الإخوان وإنتاج التراث لخدمتهم

كيف أعاد الإخوان المسلمون إنتاج التراث لخدمة مشروعهم الحركي

الإخوان وإنتاج التراث لخدمتهم


07/02/2026

قدّمت جماعة الإخوان نفسها بوصفها تمثل العودة إلى الدين المفتقد داخل خضم الحياة العامة، وإعادة إحياء الخلافة الإسلامية التي تعيد للأمة الإسلامية كرامتها وقوتها، ومن ثم تُنصّب نفسها الداعية إلى قيم العدالة الغائبة داخل المجتمع، فتعلن على موقعها أنّ هدفها الرئيس "ينحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمّة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها".

ويعلن الإخوان المسلمون أنّهم جماعة إصلاحية شاملة تفهم الإسلام فهماً شاملاً، وتشمل فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمّة، وترى أنّ الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة، وأنّ الذين يظنون أنّ هذه التعاليم إنّما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية،، وإذا كان هذا تشدداً، فإنّه تشدد وغلوّ في العقيدة، وهذا أمر غير معيب، ومستحسن داخل المتخيل الإسلامي؛ ممّا يسّر عملية تعمقها وانتشارها داخل المجتمع الإسلامي.

العودة إلى العصر النبوي

تستهلك جماعة الإخوان إعلان الإسلام صلاحيته لكل زمان ومكان، وتزعم أنّها تنطلق من رؤية  للإسلام على أنّه الحل، ممّا يفترض غياب الإسلام داخل المجتمعات العربية الإسلامية، ومن ثم تراهن على أنّها ممثلة الإسلام، وبالتالي تكون هيمنتها ووجودها الشامل وفق ما تُعلن‎، هو الحل، وتضع الخلاف مع هذا الرهان موضع الخلاف مع الله، حيث يُعدّ هنا الاختلاف رفضاً للحكمة الإلهية غير المحدودة بالزمان أو المكان والتعالي عليها.

إنّهم مُنفذون هذه الحكمة على الأرض، وهذا ما يجعل خطابهم يحمل عادة نزعة الإرشاد واللوم والتقريع؛ وعليه تضع هذه الجماعات نفسها في موضع اصطفائي مثل الأنبياء والمرسلين، وتقدّم طرحها كطرحٍ إلهيٍّ مُتعالٍ على كافة المشاريع المقدَّمة. وقد استغلت جماعة الإخوان هيمنة التراث على العقل المُعاصر وأعلنت انطلاقها منه، فدعوى سيد قطب كانت الاقتداء بالصحابة في اتباعهم القرآن وتنفيذه مثل اتباع الأوامر العسكرية وتنفيذها. 

وفي بناء شعبيتها وتجنيد الأفراد لصالحها تقدّم مفهوم الجاهلية الثانية الذي يجعل الجماعة الفئة المؤمنة التي تحمل الدعوة سرّاً حتى تكون قوية فتجاهر بها، وتركز على التجربة النبوية في بداية الدعوة وتؤكد على التشابه بينها وبين تجربة الجماعة، بل تتعامل مع الأطر الاجتماعية بالصورة نفسها، حيث تتنازل عن الروابط الأسرية والاجتماعية وتبني روابط أخرى، ونظاماً اجتماعياً بديلاً، وتطلق على نظامها البديل "نظام الأسر" الذي أسّسه حسن البنا، لتمحو الانتماء الاجتماعي أو الانتماء إلى الأسرة، ويصبح الانتماء إلى الجماعة. 

وتستند في عملية المحو هذه إلى الدعوة النبوية التي خلقت نظاماً جديداً يتخلى عن العصبية القبلية، ويجعل الرابطة بينهم رابطة الدين، وليس العرق أو الانتماء أو العائلة، وبالفعل تتعامل بالصورة عينها، حيث تعدّ المنتمين إلى الجماعة أقرب لبعضهم البعض من الأسر المكوّنة اجتماعياً، وتُعامل المجتمع معاملة المارق الرافض لدعوة الحق، وتخلق نظاماً للتعامل فيما بينهم يقوم على أساس إيمانهم وكفر المجتمع وجاهليته، وتعتمد الجماعة في ذلك على فكرة العودة إلى نموذج الجماعة الأولى (العصر النبوي والراشدي) باعتباره النموذج السياسي والاجتماعي الأمثل.

إعادة الفتح 

إنّ التعامل مع العالم على أنّه يعيش جاهلية ثانية يعني أنّه في حاجة إلى الدعوة والفتح، وهذا ما يجعل جماعة الإخوان تستدعي العصر النبوي، وترى نفسها حاملة لواء الدعوة النبوية إلى الدين الإسلامي، وفتح المستعمرات كذلك، فهي ترى أنّ الفتح الإسلامي لدول العالم أمر واجب وضروري، ولكنّها تضع فتح الدول الإسلامية في أولويتها عن الدول ذات المرجعية المختلفة، وذلك لأنّهم يُعدّون مرتدين عن الدين الإسلامي وهناك أولوية في إعادتهم. 

وانطلاقاً من وصاية الجماعة المزعومة على العالم، ورؤيتها في نفسها صلاحية توجيه البشرية جمعاء، فعلى البشرية الخضوع لهذا النمط الذي تطرحه بوصفها الشاهدة على الضمير الكوني، وتملك خريطة الخلاص من عناء البشرية كافة. أصبح العالم بالنسبة إلى الجماعة وفق ما قدّمه منظّرها سيد قطب "دار سلام" و"دار حرب"؛ ودار السلام هي الجماعة ومن ينتمي إليها من الأفراد والجماعات والأرض كذلك، أمّا دار الحرب، فهي بقية العالم الذي لا ينتمي إلى الجماعة، ومن ثم لا يؤمن بالله ودعوته وفق رؤية الجماعة.   

إنّ فرض الجماعة نفسها على أنّها الإسلام ودعوته جعل عدم خضوع العالم لإرادتها عدم خضوع لرغبة الله، وتبعاً لقصوره وعدم أهليته (أي العالم) لحكم نفسه يجب أن يساق إلى حكم الله ـ الذي هو حكم الجماعة ـ حتى لو بالعنف، بوصفه غير مدرك لما هو صالح له. ووفق أهداف الجماعة التي تعلنها قيادة العالم إلى الإسلام الذي تفهمه فهماً شاملاً، وتعلن أنّ احترامها للهيئات والمؤسسات مشروط بالعمل على رفعة الإسلام، فتذكر في أهداف الجماعة بوضوح أنّهم "يحترمون كل الهيئات والمؤسسات وغيرها، ما دامت تعمل على رفعة الإسلام وحمايته والتمسك بمبادئه".

والجماعة هي الموكلة برفع الإسلام ومبادئه، ومن ثم فإنّ كلّ من لا ينتمي إليها في حاجة إلى الفتح الإسلامي، وتبني نسقها التنظيمي بالصورة التراثية التي تتضمن البيعة وحق الطاعة، والعمل على إعادة بناء الدولة الإسلامية القوية تاريخياً وإعادة إنتاج الماضي الذي كان المسلمون فيه مسيطرين، ويعيدون إنتاج صورة الأبطال الإسلاميين ووضعهم في منافسة مع القادة المعاصرين، مثل المقارنة التي سعوا إليها بين خالد بن الوليد الذي لم يخسر في أيّ معركة وبين هتلر. 

ولا يُفهم كنه الدولة الإسلامية التي تهدف إلى بنائها، فما هي إلّا الدولة المعاصرة، ولكن يحكمها الفصيل الإخواني ويُحمل المفردات السياسية مفردات تراثية، لتستبدل الديمقراطية بالشورى والحكم يكون بالبيعة، دون الاهتمام الفعلي بكيفية الحكم وإدارة الدولة، وتزعم أنّ مشروعها جاهز تاريخياً، وبالسؤال عنه تأتي الإجابات مشتتة بين الخلافة العثمانية، وأوهام الريادة، حيث كان عدد العلماء يساوي صفراً، وعصر الخلفاء الطوباوي؛ أي ما قبل الدولة وبناء الحضارة. 

تتعامل جماعة الإخوان مع التراث بوصفه مصدراً للشرعية و"المخزن الرمزي" الذي يعيد إنتاج الهوية الإسلامية، وتقدّم صورة غير واقعية عن التاريخ الإسلامي، صورة منتقاة تخدم  أهدافها الحركية، بتركيز شديد على المواقف السياسية، والإصرار على عدم بشرية تجارب الصحابة والتابعين، ووضعها ضمن بنية الدين، كي يكون التراث طيعاً بين يديها وأكثر اتساعاً لتستهلكه في مشروعها الحركي كيفما تشاء، وتعرض تاريخاً مُتخيلاً، خالياً من النزعات الإنسانية، والانحيازات البشرية الطبيعية، وترى أنّ الدولة الإسلامية تحققت في تاريخ شطبت منه كل المشاهد التي قتل فيها الصحابة بعضهم بعضاً، وقتل فيها مبشّرون بالجنة مُبشّرين آخرين، وخلفاء قتلوا خلفاء، ممّا يجعله أداة طيعة في يدها أكثر من كونه تراثاً تسعى لإحيائه. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية