الأمهات في غزة يرضعن أطفالهن العدس المهروس بسبب فقدان الحليب الاصطناعي

الأمهات في غزة يرضعن أطفالهن العدس المهروس بسبب فقدان الحليب الاصطناعي

الأمهات في غزة يرضعن أطفالهن العدس المهروس بسبب فقدان الحليب الاصطناعي


كاتب ومترجم فلسطيني‎
24/07/2025

في مشهد يعبّر عن واحدة من أقسى الأزمات الصحية في غزة، يتحول حليب الأطفال إلى مطلب حياة، ويشكل نقصه أزمة كبيرة في قطاع غزة، يتزامن ذلك مع زيادة معدلات الولادة، وصعوبة إرضاع الأمهات أطفالهن طبيعياً بسبب سوء التغذية وتفاقم المجاعة منذ أشهر طويلة، حيث بات اعتماد جميع السيدات في غزة على الحليب والمكملات الغذائية في إطعام أطفالهن، لانعدام كافة مقومات الحياة. 

حليب الأطفال في غزة تحوّل إلى مطلب حياة مع ازدياد الولادات وسوء التغذية ما أجبر الأمهات على استخدام بدائل خطيرة وغير آمنة

 

وقد حذّرت وزارة الصحة في غزة من وجود أزمة خطيرة تهدد بفقدان حياة المئات من الأطفال الرضّع داخل مستشفيات قطاع غزة، في ظل نفاد حليب الأطفال من مستودعات الوزارة والمستودعات الخاصة بالشركات، ويزداد الخطر مع تكدس أقسام الحضانة في المستشفيات بالأطفال الخدج، الذين هم بحاجة إلى حليب بأنواع وتركيبات خاصة، لكنّ هذا غير متوفر حالياً داخل قطاع غزة، وتشير بيانات طبية إلى فقدان حوالي (60) طفلاً منذ بداية العام الجاري بسبب سوء التغذية ونقص الحليب، في مقابل ذلك حذّرت منظمة الصحة العالمية من تفاقم أزمة نقص حليب الأطفال في القطاع، في ظل تزايد أعداد المواليد، وأشارت الوزارة إلى أنّ هناك أكثر من (100) طفل يدخلون يومياً مستشفيات القطاع بسبب سوء التغذية، وصعوبة تعامل الطواقم الطبية مع عشرات الحالات التي تواجه ظروفاً صحية صعبة.

تحذّر وزارة الصحة من فقدان المئات من الأطفال بسبب نفاد الحليب بينما تتكدس الحضانات بمواليد خدج يحتاجون لتركيبات غذائية غير متوفرة

 

مستشفى الرنتيسي الذي يُعتبر أحد أكبر مستشفيات الأطفال في غزة، يواصل إطلاق نداءات استغاثة إلى منظمة الصحة العالمية والمجتمع العربي والدولي، بضرورة التدخل العاجل لإنقاذ أطفال غزة من خطر الموت جوعاً، في ظل منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الحليب بكميات كافية وبشكل منتظم، ويستقبل المستشفى كل يوم عشرات حالات سوء التغذية ومشاكل الامتصاص لدى الأطفال، عدا عن حالات مرضية بسبب استخدام الأمهات بدائل غير آمنة في إشباع أطفالهن.

تعاني الأمهات في غزة من انعدام الرضاعة الطبيعية بسبب المجاعة ويعتمدن كلياً على الحليب الصناعي والمكملات في ظل حصار خانق

 

السيدة أم أمجد "لم تجد  بديلاً عن الحليب الاصطناعي لإرضاع طفلتها التي لم يتجاوز عمرها ستة أشهر سوى العدس الأصفر المطحون، وقد اختارت هذا البديل ليس لأنّه مناسب أو صحي، بل لأنّه متوفر بأسعار منخفضة ويشبع طفلتها لساعات، في ظل المجاعة والحصار الخانق الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، ومنذ أن وضعت طفلتها لم ترضعها طبيعياً بسبب المجاعة، وعدم قدرة جسدها على إفراز وتكوين حليب الرضاعة".

وتشير إلى أنّها "لجأت منذ الأيام والأشهر الأولى إلى المؤسسات الداعمة للحصول على القليل من علب الحليب، وكانت تطحن الأرز وتخلطه بالماء والقليل من السكر وتقدّمه لطفلتها، لكن اليوم، بعد شح السكر وارتفاع أسعار الأرز، تعمل على طهو العدس وتقديمه لطفلتها من خلال رضاعة صناعية، لكنّ هذا الحل بالنسبة إلى السيدة له آثار جانبية خطيرة على طفلتها، التي تعاني من مغص وآلام في بطنها وإمساك حاد".

مستشفى الرنتيسي يطلق نداءات استغاثة لإنقاذ أطفال غزة من المجاعة وسط منع الاحتلال إدخال الحليب وتدهور الأوضاع الصحية للأطفال

 

وتوضح في حديثها لـ (حفريات) أنّها "قلقة من فقدان حياة طفلتها بأيّ لحظة، في ظل الوضع الخطير الذي تعيشه من نقص الحليب ومصادر الغذاء الأساسية التي تحتاجها طفلتها في أشهرها الأولى، كما أنّ العدس وجبة خطيرة على طفلة بهذا العمر، لكن رغم البحث المستمر عن بديل آمن لم تجد السيدة أيّ حلول".

ويماطل الاحتلال الإسرائيلي في إدخال المساعدات والبضائع التجارية إلى قطاع غزة، بل يسمح للّصوص بالاعتداء وسرقة الشاحنات،  بهدف تكريس حياة السكان وتجويعهم، ويضاف إلى ذلك منع الاحتلال إدخال المواد الأساسية الضرورية اللازمة يومياً، والاكتفاء بإدخال كميات محدودة من صناديق المساعدات والطحين وبعض السلع، وهذه الأصناف تتعرض للسرقة عند إدخالها ولا تصل إلى المستحقين.  

حال السيدة أم محمود لم يختلف عن سابقتها، فهي أم لطفلين توأم، وتعاني الأمرّين، في ظل صعوبة حصولها على الحليب الصناعي، والرضاعة الطبيعية لطفليها لم تشبعهما بسبب سوء التغذية، فهي تعاني من صراخهما المستمر يومياً بسبب الجوع، وعدم قدرتها على توفير الحليب لهما سواء من خلال المؤسسات الداعمة أو من خلال شرائه نقداً من الصيدليات". 

طفلا أم محمود يبكيان يومياً من الجوع بعد فشل الرضاعة الطبيعية وعجزها عن شراء الحليب مما اضطرها لاستخدام العدس المهروس كبديل

 

تقول في حديثها لـ (حفريات): بعد أن "وصلت إلى مرحلة اليأس وتفاقم المجاعة لجأت إلى تحضير النشا والماء والسكر كبديل عن الحليب، لكن منذ أشهر منع الاحتلال إدخال هذه الأصناف، ولجأت بعد ذلك إلى استخدام العدس لإطعام أطفالي لسدّ جوعهم، وأعمل على سلق العدس وطهوه على النار، ومن ثم هرسه جيداً حيث يسهل تناوله وهضمه".

وتشير إلى أنّ "هذا الخيار هو الأسوأ والأصعب بالنسبة إليها، لأنّ أطفالها لا يتناولون هذا الطعام بشكل يكون مقبولاً لهم، ويصرخون عند تناوله، لكنّني أضغط عليهم لسدّ جوعهم ومحاولة الحفاظ على صحتهم من الموت جوعاً إلى حين إيجاد بدائل في ظل الظروف المعيشية الصعبة والمجاعة التي يمر بها القطاع لأول مرة في تاريخ الصراع والحروب مع إسرائيل".

أمّا السيدة أم قصي، فإنّها "فقدت طفلها بعد مرور شهرين على ولادته، بسبب نفاد أحد أصناف الحليب المخصص للحالات المرضية التي تعاني من خلل في الهرمونات، وطفلها كان مصاباً بهذا المرض المزمن، وقد وفرت له إحدى المؤسسات الخيرية كمية قليلة من الحليب، وبعد نفاد هذا الصنف من مستودعات القطاع والمؤسسات، لم يحتمل طفلها الجوع، وتسببت له البدائل بمضاعفات أدت إلى وفاته".

الأمهات يبتكرن وصفات منزلية كطحن الأرز مع الماء والسكر لإشباع أطفالهن رغم افتقارها لأي قيمة غذائية وسهولة تسببها بمشاكل صحية

 

في تعقيب على ذلك يقول طبيب الأطفال الدكتور خالد عبد العزيز: "يواجه مئات الأطفال، خاصة حديثي الولادة، خطر الموت جوعاً في أيّ لحظة، نتيجة الحصار الإسرائيلي المستمر على القطاع، ومنع الاحتلال توريد المستلزمات الخاصة بالأطفال من حليب الرضاعة والمكملات الغذائية والأدوية التي تحتوي على فيتامينات للوقاية من سوء التغذية".

وأوضح لـ (حفريات) أنّ "غالبية حالات الولادة هي لأطفال يعانون من ظروف صحية سيئة، نتيجة تعرّض الأمهات الحوامل لسوء التغذية واستنشاق غازات سامة والإصابة بشظايا الصواريخ المحرمة، وهذا نتج عنه ولادة أطفال بحاجة إلى رعاية صحية وتغذية سليمة، لكنّ هذا غير متوفر حاليّاً، لا سيّما أصناف الحليب رقم صفر وواحد، وهي مخصصة لرضاعة الأطفال في الأيام الأولى من ولادتهم".

يحرم الاحتلال الأطفال الرضّع من الحليب عبر منع إدخال المساعدات الغذائية ويسمح بسرقة الشاحنات مما يفاقم الأزمة والمعاناة الإنسانية

 

وأشار إلى أنّ "استخدام الكثير من الأمهات بدائل غير آمنة في إطعام أطفالهن يزيد من مخاطر فقدان حياة الكثير من الأطفال الرضّع، ويتوافد إلى مستشفيات الأطفال يوميّاً العديد من الحالات التي تعاني من نزلات معوية ومغص حاد وانسداد في الأمعاء، وهذه الحالات في كثير من الأحيان تحتاج إلى تدخل جراحي لتسليك الأمعاء من الأطعمة غير الآمنة، كالعدس والأرز والنشا وبعض الأطعمة الخشنة التي لا يمكن هضمها بسهولة". 

وطالب الدكتور "بضرورة التدخل الدولي العاجل لإنقاذ الواقع الصعب الذي يمرّ به قطاع غزة، لا سيّما فئة الأطفال الذين يواجهون خطر الموت جوعاً نتيجة الحصار، من خلال السماح بإدخال كافة الأطعمة والأدوية المنقذة لحياتهم، والعمل على إخراج العديد من الحالات المرضية إلى خارج قطاع غزة لتلقي العلاج بسبب قلة الإمكانيات". 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية