حنين بوشوشة لـ (حفريات): المخرج الحقيقي للأزمة الليبية يبدأ من بناء الدولة المدنية لا من احتكار التأويل الديني

حنين بوشوشة لـ (حفريات): المخرج الحقيقي للأزمة الليبية يبدأ من بناء الدولة المدنية لا من احتكار التأويل الديني

حنين بوشوشة لـ (حفريات): المخرج الحقيقي للأزمة الليبية يبدأ من بناء الدولة المدنية لا من احتكار التأويل الديني


24/11/2025

أجرى الحوار: رامي شفيق

في أتون الفضاء الليبي المليء بالتعقيدات السياسية والانقسامات المؤسسية، وما تخلّفه من تداعيات على بنية الدولة وآفاق مستقبلها، تبرز أصوات نسوية تسعى إلى بلورة مقاربات جديدة للحلول الناجزة من الداخل، بعيداً عن ارتهانات الخارج. ومن بين هذه الأصوات اللافتة تبرز حنين بوشوشة، رئيسة منظمة "نوازي للدراسات والتنمية" والمستشارة الإقليمية في قضايا الجندر والحوكمة، التي ترى أنّ "السلام في ليبيا ينبغي ألّا يُستورد، بل يُبنى انطلاقاً من التجربة النسوية الليبية ذاتها".

في هذا الحوار تتحدث حنين بوشوشة لـ (حفريات) بعمق عن أبعاد الأزمة الليبية ومآلاتها، وعن دور المرأة في إعادة بناء الدولة، مؤكدة أنّ توحيد المؤسسات لن يتحقق عبر توافقات شكلية، بل من خلال إصلاح بنيوي يعيد الثقة في الدولة ومنظومة الحوكمة.

وتتناول تطبيق القرار الأممي (1325) في السياق الليبي، كاشفةً عن الفجوات بين الخطاب والممارسة، مقدمةً رؤية عملية لمأسسة دور المرأة في مسارات السلام عبر إنشاء مرصد وطني للمرأة والسلام.

وتتوقف عند مسار تطبيق القرار الأممي ((1325 ـ الصادر عن مجلس الأمن عام 2000 ـ الذي يُعدّ الإطار الدولي الأول لربط أمن المرأة ومشاركتها الفاعلة في عمليات السلام وبناء الدولة، مبيّنةً أنّ التحدي في ليبيا لا يتمثل في النصوص، بل في غياب المأسسة والتمويل والإرادة السياسية.

من خلال قراءة تحليلية دقيقة ترصد بوشوشة تحوّلات التجربة النسوية الليبية، وتقدّم خريطة طريق نحو مشاركة متكافئة تُعيد هندسة طاولة القرار، وتضع المرأة في صميم مشروع بناء الدولة المدنية الحديثة.

في هذا الحوار تتناول بوشوشة جذور الأزمة الليبية بوصفها أزمة بنية دولة منقسمة، أكثر منها صراع مجتمع منقسم، مؤكدة أنّ الحلّ لا يكمن في التوافقات الشكلية، بل في بناء دولة مدنية حديثة تقوم على الكفاءة والشفافية والمساءلة.

نص الحوار:

في ظل التطور الدولي في المشهد السياسي، كيف يمكن قراءة أبعاد الأزمة في ليبيا وأهم مخرجات الحل، خاصة ما يتعلق بتوحيد مؤسسات الدولة؟

ـ الأزمة الليبية أزمة دولة منقسمة لا أزمة مجتمع منقسم؛ فقد ظلّ التنافس على الشرعية السياسية والمورد النفطي يُنتج هشاشة مؤسسية وهيمنة المصالح الضيقة على الصالح العام. لا يمكن قراءة الحل خارج مفهوم الحوكمة المتقاطعة بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

توحيد المؤسسات لن يتحقق عبر التوافقات الشكلية، بل عبر إعادة هيكلة السلطة التنفيذية على أسس الكفاءة والشفافية، وإخضاع القطاعَيْن الأمني والمالي لمعايير المحاسبة العامة. فبحسب تقارير الأمم المتحدة، ما يزيد عن 60 % من الإنفاق العام الليبي غير خاضع لرقابة مالية مستقلة منذ عام 2015، ممّا يجعل استعادة الثقة المؤسسية مقدمةً لأيّ عملية سلام.

في حديث سابق قلتم إنّ "السلام في ليبيا لا يمكن استيراده، بل يُبنى من داخل التجربة النسوية الليبية ذاتها"، إلى أيّ حدّ تبدو المرأة الليبية في موقع يسمح لها بذلك؟ وما الذي يميّز التجربة النسوية الليبية عن غيرها في المنطقة؟

ـ المرأة الليبية تملك اليوم رأسمالًا اجتماعيًا متينًا بُني خلال عقد من الأزمات؛ فهي الفاعل الأكثر حضورًا في مساحات الوساطة المحلية والمصالحة الأسرية والمبادرات الإنسانية.

وتختلف التجربة النسوية الليبية عن مثيلاتها في المنطقة بكونها نشأت من القاعدة لا من النخبة، ومن رحم الحاجة لا من رفاه الخطاب. فعلى سبيل المثال، تشير بيانات بعثة الأمم المتحدة إلى أنّ النساء شكّلن أكثر من 48 % من الفاعلين المحليين في مبادرات الوساطة المدنية منذ عام 2016، رغم محدودية تمثيلهن الرسمي في اللجان السياسية.

ما يميّز هذه التجربة هو المنظور التكاملي الذي تمزج فيه النساء بين البُعد الإنساني والحوكمي؛ إذ تجمع مبادراتهن بين الإغاثة والتعليم والرعاية والوساطة الاجتماعية،  وهو ما يجعل السلام عندهن حالة معيشية يومية لا اتفاقًا نخبويًا.

بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على القرار الأممي 1325، كيف تقيّمين تطبيقه في السياق الليبي؟ وما أبرز الفجوات بين الخطاب والممارسة التي أشرتِ إليها؟

ـ بعد أكثر من عقد على اشتعال الأزمة الليبية، ما زال تنفيذ القرار الأممي 1325 يراوح بين الطموح والواقع. فمنذ تبنّي الخطة الوطنية الأولى عام 2019، ظلّ التنفيذ موسميًا ومجزّأً، يعتمد على دعم المنظمات الدولية أكثر من اعتماده على إرادة وطنية مؤسساتية.

الفجوة الجوهرية لا تكمن في ضعف الوعي بالمفاهيم، بل في غياب المأسسة والتمويل. فحتى اليوم لا يوجد بند مالي دائم لتنفيذ الخطة، ولا آلية وطنية منتظمة للرصد والمساءلة.

وعلى الرغم من تضمين مشاركة النساء في النصوص الرسمية، لم يتجاوز تمثيلهن في مواقع صنع القرار 17% وينخفض إلى أقلّ من 6 % في المستويات التنفيذية العليا، بينما تغيب التشريعات المجرِّمة للعنف السياسي ضد النساء أو الحامية لهن من الاستهداف الرقمي والإعلامي.

إضافة إلى ذلك، واجهت الخطة مقاومة دينية صريحة تجلّت في تصريحات المفتي عام 2020 التي اعتبرت القرار 1325 "بابًا للتغريب وتهديدًا للقيم الأسرية". خلق هذا الخطاب بيئة من الالتباس الاجتماعي، فاختُزل القرار في بُعده الخارجي بدل أن يُفهم في جوهره الإنساني كوثيقة تدعو إلى العدالة والكرامة والأمن.

غياب الحوار بين المؤسسات الدينية والحقوقية جعل الخطاب الديني أحاديًا، بدل أن يكون جسرًا للتأويل الإيجابي الذي يربط بين مقاصد الشريعة ومبادئ السلام الإنساني.

ذكرتِ أيضًا أنّ النساء كنّ الفاعل الأكثر ثباتًا في حفظ النسيج المجتمعي. هل يمكنك مشاركة أمثلة ملموسة لمبادرات نسائية أسهمت في تعزيز الأمن المجتمعي خلال السنوات الماضية في ليبيا؟

ـ تُظهر التجربة الليبية أنّ النساء لعبن دورًا محوريًا في حماية النسيج الاجتماعي خلال فترات النزاع، من خلال أدوار متعددة المستويات جمعت بين الجهد التشريعي والمبادرة المجتمعية والمشاركة المؤسسية.

على المستوى التشريعي، برزت مساهمة الدكتورة جازية شعيتير في إعداد قانون "ذات البين" بوصفه محاولة نوعية لإدماج مبادئ العدالة التصالحية والمصالحة الوطنية ضمن الإطار القانوني، مع الاعتراف بدور النساء كوسيطات سلام وشريكات في بلورة المفاهيم القانونية ذات البُعد المجتمعي.

على المستوى المحلي، أثبتت النساء قدرتهن على العمل كوسطاء فعليين في مناطق النزاع. كانت مبادرة "النساء من أجل بنغازي" (2017) مثالًا بارزًا لوساطة مدنية أنهت اشتباكات محلية وأعادت فتح الطرق بين الأحياء عبر الحوار المجتمعي.

شكّلت شبكات النساء في سبها ومرزق مجالس صلح غير رسمية أوقفت موجات الانتقام القبلي، في حين قادت نساء سرت ومصراتة حملات لإدماج النازحين في الخدمات العامة، وهو ما أسهم في تخفيف التوترات وإعادة الثقة بين المكونات.

وتُعدّ الراحلة أمل بركة رمزًا وطنيًا في هذا المجال؛ إذ جسّدت عبر مبادرتها في المصالحة بين تاورغاء ومصراتة مفهوم القيادة النسائية الشجاعة التي تبني السلام من الداخل وتحوّل الألم إلى ذاكرة مشتركة للتعافي.

هل ثمّة تحديات بنيوية تعيق استدامة المشاركة النسائية المؤسسية؟

ـ حقيقة الأمر ترتبط  التحديات بثلاثة أمور رئيسية:

1. الجمود البيروقراطي الذي يحدّ من قدرة النساء على تحويل المبادرات إلى سياسات نافذة.

2. غياب التمويل الوطني المستدام الذي يُبقي المبادرات رهينة الدعم الخارجي.

3. ضعف الوعي الجندري داخل المؤسسات الذي يُبقي منظور الأمن الإنساني في الهامش.

تحدثتِ عن استمرار البُنى الذكورية وغياب الأطر القانونية لحماية النساء من العنف السياسي. برأيك ما الخطوات العاجلة التي يجب اتخاذها لمعالجة هذه التحديات؟

ـ لا يمكن فهم استمرار العنف السياسي والاجتماعي ضد النساء في ليبيا بمعزلٍ عن البنية الذكورية الراسخة داخل المنظومة القانونية والمؤسسية، التي ما زالت تُنتج الإقصاء وتمنع التمكين الهيكلي للنساء. ورغم الجهود المبذولة منذ عام 2019 لإعداد مشروع قانون مناهضة العنف ضد المرأة بدعم من وزارة العدل وعدد من المنظمات الحقوقية، فإنّ هذا المشروع ما زال حبيس الأدراج في البرلمان منذ ما يقارب ثلاث سنوات دون مناقشة أو إقرار، ممّا يعكس غياب الإرادة التشريعية لإعطاء الحماية الجندرية الأولوية بوصفها إحدى ركائز الأمن الوطني.

هذا الجمود التشريعي ترافق مع غياب إطار قانوني واضح يُجرّم العنف السياسي ضد النساء، سواء في المجال العام أو في الفضاء الرقمي، ومع ضعف آليات المساءلة المؤسسية داخل الأحزاب والإعلام والانتخابات. وتشير بيانات ميدانية إلى أنّ ما لا يقلّ عن 40 % من الناشطات والمرشحات تعرّضن لشكل من أشكال التهديد أو التشهير الإلكتروني خلال الاستحقاقات السابقة، في ظل غياب أيّ أدوات رصد أو إنفاذ.

كيف يمكن معالجة هذا الواقع؟

ـ ينبغي أن يكون ذلك من خلال عدة آليات:

1. سنّ قانون مناهضة العنف ضد المرأة كإطار وطني ملزم يُجرّم كافة أشكال العنف الجسدي والسياسي والرقمي، ويضمن آليات حماية وتعويض فعّالة.

2. اتخاذ حزمة تدابير تنفيذية تشمل تفعيل وحدات الحماية داخل الأجهزة الأمنية والانتخابية، وإصدار مدونة سلوك وطنية للإعلام، وإنشاء آلية وطنية لتلقي البلاغات وحماية المدافعات عن حقوق الإنسان.

فالعنف ضد النساء في ليبيا لم يعد قضية اجتماعية فحسب، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لمدى نضج الدولة في حماية مواطنيها جميعًا. والإسراع بإقرار هذا القانون واتخاذ التدابير المصاحبة يمثلان حجر الزاوية في أيّ مسار وطني جاد نحو العدالة والمساواة والسلام المستدام.

ما الآليات التي تقترحينها لإنشاء "المرصد الوطني للمرأة والسلام"؟

ـ تتمثل الخطوة الأولى في مأسسة دور المرأة ضمن مسارات السلام عبر وضع استراتيجية وطنية جديدة لتنفيذ القرار 1325، تكون الإطار الجامع للسياسات والخطط التنفيذية المتعلقة بالمرأة والسلام والأمن. تُبنى هذه الاستراتيجية على تقييم موضوعي للخطوات السابقة بهدف تأطير رؤية وطنية شاملة تُحدد الأدوار والأولويات ومؤشرات التقدم، وتضمن التنسيق بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والبلديات.

وفي هذا الإطار يُقترح إنشاء مرصد وطني للمرأة والسلام أو مجلس قومي للمرأة يعمل كآلية مؤسسية دائمة للرصد والتحليل، تُناط به مهمة متابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية، وجمع البيانات الخاصة بمشاركة النساء وحمايتهن، وإصدار تقارير دورية حول التقدم المحرز. ويتولى المرصد التنسيق بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني، وتعزيز ثقافة المساءلة والمشاركة في صنع القرار. ويعمل كمنصة معرفة مفتوحة لتوثيق التجارب المحلية وتقديم تقارير ظلّ دورية؛ هذا المرصد سيكون أداة مساءلة وطنية ويحوّل البيانات إلى سياسات مستندة إلى الأدلة.

ويُوصى بأن يتضمن عمل المرصد منهجية التدقيق الجندري (Gender Audit) كأداة تقييم داخلية لقياس مدى تطبيق مبادئ المساواة بين الجنسين في السياسات والبرامج والميزانيات العامة. فالتدقيق الجندري لا يقتصر على التحليل الإحصائي فحسب، بل يساعد في تشخيص الفجوات المؤسسية وتوجيه الإصلاحات لضمان شمولية السياسات.

إنّ تكامل الاستراتيجية الوطنية، والمرصد المؤسسي، وآلية التدقيق الجندري يمثل مدخلًا عمليًا لتحويل القرار 1325 من التزامات نظرية إلى ممارسة وطنية مستدامة، ويؤسس لنهج حكومي يرتكز على العدالة والمشاركة المتكافئة بين الجنسين في بناء السلام والتنمية.

في ظل المشهد السياسي والأمني المعقّد، كيف ترين دور القيادات النسائية الليبية اليوم؟ وهل تَرَين أنّ هناك تحولًا في نظرة المجتمع إلى مشاركتهن؟

ـ يتطلب بناء الدولة المدنية في ليبيا أن يكون دور المرأة في مؤسسات الدولة دورًا فعليًا لا رمزيًا، وأن تُعتمد رؤية شاملة لأدوار النساء داخل منظومة صنع القرار على مختلف المستويات: التشريعية، والتنفيذية، والإدارية. فالمشاركة النسائية ليست مكمّلاً للشرعية السياسية، بل هي شرط لفاعليتها واستدامتها.

من منظور الحوكمة الجندرية، لا يكفي أن تتواجد النساء في المناصب العامة؛ بل يجب أن تُمنح لهنّ صلاحيات مؤثرة في رسم السياسات وصياغة التشريعات ومراقبة تنفيذها. ويتحقق ذلك من خلال إدماج منظور المساواة بين الجنسين في جميع مؤسسات الدولة ـ لا في وزارات محددة أو لجان استشارية فقط ـ لضمان استجابة القرارات العامة لاحتياجات المواطنين والمواطنات على حدٍّ سواء.

وتتحمل القيادات النسوية، سواء في البرلمان أو في السلطة التنفيذية أو داخل الأحزاب السياسية، مسؤولية مزدوجة:

الأولى: الدفاع عن مكانة المرأة في مواقع صنع القرار والتشريعات.

الثانية: خلق توازن سياسي داخل مؤسسات الحكم يحمي مكتسبات النساء من التراجع ويعزّز مشاركتهن في عملية الحوكمة الوطنية.

إنّ بناء هذا التوازن لا يعني الفصل بين الجنسين، بل ترسيخ شراكة متكافئة تجعل من المرأة طرفًا أساسيًا في صياغة مستقبل الدولة، لا مجرد ممثلة عن فئة اجتماعية.

المرحلة المقبلة تتطلّب انتقالًا من حضور نسائي متقطع إلى تموضع مؤسسي دائم داخل هياكل الدولة، يعيد تعريف القيادة النسوية بوصفها ممارسة للسلطة وفق معايير الكفاءة والمساءلة، ويجعل من المشاركة المتوازنة بين الجنسين مبدأً حاكمًا لإدارة الشأن العام في ليبيا.

لذلك، فإنّ بناء الدولة المدنية في ليبيا يتطلب سياسات واقعية تقوم على ثلاثة محاور مترابطة:

1. التأصيل القانوني للمساواة بين الجنسين عبر مراجعة التشريعات واللوائح بما ينسجم مع الدستور والاتفاقيات الدولية، دون تعارض مع الخصوصية الثقافية الوطنية.

2. المأسسة التدريجية لمبدأ المشاركة المتكافئة عبر سياسات داخل الوزارات والبلديات تتيح للنساء التواجد في مواقع صنع القرار على أساس الكفاءة والمعايير الموضوعية.

3. دمج منظور المساواة في دورة السياسات العامة (Gender Mainstreaming) بحيث تُراجع الخطط والميزانيات من زاوية العدالة الاجتماعية والفرص المتكافئة، وليس فقط من منظور تمثيلي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية