
شهدت طرابلس وعددٌ من مدن غرب ليبيا خروجَ مظاهرات شعبية غاضبة، تنديدًا بتدهور الأوضاع المعيشية واستمرار انهيار الخدمات الأساسية، في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. ويعكس هذا الحراك حالةَ احتقانٍ متصاعدة في الشارع الليبي، الذي بات يُعبّر بصورة مباشرة عن ضيقه من استمرار التراجع الاقتصادي.
غضب الشارع في طرابلس: احتجاجات معيشية تتجاوز حدود الاقتصاد
رفع المتظاهرون شعارات تُحمّل الأجسام السياسية المتعاقبة مسؤولية ما وصفوه بـ "الفشل المزمن" في إدارة شؤون البلاد، مطالبين برحيل جميع الكيانات السياسية دون استثناء، ومؤكدين أنّ الأوضاع الراهنة لم تعد تحتمل مزيدًا من الوعود أو المعالجات المؤقتة. وشددوا على أنّ استمرار الأزمات من دون حلول جذرية يُعمّق فجوة الثقة بين المواطن والسلطة.
وطالب المحتجون بتحسين الخدمات الأساسية، وضبط الأسعار، وتوفير السيولة النقدية، وإنهاء حالة الانقسام السياسي التي يرون أنّها السبب الرئيس في تعطّل مؤسسات الدولة وتدهور مستوى المعيشة. وفي هذا السياق خرج عدد كبير من المواطنين، الجمعة الماضية، إلى شوارع العاصمة طرابلس مطالبين بسقوط الأجسام السياسية، ومنددين بغلاء الأسعار نتيجة تخبط القرارات الإدارية والمالية، وتدهور سعر الصرف، وانخفاض قيمة الدينار الليبي.
وأكد المشاركون في الاحتجاجات أنّ استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية دفعاهم إلى التصعيد، مشيرين إلى أنّ الأوضاع لم تعد تحتمل مزيدًا من المماطلة أو التسويف. وتأتي هذه التحركات وسط دعوات متزايدة من الأهالي بضرورة معالجة الأزمة المالية والاقتصادية بصورة عاجلة، وإيجاد حلول عملية توقف الانهيار المعيشي الذي يثقل كاهل المواطنين.
وفي سياق متصل بحث رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، مع وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة "الوحدة الوطنية المؤقتة" محمد الحويج، ورئيس جهاز الحرس البلدي اللواء رجب قطوسة، آليات ضبط الأسعار ومنع الاحتكار، خلال اجتماع عُقد الخميس الماضي بمقر المجلس في العاصمة طرابلس، وذلك في إطار متابعة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وانعكاساتها على المواطنين.
وتناول الاجتماع مستجدات المشهد الاقتصادي، ولا سيّما الارتفاع الملحوظ في أسعار السلع الأساسية وتأثيره المباشر في القدرة الشرائية. وأكد الحاضرون ضرورة تكثيف التنسيق والعمل المشترك بين وزارة الاقتصاد وجهاز الحرس البلدي لتعزيز منظومة الرقابة على الأسواق، وضبط المخالفات، والتصدي لممارسات الاحتكار والتلاعب بالأسعار، بما يسهم في حماية المستهلك وترسيخ مبادئ العدالة في التعاملات التجارية.
في قراءة تحليلية للمشهد الراهن يشير الكاتب الليبي عصام التاجوري في حديثه لـ (حفريات) إلى أنّ التحركات التي شهدتها الأيام الأخيرة في مدن الغرب الليبي، ولا سيّما مدينة الزاوية والعاصمة طرابلس، لا يمكن اختزالها في إطار احتجاجات عابرة أو طارئة، بل هي تعبيرٌ مباشر وصريح عن حالة الضغط الاقتصادي التي يعيشها المواطن. ويشدد على أنّ هذه التحركات جاءت نتيجةً طبيعيةً لتخفيض قيمة الدينار، وارتفاع سعر الصرف، والاتجاه نحو فرض أعباء إضافية على الواردات، الأمر الذي أدى عمليًا إلى نقل كلفة الاختلالات المالية والنقدية للدولة إلى كاهل المواطن.
