
لتحول الفكري ظاهرة موجودة في كل المجتمعات وفي كل المراحل الزمنية، فالعديد من المفكرين تحولوا من مربع فكري إلى مربع آخر لأسباب مختلفة تعددت المداخل التفسيرية في قراءتها.
ويُعدّ حدث الهزيمة في حرب الخامس من حزيران (يونيو) 1967 أحد أبرز الأحداث المفصلية في التاريخ المصري، الذي نتج عنه العديد من التحولات في المجتمع على عدة مستويات؛ على مستوى الاجتماع والثقافة والسياسة والاقتصاد والدين، وعلى مستوى الشخصية المصرية التي تغيرت واكتسبت سمات جديدة نتيجة العديد من المتغيرات التي تلت تلك الهزيمة.
وقد مثل التحول الفكري للعديد من المفكرين أحد آثار تلك الهزيمة، حيث تعدد صور التحولات من اليسار إلى الاتجاه الإسلامي أو إلى الفكر الليبرالي، لكن يظل التحول نحو الاتجاه الإسلامي أبرز هذه الصور التي ميزت تلك المرحلة والمراحل التالية.
وما نود طرحه هنا هو الأسباب التي أدت إلى ذلك التحول، وآثاره، ودلالاته.
صور التحولات الفكرية
تتعدد صور التحول الفكري ودرجاته، فقد يكون التحول جزئيًا بأن يتم تغيير بعض القناعات السابقة بقناعات أخرى مغايرة ومخالفة لها، وقد يكون تحولًا كليًّا وذلك بالانتقال من موقع فكري إلى موقع فكري آخر، بحيث يكون تحولًا جذريًا في المنطلقات والقناعات والتصورات، وقد يكون التحول الفكري قائمًا على أساس منهجي وعلى تأصيل؛ بحيث يشرح المفكر الأسباب التي دعته للتحول والتي أسس عليها قناعاته وآرائه الجديدة، فيقدم أدلةً وأسبابًا مقنعة ومقدمات لما توصل إليه من نتائج، وقد يكون تحولًا غير مبرر أو غير مفهوم للناس، وربما كان مبنيًا على عاطفة أو انفعال في لحظة من اللحظات أيًّا كان سببه، ومثال ذلك ما ذكره الباحث ممدوح الشيخ في كتابه "عبد الوهاب المسيري من المادية إلى الإنسانية الإسلامية" حيث يقول: إنّ قاسم أمين قبل وفاته بقليل حمد الله أن خذل دعوته واستنفر الناس إلى معارضته، وكذلك إسماعيل مظهر، الذي يُعدّ من أبرز دعاة الإلحاد في العالم العربي من خلال مجلته (العصور) التي ظهرت عام 1927، وكانت تتبنّى مقولة الفيلسوف فيوروباخ: "إنّ الله فكرة خلقناها"، ثم انتهى به الأمر ليعلن عام 1932 أنّه لم يستطع الوصول إلى اليقين، وأنّه ينوي الرجوع إلى الفكر الديني، لكنّ عودته إلى رحاب الإسلام كانت أشبه بالعودة الصوفية دون مراجعة نقدية لما سبق من قناعاته.
أسباب التحولات الفكرية
التحولات الفكرية أمر طبيعي تفرضه طبيعة الحياة ذاتها القائمة على التغير المستمر، كما أنّها دليل على فعالية العقل وحيويته ورغبته الدائمة في البحث وطرح التساؤلات، وفي بحثها حول المتحوّلين فكريًا من اليسار إلى الإسلام السياسي تقول الباحثة صفاء خليفة: إنّه "ليس متصورًا أن يولد المفكّر مكتملًا، أو يبقى قائمًا على أفكاره الأولى بشكل مطلق، فالمراجعة الفكرية هي الأصل في المفكّر الذي يعمل عقله، ويسعى إلى اكتساب كل جديد، والذين لا يجددون أفكارهم هم الجماد أو الموتى".
وتعود التحولات الفكرية إلى عدد من الأسباب، منها أسباب فكرية؛ وتتمثل في التغير في الأفكار الناتج عن البحث والدراسة وطول التفكير، ومنها أسباب واقعية؛ وهي التي تحدث نتيجة وقوع حدث ما صادم، سواء كان حدثًا شخصيًا أو حدثًا عامًا، ممّا يسترعي الانتباه ويوقف المرء أمام حقائق معينة أو جوانب لم يكن يدركها من قبل؛ الأمر الذي يتسبب في تغيير القناعات الراسخة، وهو ما حدث بعد هزيمة 1967.
فقد شهدت هذه الفترة تحولًا كبيرًا للعديد من المفكرين اليساريين نحو التوجه الإسلامي، ويذكر ممدوح الشيخ في كتابه سالف الذكر أنّ النصف الثاني من القرن العشرين شهد العديد من التحولات الفكرية التي اتسمت بسمات عدة أهمها الاتساع، حيث تعددت نماذجها مثل: المستشار طارق البشري، وخالد محمد خالد، وعادل حسين وغيرهم، كما شهدت تحولات جزئية لبعض الفلاسفة، مثل عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، واتسمت هذه التحولات بالحسم حيث كانت أكثر حسمًا ووضوحًا في الاعتراف الشجاع والتأسيس المضاد لما كانت عليه من قبل، وحملت تقاربًا بين بعض من هؤلاء في الجانب الفكري والإيديولوجي مع الحركة الإسلامية. وغلبت في تلك الفترة تصورات النهضة القائمة على الأسلمة الشاملة، ومركزية الدين في الحياة وعدم اقتصاره على الجانب الروحي والإيماني المحض، وهذه التحولات بعضها صاحبه بحث ومحاولات للفهم تجعل الشخص يؤسس قناعاته الجديدة على أساس سليم ومتين، بحيث يكون مبنيًا على مقدمات منطقية تؤدي إلى ما وصل إليه من نتائج، وبعضه الآخر كان انفعاليًا غلبت عليه العاطفة أكثر من العقل، وجاء استجابة لضغوط ما نفسية ناتجة عن الهزيمة، ترتب عليها التخلي عن القناعات السابقة، وتبنّي قناعات أخرى دون وعي كامل ودون أسس فكرية ومنهجية سليمة، وهذا النوع يترتب عليه الكثير من المشاكل من الناحية العملية، وقد يتحول صاحبه إلى قناعات أخرى ربما متناقضة تمامًا إن اتبع هذا الأسلوب نفسه، وهذا أقرب إلى الاضطراب والتذبذب أكثر منه إلى المراجعة.
هل التحول الفكري أمر صحي أم مرضي؟
كما ذكرنا في صور التحول وأسبابه؛ فإنّ التحول القائم على أساس فكري ومنهجي بمقدمات منطقية تؤدي إلى نتائج معينة، هو التحول الفكري المحمود، وليس الصورة الأخرى القائمة على العاطفة أو الانفعال أو الهوى أو المصلحة، فإنّ ذلك أضعف أثرًا وأقصر أمدًا.
لكن في الواقع مفهوم التحول الفكري والمراجعة يحمل انطباعًا سيئًا لدى العقل العربي بشكل عام، إذ غالبًا ما يُنظر إليه على أنّه تراجع وتخاذل وتنازل عن المبادئ، على الرغم من أنّ لهذا المفهوم أصلًا دينيًا؛ فقد حث عليه القرآن الكريم والعديد من الأحاديث النبوية حين تحدثوا عن مفهوم التوبة ومحاسبة النفس ومساءلتها؛ فالتوبة في حدّ ذاتها هي تحول ينشأ في عقل الإنسان أوّلًا يرى بناءً عليه أنّه مخطئ أو مقصر في أمر من الأمور، يتبعه ندم، ثم نيّة الكفّ عن ذلك السلوك وعزم على عدم العودة مرة أخرى، وقد تحدث القرآن الكريم في عدة مواضع عن النفس اللّوّامة، وإنّ الدعوة إلى الإسلام ما هي إلا دعوة لإعمال العقل وتغيير ما به من قناعات. وكما يقول الدكتور هاني نسيرة في كتابه "الحنين إلى السماء" متسائلًا: "وهل كانت دعوة الإسلام إلا انقطاعاً مهمًا وتحولًا جوهريًا في عقائد وأفكار المؤمنين بها؟"، ويقول الشافعي في ذلك: "إنّي أتديّن بالرجوع عمّا كنت أرى إلى ما رأيته من الحق"، وقد كتب الشافعي ـ رحمه الله ـ في مصر كتبًا تخالف في كثير منها ما كان كتبه في العراق، وسبب ذلك أنّه تجدد له من العلم بالنصوص ووجوه دلالاتها ما لم يكن عنده من قبل، وضبط من الأصول والقواعد ولاقى من العلماء ممّن استفاد منهم ما حمله على تغيير قوله في كثير من المسائل.
دلالات التحولات
لم تكن ظاهرة التحول الفكري إلى الاتجاه الإسلامي بعد هزيمة 67 قاصرة على بعض المفكرين فقط، لكنّها كانت ظاهرة أعمّ شملت شريحة كبيرة من المجتمع المصري، وأسهمت في تغير المجتمع بشكل كبير من حيث طبيعة الشخصية المصرية وسماتها والثقافة السائدة ومنظومة القيم الحاكمة، فقد تسببت الهزيمة في حالة من الصدمة النفسية أفقدت جزءًا كبيرًا من المجتمع الثقة في النظام الحاكم وإيديولوجيته ومشروعه وأفكاره، وجعلت الناس يبحثون عن مشروع بديل وأفكار بديلة ينطلقون منها كي يخرجوا من الأزمة التي وقع المجتمع فيها، كما كانوا بحاجة إلى ملاذ يلجؤون إليه ويحتمون به من أثر الهزيمة ويشعرون بالأمان بداخله، فكان الدين حينها هو البديل والملاذ. وقد استطاع التيار الديني في ذلك الوقت أن يطرح نفسه بديلًا معتمدًا على حالة الغضب والنقد الموجهة للنظام وسياساته وشخوصه، واستطاع أن ينتشر ويتمدد ويؤثر في المجتمع بشكل كبير، خاصة مع تلك المساحة التي وجدها أمامه والدعم الذي تلقاه من السلطة في عصر السادات، وكان الفكر الإسلامي بمثابة المظلة الجامعة التي يدخل تحتها الناس من مختلف الفئات والطبقات، ولجأ إليها العديد من المفكرين الذين تسببت الهزيمة في اهتزاز قناعاتهم وأفكارهم، وهذا يعكس دور الأزمات في تزايد معدلات الاتجاه نحو التدين، وأنّ فشل الأطروحات والمشروعات الفكرية والسياسية الأخرى يمنح التيار الديني حضورًا واستمرارًا وقدرةً على التأثير.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_1.jpg.webp?itok=wyB-p77t)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B40.jpg.webp?itok=0wwydxPI)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)