الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... حين يُستخدم الدين أداة للقمع

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... حين يُستخدم الدين أداة للقمع

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... حين يُستخدم الدين أداة للقمع


29/12/2025

كانت الفترة الزمنية منذ بداية السبعينات حتى نهاية التسعينات بمثابة المرحلة الذهبية للتيار الإسلامي بمكوناته المختلفة، تلك الفترة التي توفر له خلالها المناخ والفرصة المناسبة للنمو والانتشار والتأثير في المجتمع وتشكيل ثقافة شريحة كبيرة منه، ورغم آثارها السلبية على المجتمع المصري؛ إلا أنّها كانت فرصة كذلك للكشف عن طبيعة هذا التيار وأفكاره وموقفه من العديد من القضايا، والكشف عن الكثير من العيوب البنيوية الكامنة فيه.

ومن بين ما كشفت عنه تلك التجربة ما يتعلق بموقف التيار الإسلامي من الحريات وقيم مثل التعددية والتنوع واحترام الآخر، تلك القيم التي لا يكفّ هذا التيار عن الحديث عنها في سياق نقده للأنظمة الحاكمة ومطالبته بالتغيير وتقديم نفسه كبديل لها، على اعتبار أنّه هو من سيعمل على تحقيقها في الواقع.

لكنّ التجربة كشفت عكس ذلك، فقد قامت عدّة جماعات راديكالية نشأت في تلك المرحلة بالكثير من الممارسات التي استهدفت من خلالها فئات كثيرة من المجتمع مختلفة معها، واعتدت على حرياتها وأموالها تحت ستار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وذلك من خلال أساليب وصور متعددة.

البداية في الجامعات

منذ بداية السبعينات بدأ يظهر في الجامعات تيار ديني استطاع أن ينمو في وقت قصير ويسيطر على الاتحادات الطلابية ويتحول إلى قوة كبيرة لها تأثير وسط الطلاب، وكان لهذا التيار العديد من الممارسات التي تكشف عن موقفه من الحريات والتعددية والآخر المختلف عنه، حيث كانت له، بطبيعة الحال، أفكاره التي ينطلق منها وقناعاته التي يؤمن بأنّها الحق المطلق، ومن ثم كان يسعى إلى فرض هذه الأفكار بالقوة، ومنع غيره من ممارسة أيّ نشاط لا يتفق مع أفكاره.

عبد المنعم أبو الفتوح، أحد أبرز القيادات المؤسسة للجماعة الإسلامية في الجامعات في تلك المرحلة، يحكي في مذكراته "شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية" بعضًا من الممارسات التي كانت تقوم بها هذه الجماعة في إطار "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" بهدف فرض نمط معيّن من التدين ومنع أيّ نشاط يخالف الإسلام من وجهة نظرهم، فيقول: إنّهم كانوا يدخلون مع التيار الشيوعي كثيرًا في خلافات تصل أحيانًا إلى المواجهة البدنية، ويقول إنّ ذلك كان مدفوعًا بما لديهم من حس جهادي ورغبة في تغيير المنكر باليد، ومن المواقف التي يرويها أنّهم كانوا يعملون على منع أيّ احتفالات فنية تقيمها مجموعات طلابية أخرى، فذات مرة تم الإعلان عن حفل غنائي في أحد المدرجات، فقام طلاب الجماعة الإسلامية بالدخول إلى المدرج قبل بدء الحفل، وقاموا بقراءة القرآن فيه، ولم يستطع منظّمو الحفل أن يخرجوهم من المدرج فتم إلغاؤه، وفي مرة أخرى كان هناك إعلان عن حفل أيضًا، ولم تفلح محاولات الجماعة في الدخول مبكرًا واحتلال المدرج كما في المرة السابقة، فما كان من طلاب الجماعة الإسلامية إلا أن نظموا مسيرة ضخمة واقتحموا المدرج بالقوة ومنعوا الحفل.

جماعات الأمر بالمعروف 

مع تمدد التيار الديني في عقدي الثمانينات والتسعينات وظهور العديد من الجماعات والمجموعات الراديكالية الصغيرة، التي كانت تسعى إلى تغيير النظام بالقوة، وتعتمد منهج التغيير باليد في إطار مفهوم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"؛ شهدت تلك المرحلة العديد من حوادث العنف التي قامت بها تلك الجماعات، والتي لم تكن ضد الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية فقط، ولكن كان العديد منها موجهًا ضد مواطنين عاديين مسلمين ومسيحيين بهدف فرض "المعروف" ومنع "المنكر".

ومن الجماعات التي ظهرت في تلك المرحلة الجماعة الإسلامية في الصعيد، والجماعة الإسلامية في محافظة بني سويف، وجماعة الجهاد، وجماعة "الناجون من النار"، وجماعة طه السماوي المسمّاة "الواثقون في النصر"، و"جماعة الشوقيين" في الفيوم، وقد مارست هذه الجماعات العديد من أعمال العنف ضد المواطنين في محاولة لفرض ما تراه صحيحًا من أفكار وسلوكيات. ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره التقرير الاستراتيجي العربي الصادر عن مركز الأهرام للدراسات في أعداده المختلفة، من قيام هذه الجماعات بالاعتداء على نوادي الفيديو وإلقاء القنابل عليها وحرقها، ومنع الفرق الموسيقية من نشاطها، والاعتراض على إقامة الأفراح والحفلات، والاعتداء على الكنائس ومنازل المسيحيين، ومعاقبة المجاهرين بالإفطار في رمضان في الشوارع، واقتحام طلاب ينتمون إلى هذه الجماعات لمسارح الكليات من أجل منع العروض الفنية فيها، وسرقة محلات الذهب للحصول على الأموال التي تحتاجها الجماعات في أنشطتها.

ويذكر الدكتور كمال حبيب بعض الأمثلة على ممارسات هذه الجماعات في دراسة له حول "جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" التي ظهرت منذ السبعينات وما بعدها، فيقول: إنّ الجماعة الإسلامية في الصعيد كانت تقوم بحملات تفتيش في الشوارع لمنع أيّ اختلاط بين امرأة ورجل، وتتأكد من أنّ ثمة علاقة شرعية تربط بين أيّ امرأة ورجل تراهما يسيران أو يجلسان معًا في الشارع من خلال الاطلاع على هويتهما ورؤية البطاقات الشخصية، ومن يرفض ذلك يتم ضربه باستخدام جنازير يخفونها تحت ملابسهم، وكانوا يهاجمون محلات المسيحيين التي يتم فيها بيع المشروبات الكحولية وتكسيرها وإحراقها.

هذه بعض النماذج من تاريخ طويل لبعض الجماعات الإسلامية، تعكس نمط التفكير والأفكار الحاكمة لها، وتكشف عن العيوب البنيوية الكامنة في بنيتها الفكرية، وموقفها من الاختلاف والتنوع والحرية، فهذه الجماعات لا مجال لديها لحرية الرأي أو لاحترام المختلف معها، وإنّما تؤمن بمجموعة من الأفكار تعتقد بأنّها تمثل الإسلام، وتسعى إلى فرضها بالقوة على المجتمع، وما تزال حتى اليوم تعمل على ذلك متخذة من الحديث عن مقاومة الاستبداد وقيم الحرية أداة لتحقيق سيطرتها على المجتمع.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية