الإخوان وطالبان: انتهازية التأييد الخجول

الإخوان وطالبان: انتهازية التأييد الخجول

مشاهدة

16/09/2021

مرّت علاقة الإخوان وحركة طالبان بتحولات كثيرة فارقة على مستوى العمل والسياسة، وهو ما يمكن أن نستقرئ منه المستقبل القريب بين الجماعة التي أسسها البنا العام 1928، والحركة التي أسسها الملا عمر عام 1994 حتى وصلت إلى "انتصارها" الأخير.

الإخوان يقاتلون الحركة

في فترة انسحاب الاتحاد السوفييتي ووصول أمراء الحرب إلى حكم كابول لم تكن حركة طالبان قد نشأت رسمياً بعد، وكان الإخوان المسلمون منقسمين في حركات مسلحة؛ الأولى هي اتحاد علماء المسلمين بقيادة عبد رب الرسول سياف، والثانية هي الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار، والثالثة الجمعية الإسلامية بقيادة برهان الدين رباني، ووزير دفاعه أحمد شاه مسعود، والثلاثة اختلفوا في قتال الحركة أو التحالف معها، إلا أنّ الجمعية الإسلامية هي من ساعدت أمريكا فيما بعد على إخراجها من كابول.

تعاون الإخوان مع حامد كرزاي أول رئيس أفغاني عقب سقوط طالبان واستطاعوا الحصول على ترخيص رسمي للعمل

ومنذ عام 1994 حتى 27 أيلول (سبتمبر) 1996م، وهو اليوم الذي دخلت فيه الحركة العاصمة الأفغانية، وتعاملت بعده مع جماعة الإخوان بوصفها عدواً تنظر إليه نظرة المفاصلة بين الكفر والإيمان، كانت تصف أعضاء الجماعة بأنّهم أشد خطراً على الإسلام من الشيوعيين، وكانت تهاجم عناصرهم وتغلق جمعياتهم.

وقد زار القرضاوي أفغانستان خلال حكم طالبان في 26  شباط (فبراير) 2001، ضمن وفود إسلامية لإقناعهم بالعدول عن تحطيم تمثالين أثريين لـ"بوذا"، لكنّ الحركة رفضت هذا الطلب.

الإخوان يتجاوزون أمراء الحرب

بعد العام 2001 رفض الإخوان الغزو الأمريكي لأفغانستان في مجموعة من البيانات المتتالية، وتجاوزوا أمراء الحرب التابعين لهم، من أجل الحصول على أكبر قدر من المكاسب وتأسيس وجود رسمي لهم.

تعاون الإخوان مع الرئيس حامد كرزاي، وهو أول رئيس أفغاني عقب سقوط طالبان من الحكم، واستطاعوا من خلال ذلك الحصول على ترخيص رسمي للجمعية عام 2002 بعد أن كانت تعمل بشكل غير رسمي، وهذا أغضب طالبان.

وفق ما ورد في تقارير إعلامية، فقد نشأت الجمعية رسمياً في منطقة تيمني بالعاصمة كابول، وضمّت 35 فرعاً بالولايات الأفغانية، وبدأت نشاطها التربوي والدعوي والتعليمي والإنساني والخيري بقيادة حبيب الله حسام، زعيم الجماعة حالياً في أفغانستان.

اقرأ أيضاً: الإرهاب الدولي في حقبة طالبان

وتشير الجمعية عبر موقعها "إصلاح أون لاين" إلى أنها تمتلك داخل أفغانستان مؤسسات خيرية وتعليمية وإعلامية وطبية واقتصادية كبيرة، وأنها أطلقت "جمعية المساعدات الإنسانية"، وأسست 12 مدرسة من الابتدائية حتى الثانوية، و4 معاهد لتعليم الفتيات وتخريج المعلمات، و8 مدارس أخرى لتدريس العلوم الشرعية، و7 معاهد متخصصة في تأهيل المعلمين، مثل معهد "الإصلاح لإعداد وتأهيل المعلمات" الذي أُنشئ عام 2008، ويركز على تدريس اللغة العربية والدراسات الإسلامية، ومعهد "الإصلاح النموذجي" الذي أسّس عام 2006 في مدينة جلال آباد، و"دار العلوم الإسلامية" التي أُنشئت عام 2008.

بجانب ما سبق، أنشأت الجماعة مدرسة "الفلاح" للبنات العام 2009 بمدينة جلال آباد، التي تخصصت في إعداد الكوادر القيادية في المجالات الفكرية والعلمية والمهنية، برسوم رمزية.

وأنشأت جماعة الإخوان أول فضائية أفغانية حملت اسم قناة "الإصلاح"، ولديها أيضاً إذاعة "صوت الإصلاح" منذ العام 2008، إضافة إلى مجلات مثل "إصلاح مللي" الأسبوعية، التي تصدر بالبشتو والفارسية، ومجلة "جوان" بالبشتو، ومجلة "رسالة الإصلاح" (نصف شهرية)، ومجلة "معرفة" الشهرية بالفارسية، و"رسالة الإصلاح" التي يطبع منها 100 ألف نسخة.

تقارب المنفى

عقب مرور أعوام طوال من القتال بين حكومة كابول وحركة طالبان، بدأت تظهر خلافات متعددة بين الجناح السياسي والعسكري لطالبان، وبناء عليه كانت آراء السياسيين المقيمين في المنفى بالدوحة وباكستان قد بدأت تتغير من ناحية الإخوان، وساهمت قطر في ذلك بكل تأكيد.

ظهر ما سبق في الزيارة التي قام بها وفد الحركة للدكتور يوسف القرضاوي يوم 6 تشرين الأول (أكتوبر) 2020، مشيدين به ومعتبرين أنهم التقوا شخصية مهمّة هي الأب الروحي للإخوان.

وتبادلت قيادات طالبان بالدوحة الزيارة مع وفد حركة حماس بقيادة إسماعيل هنية، الذين أشادوا في بيان رسمي فيما بعد بانتصار الحركة.

وعقب دخول الحركة إلى كابول من جديد أصدرت "جمعية الإصلاح الأفغانية"، التي تمثل الإخوان المسلمين في أفغانستان يوم 17 آب (أغسطس) 2021 بياناً أشادت فيه بـ"التعامل الطيب والإسلامي لحركة طالبان مع مخالفيها".

 جزء من الإخوان التزموا الصمت بشأن تأييد طالبان لأنها ماتزال مصنفة إقليمياً ودولياً ضمن الجماعات المتشددة

وورد في البيان: "تابعنا مع كافة أبناء الأمّة المسلمة التطورات الإيجابية الأخيرة التي تمت بفضل الله ومنته على الأرض الأفغانية المسلمة...، فبعد ما يزيد على نصف قرن من الاضطرابات والاحتلال السوفييتي ثم الأمريكي، نعمت أفغانستان بحمد الله تعالى ثم بصبر شعبها وجهاد مجاهديها بالحرية والاستقلال، وهي نعمة من الله يستحق كل الشعب الأفغاني عليها التهنئة والتجلة والإكبار".

بعدها بيوم، هنأت جماعة الإخوان المسلمين الأم في مصر 18 آب (أغسطس) 2021 "الشعب الأفغاني"، لا طالبان، "بانتصاره وتحرير أرضه بكل فصائله"، معربة عن دعمها وتأييدها للاتصالات والاجتماعات الدائرة بين القوى والأحزاب السياسية الأفغانية "للاتفاق على النظام والحكومة التي يرتضيها الشعب بكل فئاته".

وهنأ الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين "الشعب الأفغاني" و"قيادته، وخاصة في حركة طالبان"، على "هذه الخطوات وعلى هذه المرحلة الجديدة التي بدأت تتشكل الآن في أفغانستان".

مستقبل العلاقة

لأسباب متعددة بدأت مؤشرات التقارب بين الإخوان وطالبان ببيانات متتالية من أفرع الجماعة على مستوى العالم، وأهم هذه الأسباب:

1- تغير طالبان الواضح، ومحاولتها حيازة اعتراف دولي، ولقاؤها مع خصوم الأمس بما فيهم الإخوان، والجماعة يمكن أن تساعدها في ذلك.

2-  الدور القطري الواضح في تأليف الآراء بين سياسيي الحركة والجماعة.

3- الإخوان والحركة يتفقان في هدف واحد وهو إقامة نظام حكم على قراءة معينة للشريعة الإسلامية.

4- المؤسسات الإخوانية الكبيرة ووجود 32 فرعاً ومؤسسة للجماعة في أفغانستان لن تستطيع الجماعة التخلي عنها بسهولة، ولا يمكن للحركة ألّا تستفيد منها، ممّا يفتح أبواباً كثيرة للتعاون.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الخلافات بين قادة طالبان؟ وأين مرشد الحركة ونائبه برادر؟

من جانب آخر، هناك عدة ملامح يمكن أن تحدد لنا مستقبل تلك العلاقة؛ أوّلها حالة التعاطف الكبير من عناصر الجماعة لانتصار حركة طالبان، وهجومهم الشرس على معارضيها، وثانيها اعتبار أغلب تيارات الإسلام السياسي أنّ النموذج الطالباني في القتال لمدة 20 عاماً هو الأنجح في الوصول إلى السلطة، وثالثها تلك التصريحات المتوالية لقادة طالبان، ومنهم عبد الغني برادر في صفحته بتويتر، حول اقتراب الوحدة الإسلامية والخلافة بعد انتصارهم.

يرى القيادي السابق في الجماعة الإسلامية المقيم في تركيا سمير العركي، في مقال له نشره بصفحته، أنّ عناصر الجماعة انقسموا في رؤيتهم لانتصار طالبان، فجزء منهم التزموا الصمت لأنهم لا يستطيعون تأييدها بشكل واضح لأنها ما تزال مصنفة إقليمياً ودولياً ضمن الجماعات المتشددة إيديولوجياً، وفي الوقت ذاته لا يستطيعون أن ينتقدوها، لأنها تنتمي إلى المظلة الإيديولوجية نفسها، وجزء من عناصر الجماعة يرى أنّ طالبان نموذج ناجح في الانتصار على أمريكا، إلا أنّ آخرين منهم، وفق العركي، يرون أنّ الحركة نشأت للقضاء على الجماعات الحركية التنظيمية في أفغانستان وأغلبها كان تابعاً للجماعة الإخوانية، وأنّ نجاحها يعني نجاح حركة شعبية في القضاء على الحركيات وفي هذا خطر على الإخوان.

اقرأ أيضاً: فرنسا غاضبة من طالبان.. وهذا موقفها من إقامة علاقة دبلوماسية معها

ويرى بعض الإخوان أنّ حركة طالبان يمكن أن تساعدهم في إعادة بناء أنفسهم، والعودة إلى المشهد من جديد، ويمكنها أن تمنحهم قبلة حياة للمساومة، إن جاء اليوم الذي تتخلى عنهم فيه تركيا.

الخلاصة النهائية أنه من ناحية الأمر الأهم، وهو الانتقالات الإخوانية إلى أفغانستان في عهد طالبان الثاني، فهو وارد بشكل كبير، وذلك للأسباب السابق ذكرها، لكنه ليس في الوقت الحالي لعدة أسباب؛ أوّلها أنّ أعضاء الجماعة في تركيا ما يزالون يتمتعون بالإقامة والحرية، ولا يوجد تضييق عليهم، ولا يوجد تأكيدات على تسليم بعضهم، وكلّ الأخبار والتقارير الواردة بهذا الشأن لا تعدو كونها تكهنات، وثانياً أنّ الإخوان لا يريدون توريط حركة طالبان حالياً، لأنها في مرحلة تريد فيها أن تحوز على الاعتراف الدولي.



الصفحة الرئيسية