بين الثورة الإيرانية والثورة السورية... متى يكفّ الإسلاميون عن الوهم؟

بين الثورة الإيرانية والثورة السورية... متى يكفّ الإسلاميون عن الوهم؟

بين الثورة الإيرانية والثورة السورية... متى يكفّ الإسلاميون عن الوهم؟


13/01/2026

 

ظهر التيار الإسلامي في العصر الحديث حاملًا معه مشروعًا لدولة إسلامية حسب نموذج متخيل لديه يسعى إلى تحقيقه في الواقع، وخلال هذه الفترة الممتدة منذ ظهوره حتى الآن، حدث أكثر من مرة وفي بلدان عدة أن حاولت جماعة من الجماعات الإسلامية تحقيق هذا النموذج، وفي كل مرة تولد الآمال وتتعلق أنظار التيار الإسلامي بالتجربة الجديدة، ويظنون أنّ ذلك النموذج أصبح قريبًا من الواقع، ثم يُفاجؤون بعد حين أنّ التجربة لم تنجح، وأنّ النموذج لم يتحقق، وأنّ الأمل قد تراجع تحت وطأة الواقع وتعقيداته، لكنّ السؤال هو هل المشكلة في الواقع أم في عقل الإسلاميين؟

من خلال تجربتَيّ الثورة الإيرانية التي نجحت في العام 1979م في إحداث تغيير في نظام الحكم صعد على إثرها أحد مكونات التيار ديني إلى السلطة، والثورة السورية التي اندلعت في العام 2011م ثم استطاعت تغيير النظام في العام 2024م وصعد على إثرها كذلك أحد مكونات التيار الديني إلى السلطة، نحاول أن نتعرف على طبيعة هذه المشكلة، من خلال موقف التيار الإسلامي من كلتيهما في بداية التجربة، ثم بعد مرحلة زمنية حين يتضح أنّ ثمة فجوة بين المثال والواقع.

الثورة الإيرانية

جاءت الثورة الإيرانية التي اندلعت في العام 1979م في مرحلة زمنية كانت تشهد بدايات صعود نجم التيار الديني في مصر، بل كانت مرحلة تشهد عودة قوية للدين وصحوة دينية في العديد من المجتمعات، ومنها مجتمعات غربية، وبالتالي كان المجتمع في حالة من الاستعداد والخضوع أمام ذلك التيار الجارف، وكانت هذه الحالة أحد أهم أسباب تأثير الثورة الإيرانية على الحركة الإسلامية في مصر، حيث كانت مصدر إلهام لها، ومصدر أمل في إمكانية التغيير ومحاكاة النموذج الإيراني.

وقد لاقت تلك الثورة ترحيبًا كبيرًا من العديد من الحركات الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، التي سعت منذ اللحظة الأولى لنجاح الثورة للتعبير عن ترحيبها واحتفائها وتأييدها للثورة الإسلامية الجديدة، وقادت وفدًا ممثلًا لعدد من الحركات الإسلامية من دول مختلفة وذهبت إلى إيران بطائرة خاصة لمقابلة الخميني زعيم الثورة للتهنئة والتعبير عن الرغبة في خدمة الثورة والتعاون معها، حسب ما ذكره الكاتب الصحفي أنور الهواري في دراسته المنشورة في العام 1994م حول موقف الحركات الإسلامية في العالم العربي من الثورة الإيرانية.

ومن أسباب هذا الاحتفاء والتأييد من الإسلاميين بالثورة الإيرانية أنّهم رأوا فيها نموذجًا للدولة الإسلامية التي ينشدونها، فقد عرض وفد الإخوان في زيارة أخرى لإيران على الخميني تدشين خلافة إسلامية في إيران، وذلك وفقًا لما ذكره الباحث معتز ممدوح في مقالة له حول التأثير المتبادل بين الثورة الإيرانية والإسلام السياسي السنّي، غافلين عن الفارق المذهبي الكبير بين السنّة والشيعة، الذي له أثر في رؤية كل منهما للحكم وطبيعة الدولة، وكان من أسباب ذلك الاحتفاء والتأييد أيضًا وجود اعتقاد لدى الحركة الإسلامية بأنّ النظام الحاكم الجديد في إيران سوف يكون داعمًا ومساندًا لها في مواقفها وقضاياها الخاصة في مجتمعاتها، على اعتبار أنّ هذا النظام جزء من الحركة الإسلامية، وأنّه يُعبّر عن أفكارها ومشروعها، وقد عزز من هذا الاعتقاد بعض تصريحات للخميني مثل قوله إنّ رصيد الثورة الإسلامية هو كل مسلم في أيّ مكان في العالم يقول "لا إله إلا الله"، وإنّ مكان الثورة الإسلامية ليس إيران فقط، وإنّما مكانها كل دولة إسلامية يتجبر حكامها على الإسلام ويتصدون لتيار حركته، وعزز من هذا الاعتقاد بعض المواقف العملية للنظام الجديد في إيران مثل أنّه وضع أسماء وصور بعض رموز الحركة الإسلامية في العالم العربي على طوابع البريد، وأطلق عددًا منها على الشوارع والميادين في إيران، مثل إطلاق اسم خالد الإسلامبولي قاتل السادات على أحد شوارع طهران.

