرجعية مؤسسات الدولة والنظام السياسي، بشكل غير مباشر أو مركّب، من خلال تكريس مفهوم "عداء الدولة للإسلام"، وبالتالي تحقيق فكرة "أنّ "النظام السياسي"، طاغوتي المنهج، وينطبق عليه أحكام "الفئة الممتنعة"، أي أنّ الدولة تعادي الشريعة أو تُسهم في "المؤامرة على الإسلام"، ومن ثم تعميم هذا المفهوم على مختلف مؤسسات الدولة والمتعاونين معها، وصولًا إلى "إشكالية الحاكمية" من جهة و"جاهلية المجتمع" من جهة أخرى، وهما من الاستراتيجيات الحاكمة لتيارات الإسلام السياسي، ونادى بهما سيد قطب، ورابع هذه الأهداف يدور في محاولة إيجاد مساحة للجماعة بعد انحصار دورها من خلال الترويج لهذه المفاهيم عبر الأبواق الإعلامية لجماعة الإخوان، والتواصل مع الأجيال الجديدة التي لم تشاهد جرائم الإخوان والعنف الذي مارسته الجماعة عقب سقوط حكم المرشد، بينما يتركز الهدف الخامس في استكمال مشروع "النكاية والإنهاك" من قبيل امتناع الجماهير العريضة على ضخ أموال الصدقات والتبرعات على مدار السنة في المؤسسات الخيرية القائمة حاليًا وتُسهم في خلق مساحة من الاستقرار الداخلي في ظل دعمها ووقوفها "كتف بكتف" مع الدولة ومؤسساتها في تقليل معاناة المواطن على مختلف الأوضاع الاقتصادية والصحية والإنسانية، في إطار الدور الحيوي للمؤسسات الخيرية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%88%D9%83_5_1_1_0.jpg.webp?itok=Bvcv0WWZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A70_1.jpg.webp?itok=9swa9NrG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B40.jpg.webp?itok=0wwydxPI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)