بين فشل الإدارة وانهيار سعر الصرف: كيف تحوّلت الأزمة المالية إلى تظاهرات شعبية؟
يُلفت التاجوري إلى أنّ المواطن الليبي لم يخرج هذه المرة مدفوعًا بالأزمة السياسية أو بصراع الفاعلين على السلطة فحسب، رغم إدراكه العميق لتأثير ذلك في مستقبل البلاد، بل خرج مدفوعًا بتدهور معيشته اليومية، وبالضغط المتصاعد على قدرته في تأمين الغذاء والدواء والخدمات الأساسية. ويؤكد أنّ التدهور الملموس في مستوى المعيشة هو المحرك الحقيقي لهذا الحراك.
وفي المقابل يرى أنّ خصوصية التجربة الليبية تؤكد أنّ الاحتجاجات الاقتصادية نادرًا ما تبقى ضمن حدودها المعيشية؛ إذ إنّ استمرار الضغط في ظل غياب حلول هيكلية شاملة يحوّلها تدريجيًا إلى مساءلة سياسية للسلطة القائمة. فالشارع ـ كما يشير ـ يربط بصورة تلقائية بين إدارة الاقتصاد وشرعية من يدير الدولة. ومن هنا يحدد أفق هذه التحركات وتطورها بمدى سرعة الاستجابة الرسمية؛ فالإجراءات الجزئية قد تُؤجل الغضب، لكنّها ـ كما يشدد ـ لن تنهي أسبابه العميقة، بينما استمرار الاختلالات قد يدفع نحو موجة أوسع ذات طابع سياسي أكثر وضوحًا.
أمّا في ما يتعلق بمسألة التسييس، فيرى التاجوري أنّ الأزمة لا تكمن في اجتماع المجلس الأعلى للدولة مع وزير الاقتصاد بحد ذاته، بل في التوقيت والسياق؛ إذ يبدو أنّ بعض الأجسام السياسية تسعى إلى إعادة التموضع داخل الأزمة أكثر من سعيها إلى معالجتها جذريًا. فالمشهد الليبي اعتاد أن تتحول فيه الأزمات الاقتصادية إلى أدوات لإعادة تشكيل الاصطفافات السياسية، حيث يحاول كل طرف الظهور بمظهر المدافع عن المواطن دون امتلاك أدوات فعلية لمعالجة جذور الأزمة، ممّا يجعل الاقتصاد ساحة صراع سياسي غير مُعلن.
وبالتالي، يمكن القول: إنّ ما يحدث اليوم هو احتجاجٌ معيشيٌّ في الشكل، لكنّه في مضمونه اختبارٌ سياسيٌّ بامتياز. فإمّا أن تُدار الأزمة بمنطق اقتصادي رشيد يستند إلى إصلاحات حقيقية، وإمّا أن تتحول تدريجيًا إلى ورقة ضغط ضمن صراع الشرعيات القائم في البلاد، بما يحمله ذلك من تداعيات أوسع على الاستقرار العام.
من جانبها تشير المحامية الليبية ثريا الطويبي، بشأن الأزمة الاقتصادية وتدهور سعر الصرف في ليبيا، إلى أنّ البلاد تشهد خلال الفترة الأخيرة تدهورًا ملحوظًا في سعر صرف الدينار الليبي، وهو ما انعكس مباشرة على الأوضاع المعيشية للمواطنين، وكان أحد المحركات الأساسية للتوتر الشعبي الذي انتهى بموجة الاحتجاجات التي شهدتها طرابلس يوم الجمعة 27 شباط/فبراير الفائت.
الانقسام السياسي والورقة الاقتصادية: هل يدفع الضغط المعيشي إلى اختبار سياسي جديد؟
وتلفت الطويبي، في حديثها لـ (حفريات)، إلى أنّ جوهر هذه الأزمة لا يعود إلى نقص في الموارد؛ فالإيرادات النفطية ما تزال قادرة على تغطية جانب كبير من الإنفاق العام، وإنّما يتمثل السبب الحقيقي في الإنفاق العام غير المنضبط وتجاوزه للإيرادات، مع تمويل العجز عبر طباعة نقود جديدة، وهو ما يؤدي حتمًا إلى التضخم وتآكل القيمة الشرائية للعملة الوطنية.
وقد أسهم الانقسام السياسي في تعدد أوجه الصرف العام وغياب ميزانية موحدة، وتحميل المصرف المركزي أعباء تفوق قدرته، سواء عبر السحب من الاحتياطيات الأجنبية أو من خلال التمويل النقدي، وهو ما زاد الضغط على سعر الصرف.
وتؤكد المحامية الليبية أنّ الإبقاء على سعر صرف رسمي إداري غير متوازن مقارنة بسعر السوق خلق فجوة سعرية واسعة تحولت عمليًا إلى ضريبة مستترة يدفعها المواطن عبر الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، بينما تستفيد منها قلة من المضاربين والوسطاء. ومع اتساع هذه الفجوة زادت المضاربة وازدادت هشاشة الاستقرار النقدي.
أمّا على الصعيد السياسي، فلا يمكن فصل تدهور الوضع الاقتصادي عن محاولات توظيفه سياسيًا من قبل أطراف مختلفة، سواء عبر تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، أو باستخدام الملف الاقتصادي كورقة ضغط في صراع الشرعيات القائم، وهو ما يعقّد فرص المعالجة ويؤجل الحلول الحقيقية.
ومن هنا يبدو أنّ معالجة الأزمة تتطلب الاعتراف بجذورها الحقيقية، وفي مقدمتها ضبط الإنفاق العام وربطه بإيرادات فعلية، ووقف التمويل النقدي للعجز، وتوحيد السياسة المالية، واعتماد سعر صرف واقعي يقلّص الفجوة السعرية ويحدّ من المضاربة.
حراك طرابلس يؤكد استمرار الضغط الشعبي حتى تحقيق الإصلاحات
وأكدت ثريا الطويبي المتحدثة باسم نشطاء حراك طرابلس أنّ الحراك انطلق ضمن مطالب إصلاحية شعبية ركزت على معالجة الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وقد دعا نشطاء في طرابلس إلى إقرار سعر صرف عادل للحد من المضاربات، ووقف الاعتمادات الوهمية، وقصر الاستيراد على السلع الأساسية، مع تشديد الرقابة على الأسواق. وشملت المطالب أيضًا تنظيم العمالة الوافدة، وإنهاء عقود الأجانب في المؤسسات العامة، ووقف مرتباتهم، إلى جانب تقليص الإنفاق الحكومي، وتقليص السفارات والموظفين، ووقف مرتبات بعض المؤسسات السياسية، ورفع الدعم عن غير الليبيين وتوجيهه للمواطنين عبر بطاقات دعم مباشرة، إضافة إلى ترحيل المتسللين، ووقف صفقات السلاح والإنفاق على القوات الأجنبية والمرتزقة، والمطالبة بإقالة محافظ المصرف المركزي وتعيين كفاءات قادرة على إدارة الأزمة الاقتصادية.
وأشارت الطويبي في ختام تصريحاتها لـ (حفريات) إلى أنّ هذه الدعوات شهدت استجابة ميدانية حيث خرج المحتجون ليلة الجمعة بتنسيق مع حراك شباب المنطقة الغربية ومدينة الزاوية، والتحقت بهم مجموعات شبابية داخل طرابلس، مؤكدة استمرار الحراك حتى تحقيق أكبر قدر ممكن من المطالب، في ظل اتساع دائرة الفقر وتراجع القدرة الشرائية لغالبية المواطنين، وتحذيرات من أنّ استمرار سوء إدارة الموارد قد يزيد الاحتقان الشعبي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_193_3.jpg.webp?itok=nXDaLee7)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%861_1.jpeg.webp?itok=cK_ZrK4K)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_14.jpg.webp?itok=DuOi0h5s)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_8.jpg.webp?itok=MY28Jm4M)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%B9%D9%88%D8%AF%D9%8A_7.jpg.webp?itok=hx0OkFIn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%81%D9%84%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D8%A7_0_1_1.jpg.webp?itok=wyB-p77t)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_35.jpg.webp?itok=0F9uR4sA)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A.jpg.webp?itok=HVw9b6Sx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_6.jpg.webp?itok=9rB8crnR)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1_0_1.jpg.webp?itok=EfTkqtIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_5.jpg.webp?itok=mn-Cvwhm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%860_1.jpg.webp?itok=-BlCfjCM)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9_36.jpg.webp?itok=EYrCzj58)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A70_1.jpg.webp?itok=9swa9NrG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%86%D9%8A%D8%A8%D8%A7%D9%84_0.jpg.webp?itok=HGZ6ReH5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_1.jpg.webp?itok=xJV_iVmx)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D8%B1%D9%85%D8%B2_4.jpg.webp?itok=t1TsOP4-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%B5%D8%A7%D9%85.png.webp?itok=yvnstWJC)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A9_2.jpg.webp?itok=LGVwvYZl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%88%D9%8A_15_0_0_4.jpg.webp?itok=6X3JWcbO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9_6.jpg.webp?itok=W3HmVWTo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_4.jpg.webp?itok=hVI6UEOO)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)