الوثيقة السياسية لحركة "ميدان"... السعي نحو إنقاذ الوطن أم الجماعة؟

الوثيقة السياسية لحركة "ميدان"... السعي نحو إنقاذ الوطن أم الجماعة؟

الوثيقة السياسية لحركة "ميدان"... السعي نحو إنقاذ الوطن أم الجماعة؟


10/12/2025

ما تزال حركة "ميدان" التي أسستها إحدى مجموعات الإخوان المنقسمة، بالتعاون مع عدد من رموز تيارات سلفية أخرى، تقوم بالعديد من المحاولات وتمارس أساليب مختلفة بهدف العودة مرة أخرى إلى المشهد السياسي في مصر.

ومن وقت إلى آخر تطرح الحركة رؤيتها وأفكارها وتصوراتها وموقفها من الأحداث والقضايا المختلفة، آخرها كان ورقة أطلقت عليها "الوثيقة السياسية"، تناولت من خلالها مشروعها السياسي الذي يهدف إلى إحداث التغيير في مصر، معللة ذلك بأنّها تسعى إلى إنقاذ الوطن من الأزمات التي يعيشها، ومن خلال هذا التقرير نعمل على تناول أبرز ما جاء في الوثيقة، من أجل أن نصل في النهاية إلى الإجابة عن سؤال رئيسي هو: هل تسعى الحركة بالفعل من خلال مشروعها هذا إلى إيجاد حل لأزمة الوطن أم أزمة الجماعة؟    

توصيف الواقع، وآليات التغيير

تنطلق الحركة في طرح رؤيتها للتغيير من نقطة توصيف الواقع المصري، فتصف الدولة بأنّها غارقة في الفساد ويسيطر عليها الاستبداد، وترى أنّ النظام الحاكم لا يتمتع بالشرعية، وهو ما يعكس عجز الجماعة عن تجاوز لحظة سقوطها من الحكم منذ عام 2013م، وتمتعها بحالة من الإنكار لم تستطع أن تتخلص منها بعد، وتصف النظام بأنّه يستخدم الدين ويوظفه لتحقيق مكتسبات سياسية، وعلى الجانب الآخر توجّه الحركة خطابها وتعرض مشروعها لمن وصفتهم بأنّهم يحملون هم الوطن، وأنهكتهم السجون والمنافي واليأس، وتصف نفسها بأنّها حركة تحرر وطني، تمثل منصة سياسية شعبية جامعة، لا حزبًا سياسيًا مغلقًا، ولا كيانًا نخبويًا معزولًا عن الناس.

وتوضح الحركة أنّ منهجها يقوم على التغيير الجذري الذي لا يقبل الحلول الوسط، وأنّها في سبيل ذلك تعتمد على عدد من الأدوات والمسارات؛ منها النضال الحقوقي، والحشد الإعلامي، والنشاط المجتمعي، والفعل الميداني الثوري، والضغط السياسي المنظم، وتوضح أيضًا أنّ منهجها يعتمد على استراتيجيتين: الأولى هي التراكم الهادئ الواعي، والثانية هي التنظيم القاعدي الفعال، وفيما يتعلق بخيار القوة، وهل هو من أدوات التغيير المتاحة لديها، فإنّها وقعت في تناقض؛ إذ أنّها في موضع من الوثيقة تقول إنّها لا ترغب في عسكرة الثورة، رغم أنّها ترى أحقيتها فيما سمّته "المقاومة الثورية"، وفي موضع آخر تقول إنّ عملية التغيير تراكمية تبدأ من الوعي وتنتهي ببناء القوة القادرة على فرض الإرادة الشعبية، الأمر الذي يمكن الخروج منه بنتيجة أنّها تشير إلى إمكانية استخدام القوة، خاصة مع إشارتها إلى ذلك في الوثيقة الفكرية التي طرحتها من قبل.

ملامح الدولة المنشودة

عبّرت الوثيقة عن بعض ملامح الدولة التي تسعى الحركة إلى إقامتها، ومن أبرز ملامح تلك الدولة أنّها محدودة السلطات، وترى الحركة أنّه يجب انتزاع بعض السلطات من الدولة ومنحها للمجتمع، وتعطي بعض الأمثلة على ذلك، منها إلغاء التجنيد الإجباري في الجيش وقصر الانضمام للقوات المسلحة على عدد من الأفراد يعملون فيه بشكل دائم، ومنها منح الشعب حق التسليح، وأن يكون من حق كل فرد أن يمتلك سلاحًا بدعوى أنّ ذلك أداة لتوفير الأمن من خلال الردع المتبادل، وأيضًا نزع بعض الاختصاصات من القضاء ومنحها للمحاكم الشرعية بعد إعادتها مرة أخرى، وإعطاء بعض الصلاحيات للمجالس العرفية لحل النزاعات بين الناس، بدعوى أنّ القضاء العادي لا يتمتع بدرجة كبيرة من الثقة بين الناس في مقابل المجالس العرفية والمحاكم الشرعية، وإلغاء الضرائب وقصرها على بعض الحالات الاستثنائية بدعوى أنّها نظام غير متوافق مع الإسلام. 

وربما تأتي هذه الرؤية للدولة نتيجة أمرين: الأوّل هو تجربة جماعة الإخوان في الصراع مع الدولة، وخوفها من استخدام الدولة لسلطتها ضدها، وهذا أحد مكوّنات التغيير الجذري الذي تريده الحركة، الذي يتمثل في تغيير موازين القوى في المجتمع بالشكل الذي يضمن بقاء الجماعة واحتفاظها بقوتها، والأمر الثاني أنّ هذه الرؤية تُعبّر عن موقف جماعة الإخوان من الدولة الوطنية التي تراها صناعة غربية لا تتفق مع نموذج الدولة الإسلامية، وأنّها مقيدة للحريات، ولذلك تسعى إلى تفكيكها تدريجيًا.

ادعاءات أم حقائق؟

من خلال هذه الوثيقة تطرح الحركة عددًا من المبادئ والرؤى التي ترى أنّها تمثلها وتُعبّر عن مشروعها، لكنّ السؤال هو: هل هذه المبادئ تُعبّر عن الحركة بالفعل، أم أنّها لا تعكس حقيقتها ولا تعدو أن تكون أداة لتجميل وجهها وكسب تأييد شعبي يساعدها على العودة إلى المشهد؟

فمن أمثلة المبادئ التي تطرحها الحركة أنّها تحترم التعدد والاختلاف، وتحترم التنوع الديني والاجتماعي والثقافي، وترفض أيّ إقصاء للمسيحيين أو الأقليات، وأنّها تربي أفرادها على الانتماء الوطني، وأنّها تُغلّب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية، وترفض استغلال الدين وتوظيفه سياسيًا، وأنّها كذلك لا تُعّد امتدادًا لأيّ تنظيم ديني تقليدي جامد، ولكنّها تُعبّر عن تيار وطني جامع، وتعلن الحركة أنّها ترفض الاستقطاب الطائفي والحزبي والإيديولوجي، وتؤكد على احترامها للمؤسسات الدينية الرسمية، وخاصة الأزهر الذي تصفه بأنّه "مفخرة مصر الكبرى".

ورغم كل ما أعلنته الحركة من مبادئ، إلا أنّ التجربة تُكذّب ذلك، وتجعل من هذه المبادئ مجرد ادعاءات، فأدبيات الجماعة ومواقفها التاريخية والمعاصرة تتناقض مع كل ذلك؛ ففيما يخص ادّعاءها بأنّها تحترم الاختلاف والتعدد والتنوع تُكذّبه مواقف الجماعة وأدبياتها، فالجماعة ترى أنّها هي التي تمثل الإسلام، وأنّها الجماعة التي يُعبّر منهجها ومشروعها عن الدين الصحيح، كما أنّها داخل التنظيم لا تعترف بقيمة الحرية وتربّي أفرادها على الثقة المطلقة في المنهج والقيادة وعلى السمع والطاعة والاتباع الأعمى، كما أنّ موقفها من المختلف معها يشهد به العديد من المواقف والممارسات سواء مع المنشقين عنها أو المختلفين معها فكريًا وسياسيًا، فهي تقابل كل اختلاف بالتشويه المعنوي والتشهير والإقصاء. 

وفيما يخص ادّعاءها بأنّها فصيل وطني يربّي أفراده على الانتماء إلى الوطن، فهذا يتناقض مع أدبياتها وممارساتها، فالدولة الوطنية في أدبيات الجماعة، كما أشرنا سابقًا، لا تمثل نموذج الدولة الإسلامية، فهذه الدولة يجب أن تقوم على وحة العقيدة، وأن تتسع لتشمل كل الدول الإسلامية تحت حكم فرد واحد، وبالتالي لا تعترف الجماعة بنموذج الدولة الوطنية وتعمل على تفكيكه، كما أنّ ممارسات الجماعة وارتباطاتها الخارجية وعلاقاتها بدول وأجهزة أخرى ومواقفها من القضايا الوطنية، خاصة في السنوات الأخيرة وتعبيرها عن حالة الفرح والشماتة في أوقات الأزمات التي تتعرّض لها الدولة؛ تعكس موقفها السلبي من الوطن. 

وفيما يخص ادّعاءها بأنّها ترفض التوظيف السياسي للدين، وترفض الاستقطاب الديني والحزبي والإيديولوجي، فذلك تُكذّبه ممارسات الجماعة المختلفة، فالجماعة من أكثر الفاعلين الذين يوظفون الدين ويلعبون على الوتر الطائفي لتحقيق مكتسبات سياسية، ومن الأمثلة على ذلك ما قامت به الجماعة بعد ثورة كانون الثاني (يناير) عندما كانت تحشد الأفراد للتصويت بالموافقة على الإعلان الدستوري في آذار (مارس) 2011م، حين حولت الأمر إلى صراع ديني، فقد كانت تروّج بين الناس أنّ المسيحيين سوف يرفضون الإعلان، وأنّ على المسلمين الموافقة عليه من أجل إعداد دستور يؤسس لتطبيق الشريعة، وما كان ذلك إلا بهدف حث الناس وحشدهم للتصويت على الخيار الذي تريده الجماعة، وأيضًا قبل المظاهرات التي قامت ضدها في العام 2013م كانت تروّج أنّ الكنيسة تحشد للتظاهر ضد الإخوان لأنّها ترفض حكم الإسلاميين وترفض الإسلام، وحولت الأمر إلى صراع ديني كذلك، وكان يتم إرسال رسائل تهديد بطريق غير مباشر إلى المسيحيين لتحذيرهم من النزول في 30 حزيران (يونيو).

وفيما يخص ادّعاءها بأنّها تُقدّم المصلحة الوطنية على الحزبية، فإنّ ممارساتها تُكذّب ذلك أيضًا، فقد كانت الجماعة تسعى بعد الثورة إلى تحقيق أكبر قدر من المكتسبات السياسية ضاربة عُرض الحائط بقيمة المشاركة التي كانت تدّعيها، وبما يترتب على سعيها للاستحواذ والسيطرة من نتائج سلبية، وكذلك عندما ثارت شريحة من المصريين ضدها لم تُقدّم المصلحة الوطنية، ولم تسعَ إلى إيجاد حلول سياسية، وإنّما اختارت مسار الصدام، ووصفت لأتباعها الصراع على أنّه صراع ديني، فعمقت الأزمة وأضرت بنفسها وبالوطن.

وفيما يخص ادّعاءها بأنّها لا تمثل امتدادًا لأيّ تنظيم تقليدي، فإنّ ذلك لا يُعبّر عن الحقيقة، حيث إنّها تنطلق من المنطلقات الفكرية التي وضعها البنا مؤسس الإخوان، وتسعى إلى تحقيق مشروعه كما رسمه، ولم يكن خروجها من جماعة الإخوان إلا بسبب خلافات تنظيمية حول قيادة الجماعة ومسار العنف، وفيما يخص ادّعاءها بأنّها تحترم المؤسسة الدينية والأزهر بشكل خاص، فإنّها كانت في كثير من الأوقات تشن هجومًا على الأزهر وشيخه، وبشكل عام هي ترى نفسها الممثل الحقيقي للإسلام، وأنّ علماء المؤسسة الدينية ما هم إلا علماء سلطة.

خاتمة 

ما يمكن استخلاصه في النهاية أنّ الحركة تُجري عملية تجميل لنفسها ولجماعة الإخوان بشكل عام، تسعى من خلالها إلى إعادة التموضع داخل المشهد السياسي المصري، وأنّها تبحث عن مخرج لأزمتها هي لا أزمة الوطن الذي لطالما ضربت بمصالحه عُرض الحائط، وما تزال توظف قضاياه وأزماته وهمومه لصالحها، وأنّ ما أعلنت عنه من مبادئ من خلال الوثيقة ما هي إلا ادعاءات لا تُعبّر عن حقيقة الجماعة. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية