الإسلام السياسي ورقة وظيفية ومشروع تفكيك الدول الوطنية: الرهانات الفاشلة

الإسلام السياسي ورقة وظيفية ومشروع تفكيك الدول الوطنية: الرهانات الفاشلة

الإسلام السياسي ورقة وظيفية ومشروع تفكيك الدول الوطنية: الرهانات الفاشلة


06/10/2025

لم يعد خافياً أنّ مشروع الإسلام السياسي هو مشروع استقطابات سياسية وإيديولوجية في الدول العربية، بينما يحقق أغراضاً محددة ومؤقتة طالما كان مجرد ورقة وظيفية في يد الأطراف والقوى الإقليمية والدولية. هذا ما يمكن ملاحظته من تتبع نشاط الجماعة الأم منذ تأسيسها على يد حسن البنا عام 1928، حيث لعب الإخوان أدواراً مشبوهة لخدمة الاستعمار البريطاني وتأمين مصالحه بالمنطقة، كما هو الحال مع استثمار اسم التنظيم في دعاية سلبية وتلفيقية بحق الرئيس جمال عبد الناصر خلال حرب اليمن، وتشويه الموقف المصري على غير حقيقته. 

ولم يتوقف الدور الوظيفي للإخوان، بل استمر وطال على مدار تسعة عقود، الأمر الذي يحدث اليوم، ليس لشيء سوى تفكيك أو تقويض الدول بالشرق الأوسط على أساس دويلات طائفية تسمح بتمدد مفهوم "الأستاذية" عن البنا، وتدشين "الأممية الإسلامية". 

رهانات محفوفة بالخطر

وبحسب تقرير مطوّل بموقع (إضاءات)، فإنّ الولايات المتحدة لم تراهن على الإسلاميين عبثاً، بل انطلقت من قدرتهم على اختراق المجتمعات تحت ستار الدين، وإعادة صياغة أنظمتها السياسية بما يضمن بقاءها ضعيفة ومنقسمة. وقد شكّل ما سُمّي بـ "الربيع العربي" منصة لهذا المخطط، حيث دفعت واشنطن بجماعة الإخوان إلى الواجهة في مصر وتونس وليبيا وسوريا، لتؤدي دور المنقذ المزعوم، فيما كانت عملياً أداة للتمكين الخارجي.

تجربة الإسلاميين في السلطة كشفت سريعاً عن وجهها الحقيقي: استبداد مقنّع، وإقصاء للخصوم، وتبعية سياسية واقتصادية للخارج، وانقلاب على فكرة الدولة الوطنية الحديثة. في مصر سرعان ما انكشفت نوايا الهيمنة والتمكين، بينما تحوّل المسار الديمقراطي في تونس إلى أداة لتكريس الانقسام والتبعية. وسقطت الأقنعة في غضون سنوات قليلة، ليكتشف الشارع العربي أنّ الشعارات كانت مجرد غطاء لسياسات تخدم مشاريع كبرى تتجاوز حدود المنطقة.

الباحث المصري المختص في العلوم السياسية الدكتور مصطفى صلاح يقول: إنّ المشروع الإخواني كان منذ البداية جزءاً من استراتيجية هدم بالمنطقة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط في إطار ما يمكن وصفه بـ "الفوضى الخلّاقة". ويردف: "الإخوان كجماعة وظيفية لا يمكن التعامل معها على أساس كونها حليفاً ديمقراطياً أو استراتيجياً، بل هي أداة اختراق للمجتمعات بفعالية أكبر من الأنظمة التقليدية. الإسلام السياسي وفّر هذه الأداة، عبر توظيف الخطاب الديني وخطاب المظلومية ونشر الكراهية لتبرير سياسات تخدم مصالح خارجية، سواء في الطاقة أو الأمن أو إعادة رسم الخرائط السياسية".

لهذا، جاء إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، منتصف آب (أغسطس) الماضي، بأنّ الولايات المتحدة في مرحلة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.

وفي حديثه مع "سيد روزنبرج" في برنامج "سيد آند فريندز إن ذا مورنينغ"، سُئل روبيو عن الدعم الذي يتلقاه المرشح لمنصب عمدة نيويورك، زهران ممداني، من جماعات مثل الإخوان المسلمين. وقال روزنبرج، في إشارة إلى "مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية: "لماذا لا تصنفون الإخوان المسلمين وCAIR؟ أنا أنظر إلى هذه المنظمات، ولدينا سباق على منصب العمدة هنا في مدينة نيويورك مع هذا "المجنون" ممداني. أنتم تعلمون أنّ هاتين المجموعتين تدعمانه، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين. هل هذا شيء يمكننا الاعتماد عليه ربما في المستقبل القريب؟ ربما ليس منظمة كير بعد، ولكن بالتأكيد جماعة الإخوان المسلمين؟". أجاب روبيو: "نعم، كل ذلك قيد الإعداد. ومن الواضح أنّ هناك فروعًا مختلفة للإخوان المسلمين، لذا سيتعين علينا تصنيف كلّ واحد منها".

قال روبيو: إنّ العملية الرسمية طويلة، وإنّ الحكومة بحاجة إلى أن تكون دقيقة للغاية في تحقيقها، ولكنّ الخطوات تُتخذ بالفعل، موضحاً أنّ هناك عملية "مراجعة باستمرار للمجموعات لتصنيفها على حقيقتها: داعمة للإرهابيين، أو ربما إرهابية بحد ذاتها، أو أيًّا كان". وقال: لم نفعل ذلك منذ وقت طويل، لذا لدينا الكثير من العمل لتعويضه. وقد ذكرت بعض الأسماء، وخاصة الإخوان المسلمين التي تثير قلقاً بالغاً".

كير ومشروع الإخوان

وتزامن مع هذا الإعلان نشاط محموم للسيناتور توم كوتون، من الحزب الجمهوري عن ولاية أركنساس، لمصلحة الضرائب الداخلية بهدف التحقيق في منظمة كير ووضعها المُعفى من الضرائب بسبب مخاوف من علاقات مجموعة الدفاع عن المسلمين بالمنظمات الإرهابية، وذكر الإخوان المسلمين كإحداها.

وفي رسالة أُرسلت إلى مفوض مصلحة الضرائب، بيلي لونج، وحصلت عليها "واشنطن فري بيكون" لأول مرة، استشهد كوتون بـ "أدلة طويلة وقديمة" على "علاقات كير بالجماعات الإرهابية حماس والإخوان المسلمين".

وكتب كوتون: "تدّعي منظمة كير أنّها منظمة حقوق مدنية مكرَّسة لحماية حقوق المسلمين الأمريكيين، لكنّ أدلة جوهرية تؤكد أنّ لديها علاقات عميقة بمنظمات إرهابية. في الواقع، في أكبر قضية تمويل إرهاب في تاريخ الولايات المتحدة، تم إدراج منظمة كير كعضو في لجنة فلسطين التابعة للإخوان المسلمين".

وبالعودة إلى الباحث مصطفى صلاح، يؤكد أنّ "الحسابات الغربية أخطأت في جوهر سياساتها وتعاطيها مع الإسلام السياسي، الأمر الذي برز بعد حرب غزة التي اندلعت في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2023، فاستدار الأوروبيون لمراجعة مواقفهم وهوامش الحرية التي مُنحت للإسلام السياسي بدعوى الحرية والديقراطية، حيث برز تغلغلهم في مؤسسات الدولة وبما يقوّض أمنها القومي، ولم يعد الخطر معزولاً عن الفضاء الأوروبي، كما أنّ مخاطره تلامس القيم السياسية والقانونية المؤسسة. فالإسلاميون، بدلاً من أن يكونوا حلفاء يمكن التحكم بهم، كشفوا عن نزعة استبدادية وإيديولوجيا لا تقبل التعددية. هذا ما خلق تناقضاً جوهرياً بين خطاب الحرية الذي جاؤوا به ظاهرياً وصورتهم الحقيقية في الحكم وفي الممارسة السياسية". 

ومع ذلك، حذّر من أنّه "لا يمكن القول إنّ المشروع انتهى؛ فهو يعيد إنتاج نفسه باستمرار من خلال سياقات إقليمية وداخل بيئة سياسية عالمية متوترة وقلقة وتتسم بانعدام اليقين وعدم الاستقرار، فضلاً عن التسلل من خلال قنوات جديدة، أو شبكات إعلامية ومنظمات حقوقية، أو عبر خطاب المقاومة في بعض الساحات".

وختم حديثه قائلاً: "الخطر الأساسي والمُلحّ أنّ هذا المشروع يواصل تقويض فكرة الدولة الوطنية ويعمّق الانقسامات الداخلية، وهو ما يمنح القوى الدولية فرصة للتدخل وإعادة فرض وصايتها، كما انتهى الحال بغزة. لذلك، فإنّ المعركة ضد الإسلام السياسي ليست أمنية أو عسكرية فحسب، بل فكرية واجتماعية أيضاً، تتطلب وعياً جمعياً وإصراراً على بناء دولة حديثة قوية قادرة على مواجهة محاولات الاختراق والتفكيك".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية