أزمة معبر رأس جدير الحدودي بين تونس وليبيا... ما علاقة الإخوان؟

أزمة معبر رأس جدير الحدودي بين تونس وليبيا... ما علاقة الإخوان؟

أزمة معبر رأس جدير الحدودي بين تونس وليبيا... ما علاقة الإخوان؟


04/06/2024

مثل قرار إغلاق معبر رأس جدير الحدودي منذ شهر آذار (مارس) الماضي من طرف حكومة الوحدة الوطنية، دون حسم موعد إعادة فتحه رسمياً، أحد أبرز النقاط العالقة في ملف العلاقات التونسية الليبية. 

وعلى هامش أعمال الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني، الذي انعقد بالعاصمة الصينية بكين، عقد الرئيس التونسي قيس سعيّد، ورئيس الوزراء الليبي عبد الحميد الدبيبة اجتماعاً لمتابعة عدد من القضايا المشتركة، أهمها الإجراءات التنفيذية لفتح المعبر الحدودي رأس جدير، واستكمال أعمال اللجنة المشتركة بين الجانبين بشأن تشابه الأسماء وآليات دعم القطاع الخاص بالبلدين، وفق بيان صادر عن حكومة الوحدة الوطنية يوم الخميس الماضي.

محاولات تجاوز الأزمة

اتفق الطرفان على ضرورة حث وزارتي الداخلية بالبلدين على تنفيذ كافة الإجراءات اللازمة لتسريع وتيرة  قرار الافتتاح، واستكمال أعمال الصيانة والتطوير المنفذة من جانب الطرف الليبي. 

وأكد الجانب التونسي أنّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد وجّه السلطات التونسية نحو أهمية تسهيل إجراءات المواطنين الليبيين القاصدين البلاد.

 حضر الاجتماع وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل عمار، ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء عادل جمعة.

أكد الجانب التونسي أنّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد وجّه السلطات التونسية نحو أهمية تسهيل إجراءات المواطنين الليبيين القاصدين البلاد.

في هذا السياق يشير الباحث الليبي المستشار إبراهيم الأصيفر إلى أنّ العلاقة  بين ليبيا وتونس تأتي في إطار محددات دول الجوار، حيث إنّ الدولتين (تونس وليبيا) تتمتعان بالحدود المشتركة، وصلات الروابط الثقافية والتاريخية والاجتماعية، فضلاً عن التبادل التجاري فيما بينهما.

ويضيف الأصيفر في تصريحاته لـ (حفريات) أنّ ثمة علاقة شخصية فيما بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية والرئيس قيس سعيّد، الأمر الذي يعني حالة من التوافق بين الرجلين. 

ويلفت الأصيفر إلى أنّ هناك عدداً من الملفات الموضوعة على طاولة اللقاء، خاصة ما يتصل بمحددات الوضع الاقتصادي والتبادل التجاري  للبلدين.

أهم  الملفات، في تقدير المصدر ذاته، التي حظيت باهتمام من الجانبين، كان ملف معبر رأس جدير، وكيفية العمل لتجاوز أزمة إغلاقه. وبالتالي، فكل من ليبيا وتونس تحاولان إيجاد صيغة ترضي الطرف الآخر، والوصول إلى اتفاق لإنهاء هذه المشكلة؛ فإغلاق معبر رأس جدير بالدرجة الرئيسية ليس في صالح الشعب التونسي والحكومة التونسية. صحيح أنّ هناك ضرراً على الجانب الليبي، ولكن يبقى الضرر الأكبر يخص الجانب  التونسي.

وفي  تقدير المصدر، فمسألة فتح المعبر هي مسألة وقت ليس أكثر، وهناك  أنباء عن  حالة فتح دائمة وكاملة للمعبر خلال الأيام  القادمة. ولا شك أنّ إغلاق المعبر، وما شابه ذلك من مشاكل، له تأثيرات خاصة على الوضع الاقتصادي للدولة التونسية، وخاصة المناطق الحدودية ومناطق الجنوب التونسي. هذه المناطق تعيش على التجارة مع ليبيا، بعيداً كون هذه التجارة شرعية أو غير شرعية، "عن طريق عمليات التهريب".

الانفلات وتداعياته

يؤكد الباحث الليبي إبراهيم الأصيفر لـ (حفريات) أنّ عملية الانفلات الأمني، وبالأحرى عملية عدم  ضبط  المعبر أمنياً وعسكرياً من قبل  الحكومة  الليبية، هو أحد أبرز أسباب هذه  الأزمة. 

بيد أنّ  التصريحات والمواقف الأخيرة للسيد عماد الطرابلسي وزير الداخلية، وأنّه يريد أن يضع المعبر والشريط الحدودي تحت سلطة الدولة، وقبضة وزارة الداخلية، أزعج العديد من المستفيدين من هذا المعبر سواء قوات عسكرية أو ميليشيات مسلحة أو حتى التركيبات الاجتماعية.

إنّ السيطرة على المعبر بالشكل الصحيح والأمثل ستؤثر ولا شك على تلك الأطراف، التي تستفيد من المعبر وأحواله غير المنضبطة، ممّا يساهم بشكل أو بآخر في زعزعة الوضع الأمني لمعبر رأس جدير؛ فضلاً عن المستفيدين أيضاً من الجانب التونسي  في مسار عمليات تهريب السلع.