لكنّ تلك الحالة من الاحتفاء والتأييد من جانب الحركة الإسلامية في مصر ودول أخرى تجاه الثورة الإيرانية ونظامها الجديد لم تستمر طويلًا، وكان ذلك لسبب رئيس هو أنّ التجربة كشفت عن أنّ الثورة لا تُعبّر عن الحركة الإسلامية السنّية، وأنّه من الصعب توظيفها لخدمة أهداف ومصالح هذه الحركة، وأنّ الاختلاف المذهبي وحسابات المصالح المحلية الإيرانية في ظل النظام الجديد لها دور كبير في ذلك، وقد دعم ذلك عدد من المواقف كانت سببًا في تحول الموقف الإسلامي الحركي من التأييد للثورة إلى الرفض، أبرزها موقف إيران الداعم لنظام حافظ الأسد في ممارساته ضد إخوان سوريا فيما عُرف بـ "مجرزة حماة" في العام 1982م، بل إنّ إيران رفضت استقبال لاجئين سوريين وسلّمت بعضهم إلى النظام السوري، والموقف الثاني هو حرب إيران على العراق في العام 1980م؛ وبذلك تحوّل موقف الحركة الإسلامية بالتدريج من موقف التأييد والاحتفاء بالثورة الإيرانية إلى موقف الرفض والعداء.

الثورة السورية

جاء وصول نخبة جديدة إلى الحكم في سوريا من خلفية إسلامية جهادية، من وجهة نظر الحركة الإسلامية، بمثابة انتصار للثورة السورية التي اندلعت في العام 2011م مع موجة الربيع العربي، وفور وصول هذه النخبة إلى السلطة كانت هناك حالة شديدة من الاحتفاء والتأييد، خاصة في مصر حيث تعاني الحركة الإسلامية وفي مقدمتها جماعة الإخوان من صراع سياسي منذ العام 2013م وتهميش من الحياة السياسية والدعوية وإجراءات أمنية تجاهها أثرت على حضورها في المجال العام، بجانب آثار أخرى اجتماعية وإنسانية، وهو ما جعل هذا الحدث مصدر أمل لجماعة الإخوان وباقي مكونات الحركة الإسلامية التي تعيش حالة صراع مع الدولة، وكان لدى الإسلاميين في مصر اعتقاد بأنّ سوريا تحت حكم الجولاني سوف تكون ملاذًا آمنًا لهم يستطيعون اللجوء إليه والعيش فيه كأحد الخيارات المتاحة أمام الهاربين منهم من تداعيات الصراع في مصر، على اعتبار أنّ سوريا الجديدة تمثل نموذجًا للدولة الإسلامية المنشودة، وكان لديهم اعتقاد بأنّ ما حدث في سوريا بداية لتغيير حقيقي ينتهي بإقامة دولة الخلافة الإسلامية.

لكن خلال عام مضى، هو عمر النظام الجديد في سوريا، جاء الواقع ليخالف توقعات الإسلاميين في العديد من الأمور، فلم تُعبّر ممارسات النظام القادم من خلفية جهادية عن الشعارات الخاصة بالعداء مع إسرائيل والمقاومة وتحرير القدس، وغير ذلك من شعارات كانت تميز خطاب الحركة الجهادية في السابق، بل جاءت سياسة النظام الجديد على خلاف ذلك بشكل كبير، فقد عُقدت لقاءات مع إسرائيل، وأجريت تفاهمات معها حول التعاون في بعض الملفات، وتزايد الوجود الإسرائيلي في سوريا، وقام باحتلال مناطق منها دون إبداء أيّ مقاومة أو اعتراض يُذكر من جانب النظام الحاكم.

وعلى الجانب الآخر اتخذ النظام عددًا من الإجراءات التي كشفت عن أنّه لن يكون داعمًا للحركة الإسلامية خارج سوريا، ولن تكون سوريا ملاذًا للمعارضين من الحركة، منها اعتقاله أحمد المنصور عضو هيئة تحرير الشام بعد بثه تسجيلات على وسائل التواصل الاجتماعي يهاجم فيها الدولة المصرية، وأيضًا إلقاء الحكومة السورية القبض على المعارض الإماراتي جاسم الشامسي في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، الذي كان مقيمًا في سوريا بعد وصول الجولاني إلى الحكم، وسط توقعات بتسليمه لدولة الإمارات، ومن المواقف كذلك تصريحات موفق زيدان مستشار الجولاني، التي دعا فيها جماعة الإخوان في سوريا إلى حلّ أنفسهم على غرار الفصائل العسكرية والسياسية التي حلت نفسها خلال المرحلة الانتقالية، وقد سببت هذه المواقف تغيّرًا نوعًا ما في موقف الحركة الإسلامية في مصر من النظام الجديد في سوريا، وإن كان موقفًا لم يتحول إلى النقد الحاد والعداء الصريح، إلا أنّه يكشف عن تراجع في درجة التأييد والاحتفاء التي كانت موجودة في بداية الأمر.

يكشف هذان النموذجان، إيران في السابق وسوريا الآن، على الرغم من الفاصل الزمني بينهما، عن أزمة كامنة في العقل الإسلامي الحركي، تتعلق بنمط تفكيره وقدرته على قراءة الواقع على حقيقته بطريقة رغائبية تعكس ما يتمناه لا ما هو واقع، ويكشف أيضًا عن أنّ نموذج الدولة الإسلامية المنشودة لدى الإسلاميين إنّما هو مجرد مثال أقرب إلى الوهم، لم يتحقق من قبل إلا لفترة قصيرة، ومن الصعب أن يتحقق في المستقبل، وتثبت التجربة أنّ تعقيدات الواقع والسياقات المختلفة تجعل ذلك النموذج المنشود صعب التحقيق، حتى لو وصلت أعتى الجماعات الأصولية إلى السلطة.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية