"مولانا": الدّعاة حين يصبحون مكياجاً لوجه السلطة البشع

الجمعة 13 أكتوبر 2017

منذ المشهد الأول للفيلم المصري "مولانا"، تبدأ بالارتسام معالم حاتم الشناوي، الداعية الأزهري، الميّال للفكاهة والمشبع بالتناقضات، لنكتشف فيه مع سير الأحداث شيخاً مستنيراً، يدعو إلى إحكام العقل في وجه النّقل، ومحارباً للتطرف والإرهاب والجهل، تقوده الصدفة أن يصبح داعية تلفزيونياً معروفاً، لكن يدفعه حب الأضواء إلى مجاملة السلطة بعد أن ذاق حلاوة الشهرة والمال؛ في نقد لاذع لإعلام الدعاة الجدد "الشيخ في الجامع بيرضي ربنا لكن شيخ التلفزيون بيرضي الزبون والمنتج والمعلن وإذا رضي ربنا في السكة يبقى خير وبركة".. فأموال المعلن هي سيدة الموقف.

تظهر في الفيلم رمزية المتطرف ابن السلطة التي تربّى في أحضانها، والنقد اللاذع لظاهرة وعّاظ السلاطين ولإعلام الدعاة الجدد

هذه التوليفة أدخلت الشيخ الشناوي في صراع دائم بين ما يختلج في صدره من قناعات وقلق فكري، وبين ما يجب أن يقال على الشاشة دون أن يصطدم بالثقافة الدينية الشعبية، ويجنبه في الوقت نفسه سخط السلطة والممولين على قاعدة شعرة معاوية، ويزداد قلقه بحدة بعد محنة ابنه الذي دخل في غيبوبة بعد غرقه في مسبح أحد الأندية الفارهة التي يرتادها بحكم وضعه الجديد، لكنّه يظل محافظاً على شخصيته المغلفة بالتعليقات الساخرة من كل شيء حتى من نفسه، وكأنّه بذلك يطفئ الحرقة التي بداخله والضمير الذي يعذبه.
فكثير من آرائه لا يستطيع المجاهرة بها إلا وراء الأبواب المغلقة؛ كتشكيكه بصحة جميع الأحاديث النبوية حتى التي رواها البخاري، وميله للمعتزلة وتسامحه مع الصوفية والشيعة، رغم تبجّحه الدائم أنّ المسلم القوي لا يخشى الأسئلة دون أن يفارقه إحساس دائم بالذنب يواريه بأنه "مركّز في الوعظ وليس في العلم، وفي الدعاية وليس في الهداية". لكنه مع ذلك لا يملك إلا أن يسخر من رجال الدين التقليديين وفتاواهم كإرضاع الكبير، ما جرّ عليه ألسنة الحسد منهم ليطلقوا عليه داعية الشباب، لكن رغم كل احترازاته كان على موعد مع منغّصات لا تكاد تنتهي تساهم في تعقيد حياته.
 

السلطة والدين
تتصاعد أحداث الفيلم، المقتبس عن راوية بالاسم نفسه للكاتب والإعلامي المصري إبراهيم عيسى، عندما يلتقي الشناوي بأحد أبناء الرئيس وزوجته التي تخبره أنّ شقيقها قرر تغيير دينه من الإسلام إلى المسيحية، وهو ما سيضع الأسرة الحاكمة في موقف حرج مع المجتمع، وليطلبوا منه إعادة الشاب الضال إلى جادة الصواب بحكم ما لمسوه في الشيخ من قدرة على الإقناع بعد فشل إمام معروف في هذه المهمة، ليدخل الشناوي في هذه المعركة مكرهاً كما يظهر في الحوارات التي تدور بينه وبين الابن المدلل حسن أو بطرس -كما أراد أن يغير اسمه- لنتعرف على جانب آخر من شخصية مولانا ووجهة نظره في هذا النوع من القضايا الشائكة.

في ثنايا معركة "الهداية" يتطرق الفيلم (2017)، وهو من إخراج وسيناريو مجدي أحمد علي، وبطولة عمرو سعد ودرة وبيومي فؤاد وريهام حجاج، إلى المشاكل التي يتعرض لها الأقباط بين الفينة والأخرى في مصر، ويستنكر طريقة إدارة الأمن لهذا الملف؛ فيقول الشناوي في أحد حواراته "البلد عندنا مقسومة أغنيا وفقرا.. فسدة وشرفا مش مسلمين وأقباط، لكن النظام عايز المسلم يتعامل مع المسيحي على أنه كافر ولازم يسلم والمسيحي شايف المسلم ظالم وعنصري"، وعندما يلقي رجال الأمن القبض على مجموعة من الشباب الذين ينوون التنصّر، من بينهم حسن، يقول الشناوي للضابط المعنيّ: خلوا الشباب يتنصّروا وإلا يتحرقوا.. الداخلية ايه دخلها بالموضوع؟ فيرد عليه: الداخلية ليها دخل بكل شيء.. عاوزين ينشروا التبشير ويدمرولنا البلد!

رسائل الفيلم تتناثر في مثل هذه الحوارات وتتضح أكثر في حوار الشناوي مع حسن وهو يقول له: "أنا مش ضامن إنك إذا رجعت للإسلام حتدخل الجنة أو حتى إذا بقيت في المسيحية حتدخل النار"، رائياً أنّ الخلافات الدينية أغلبها سياسي؛ فالمسيحية –برأيه- لما خرجت من بيت لحم تحولت إلى سياسية، والإسلام تحول إلى سياسية بعد وفاة النبي.
في المقابل عندما يُدعى الشيخ إلى حفل زفاف فتاة غيّرت دينها من المسيحية إلى الإسلام فيقرر أحد الوجهاء إعلان الزفاف نصراً للإسلام، يرد ساخراً من هذه "الانتصارات الوهمية" ويتساءل: ما الشيء المفرح في إسلام فتاة هربت من تعنيف أبيها المدمن على الكحول إلى عالم تجد فيه أماناً!
 

معالجات عبثية
إلّا أنّ متاعب مولانا لا تقف عند هذا الحد، ليكون على موعد مع معركة جديدة مع السلطة حين يقف إلى جانب أستاذه الشيخ الصوفي الذي يتهم بالتشيّع لمحبته آل البيت، فتقرر السلطة أن تغازل السلفيين على حسابه وترضخ لسعار العوام الذين خضعوا للتحريض، لنكتشف أنّ ما يقف وراء كل ذلك اطلاع الشيخ على ملفات تزعج السلطة، التي تقرر أن تنقل المعركة مع الشيخ حاتم إلى عقر داره بالتآمر مع محاوره في البرنامج عندما يطرح عليه سؤالاً مباشراً عن حكم تكفير الشيعة، فيرد حاتم أنّ الخلاف مع الشيعة هو مشكلة سياسية لا علاقة لها بالدِّين ما داموا ملتزمين بأركان الإسلام.. وهذا ما يجرنا إلى موضوع التحريض الديني الطائفي الذي تحفل به الفضائيات من الجانبين.

تبلغ أحداث الفيلم ذروتها بعد وقوع تفجير إرهابي بإحدى الكنائس راح ضحيته العديد من الأقباط، في استدعاء لحادثة تفجير كنيسة القديسين الشهيرة، لنكتشف أنّ من وضع القنبلة في الكنيسة ليس إلا (حسن) الذي تمكّن من خداع الجميع بالمسرحية التي قام بها "حسن لما قالكم أنو تنصّر كان متطرف موتور والمتطرف ممكن يروح الناحية الثانية في أي لحظة.. كلنا مسؤولين". وتحاول السلطة لملمة الموضوع عن طريق دعوة ورجال الدين من الطائفة المسيحية والمسلمة لكن الشيخ الشناوي قرر أن يخرج عن النص ويتكلم بصراحة، رغم التهديد الذي تعرض له بعد تصويره مع إحدى الفتيات في وضع مخلّ:
"إحنا هنا مش عشان نعزي أو نطمئن أو نشارك الأحزان.. احنا هنا عشان البهوات عايزينا هنا؛ مكياج يعني ولكن قبيح، وَلكِن للأسف اعتدنا عليه، عايزينا نقول نفس الكلام ونكرر الكلام التافه.. أحضان وتقبيل اللحى وفي الآخر نرجع زي الأول وممكن أسوأ..".
يقدم الفيلم/ الرواية خلاصة جرئية عبر تسليط الضوء على ظاهرة التطرف التي تساهم السلطات بتعزيزها من خلال التواطؤ لصالح مصالح آنيّة لا تنظر إلى المستقبل، كما ظهر في رمزية المتطرف ابن السلطة التي تربّى في أحضانها، فضلاً عن النقد اللاذع لظاهرة وعّاظ السلاطين ونجومية الدعاة الذين أثروا وهم يساهمون بطريقة أو بأخرى بمفاقمة تجهيل المجتمعات وصرفها عن جوهر المشاكل التي تغرق فيها.

*كاتب موريتاني

 


وسم:

    اترك ردا