ويشير الأصيفر في ختام تصريحاته لـ (حفريات) إلى أنّ رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، عقب ذلك اللقاء مباشرة، توجه إلى أنقرة والتقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ويلفت الباحث الليبي إلى أنّ حكومة الوحدة الوطنية خلال ذلك اللقاء تسعى في إطار تحركاتها الخارجية نحو الانفكاك من حالة الانسداد السياسي، والاستفادة من حلفائها الاستراتيجيين.

السيطرة على المعبر بالشكل الصحيح والأمثل ستؤثر ولا شك على تلك الأطراف، التي تستفيد من المعبر وأحواله غير المنضبطة

هذا، وقد شهدت ليبيا خلال منتصف شهر آذار (مارس) الماضي اندلاع اشتباكات مسلحة بين ميليشيات مسلحة تابعة لوزارة الدفاع، وأخرى تابعة لوزارة الداخلية، للسيطرة على معبر رأس جدير الحدودي مع تونس؛ ممّا أدى إلى إغلاقه حتى إشعار آخر.

وجاءت هذه الاشتباكات بعد يوم من قرار وزير الداخلية عماد الطرابلسي إرسال قوات تابعة للداخلية من أجل منع تهريب الوقود عبر المعبر الحدودي، والمحافظة على الأمن وتسيير حركة المسافرين بين ليبيا وتونس، وهو ما اعتبرته الغرفة العسكرية بزوارة تجاوزاً لها ومحاولة لطردها.

أزمة متكررة

من جانبه، يشير العميد علي زرمديني إلى أنّ الأزمة الليبية التونسية هي أزمة متجددة تبدو على السطح بين الحين والآخر، ويضيف العميد السابق في الحرس الوطني التونسي قائلاً: إنّ الطرف التونسي سعى دائماً إلى "إذابة الجليد" على مستوى العلاقات القائمة، منذ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

وحتى قبل ذلك لم تكن هنالك أيّ مشاكل تذكر، على اعتبار أنّ الدوائر الحاكمة سواء في ليبيا أو في تونس قبل مسار 25 تموز (يوليو) كان مساراً ائتلافياً يحكمه تنظيم "الإخوان" من الجهتين.

ويتابع الخبير الأمني التونسي تصريحاته لـ (حفريات) قائلاً: إنّه مع صعود الرئيس قيس سعيّد، وسيطرته على كل دواليب السلطة في تونس، تغيرت هذه المفاهيم، على اعتبار الإجراءات التي اتخذها تجاه حركة (النهضة) وقيادتها، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالإخوان في ليبيا، وكما نعلم أنّ حكومة الدبيبة لا تدير نفسها بنفسها، ولا تسيّر نفسها بنفسها، بل هي خاضعة لسطوة الخطوط العريضة التي تسطرها دار الإفتاء بقيادة الصادق الغرياني، بحسب تعبير المصدر. 

ويتابع قائلاً: إنّ الصادق الغرياني هو صاحب التوجهات العامة التي على خطاها وعلى وقعها تمضي حكومة عبد الحميد الدبيبة.

إنّ الدولة التونسية الآن تسعى بكل السبل إلى إذابة جليد الخلافات دون المساس بسيادة البلاد، بيد أنّ رئيس الحكومة الليبية يحاول أن يظهر بشكل متعالٍ رغم كافة صلات وأواصر الارتباط  الاجتماعي التونسي الليبي. واليوم تخلق تعليلات متواصلة على مشكلة معبر رأس جدير، وهي مشكلة واهية. صحيح أنّ هنالك بعض الإجراءات التنظيمية التي يجب أن تكون، لكن لو كانت هنالك إرادة سياسية فعلية من الجانب الليبي، لحسم الأمر في وقت أسرع من ذلك بكثير.

ويلفت بدوره الخبير الأمني التونسي إلى أنّ الطرف الأكثر تضرراً هو المواطن الليبي؛ لأنّ الغرب الليبي منفتح أكثر على تونس، كون الأطراف التي تنفتح على مالطة أو على تركيا هي صاحبة الجاه في السلطة والمال، بحسب تعبير العميد علي زرمديني.  

إنّ معبر رأس جدير نقطة حيوية واستراتيجية على كل المستويات، سواء كان ذلك أمنياً أو تجارياً أو اقتصادياً، وبالتالي من يسيطر على هذا المعبر سوف يسيطر على جانب كبير جداً من هذه المستويات، بما يدرّه ذلك عليها من أموال طائلة، ونحن نعلم جيداً أنّ صراع الميليشيات في ليبيا اليوم يقوم أساساً على السلطة والمال والنفوذ، بحسب تعبير المصدر ذاته. 

إنّ تونس وقياداتها السياسية تتعامل مع هذا الملف الحيوي والحساس بمنطق وحكمة واحترام لحسن الجوار، وكذا الأبعاد الاستراتيجية الواسعة مع ليبيا، وهي بالتالي تسعى لتذليل كل العقبات لمصلحة البلدين والشعبين. ومن ثمّ، مشكلة رأس جدير هي مشكلة مفتعلة، ومن الصعوبة بمكان أن نغفل حالة الفوضى السائدة في غرب ليبيا وخصوصاً في المناطق الحيوية القريبة من تونس، سواء مناطق الخمس أو الزاوية أو الموانئ القريبة من تونس، وهي مرتبطة بوضعية الميليشيات التي تتلاعب بهذه المناطق مع تداخل أطراف خارجية.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية