التصوير الصحفي: جدل المهنية والضوابط الأخلاقية

صورة خالد بشير
كاتب أردني

26187
عدد القراءات

2018-04-19

اعتمد الإنسان على قدراته اللغوية من أجل نقل المشهد وإيصاله إلى من لم يحضُره، ولم يتجاوز هذه الحدود إلا مع اختراع التصوير الفوتوغرافي بأدواته القادرة على التقاط المشهد كما هو، الأمر الذي أتاح إمكان تداول الحدث، وتناقله، وإيصاله عبر عدسات المصورين، ورغم ذلك رافقت هذه التقنية الإعلامية تحديات تجاوزت الموضوعية، لتتداخل فيها المشاعر الإنسانية والضوابط المهنية كما تشهد بذلك حالات كثيرة ماتزال موضع جدل لم يُحسم.
إشكاليات أخلاقية جديدة
مع ولادة هذه التقنية الجديدة، ظهرت إشكاليات أخلاقية جديدة، بدايةً من محاولات تزوير الصور وتلفيقها، وما استتبعته من تشكيك، وصولاً إلى الخداع عن طريق تصوير جزء من الحدث وإخفاء الأجزاء الأخرى، وهناك تحدٍ آخر واجهه المصوّر نفسه، وخصوصاً في حالات الحروب والكوارث، حين يكون هدف الصورة وموضوعها هو تلك الضحية، التي قد تكون في لحظاتها الأخيرة بانتظار الموت، وكل ما تحتاجه هو إغاثة تُنجيها مما تعانيه، أما المصوّر فيكون همّه وتركيزه منصبّاً على التقاط صورة من أجل تأدية مهمته بحيادية، وأحياناً من أجل نيل الإعجاب والإشادة، أو في حالات أخرى لأجل التقدم بها لنيل الجوائز العالمية، كـ "بوليتزر"، و"وورلد بريس فوتو".

رغم نيله جائزة بوليتزر عن صورة الطفل والنسر انتحر كيفين عقب أشهر من المعاناة والحيرة والتساؤلات

كيفين كارتر.. الانتحار بسبب صورة
"فتاة صغيرة منهكة من الجوع تنهار على الطريق المؤدي إلى مركز الإمدادات الغذائية في أيود وبالقرب نسر ينتظر"، بهذه الكلمات الصادمة اختارت صحيفة "نيويورك تايمز" في عددها الصادر في 26 آذار (مارس) 1993 أن تشرح الصورة التي التقطها المصوّر الصحفي الجنوب إفريقي الشهير كيفين كارتر، خلال المجاعة التي ضربت جنوب السودان العام 1993، للطفل (كما تبين لاحقاً) الذي خارَت قواه وهو يحبو من شدّة الجوع، وتوقف عاجزاً عن الوصول إلى مركز المساعدات، بينما وقف نسر يرقبه منتظراً موته للانقضاض على جسده المنهك، هزت هذه الصورة الضمير الإنساني، محدثةً في الوقت نفسه جدلاً عارماً ربما تجاوز حجم المأساة ذاتها.

صورة كيفين كارتر الشهيرة

ذهب البعض إلى التساؤل عن القيمة والأولوية؛ ألم يكن من الأجدى أن يقوم كيفين بإنقاذ الطفل بدلاً من تصويره؟! أما الرأي الآخر فيقول: ولكن، بسبب هذه الصورة عَرَفَ الجميع بالمجاعة، وتحرّكَ من أجل إنقاذ السودانيين، وهو ما لم يكن بالإمكان حدوثه دون مثل هذه الصورة.
وتحضر هنا مقولة المصوّر الصحفي البريطاني دون ماكولين، عبر تصريحات صحافية: "عندما تقف أمام منظر مؤثر وترى إنساناً في موقف صعب يفقد كرامته فيه، حيث الظلم أو العنف، تسعة من عشرة أشخاص يديرون أنظارهم بعيداً لشعورهم بالحرج، أو لعدم إحراج الشخص المتعرض لهذا النوع من الإيذاء، شخص واحد يبقي على نظره ناحية الضحية ويشهد على هذا الظلم ليترك بصمة ثابتة لا تُمحى تُرسل إلى الباقين ليساعدوا هؤلاء الضحايا ويخبروا العالم بما يحدث، هذا الشخص هو المصور الصحفي".

استنكرت الانتقادات إقدام آدامز على تغطية عملية قتل بكل برودة أعصاب إبان حرب فيتنام

بعد انتشار الصورة وما تبعها من ردّات فعل، دافع كيفين عن أسباب عدم إنقاذ الطفل، وقال: "لقد تم تحذيرنا نحن الصحفيين من عدم الاقتراب من الضحايا؛ خشية انتقال أي أمراض منهم". بعد أشهر، نال كيفين جائزة "بوليتزر" للتصوير للعام 1994، عن هذه الصورة، تقديراً لما أدته من دور ورسالة، وبعد نيله الجائزة قرر كيفين الانتحار، بعد أشهر من المعاناة، والحيرة، والتساؤلات؛ حيث ترك رسالة تُشير إلى تحسّره لعدم إنقاذ الطفل، والعديد من الأرواح التي زهقت على مرأى من عينيه وعدسة كاميرته، وجاء في رسالته بعد تلقيه خبر وفاة صديقه الصحفي كين أستربروك خلال أداء واجبه: "أنا مكتئب، بلا مال لإعانة الطفولة، بلا مال للديون، أَنا مُطَارَد بالذكريات الواضحة لحالات القتل والجثث، والغضب، والألم، وأطفال جائعين، أَو مجروحين، مُطارَد من المجانين التوّاقين لإطلاق النار، من الجلادين القتلة.. ذَهبتُ للانضمام إلى كين إذا حالفني الحظ".

كيفين كارتر، انتحر عام 1994 وعمره يُناهز الـ 33

احتراق إنسان في صورة
أمثلة كثيرة قريبة من قصة صورة كارتر وما أثارته من إشكاليات؛ فمنذ أيام قليلة، وتحديداً في 14 نيسان (أبريل) 2018، فاز المصوّر "رونالد شيميت"، مصوّر وكالة الأنباء الفرنسية، بجائزة "وورلد بريس فوتو"، التي تمنحها منظمة (WorldPress Photo) الهولندية، أما الصورة الفائزة فكانت لمتظاهر يرتدي قناعاً، والنار تلتهمه خلال احتجاجات ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كاراكاس العام الماضي 2017، حيث اعتبرت لجنة التحكيم الصورة رمزاً لاشتعال فنزويلا، وتعبيراً عن أزمة البلاد السياسية.
وهكذا، مرة أخرى يلاحظ أنّ إبداع وجائزة المصوّر تنبني على مصيبة نزلت بإنسان، يُفترض أن المصوّر يريد إيصال قضيته وصوته.

الصورة التي فازت بجائزة "وورلد برس فوتو" العام 2018

شهادة على جرائم "إسرائيل"
صورة أخرى شهيرة لضحية، اشتهر مصوّرها، هي الصورة التي سَجَلت لحظة استشهاد الطفل محمد الدرّة، ابن الثانية عشرة، بين ذراعي والده، التي التقطتها عدسة المصوّر الفرنسي شارل إندرلان للقناة الفرنسية الثانية في الثلاثين من أيلول (سبتمبر) العام 2000، حيث نال إندرلان شهرة واسعة بعد بث تقرير القناة الفرنسية الثانية حول استشهاد محمد الدرّة على يد جنود من جيش الاحتلال، المشهد الذي اعتبر من بين أبرز مشاهد بداية انتفاضة الأقصى وأكثرها تأثيراً.

لحظة استشهاد محمد الدرّة بعدسة المصور الفرنسي شارل إندرلان

كان للصورة تأثير وصدى كبيران؛ حيث ساهمت في إيصال معاناة الفلسطينيين، وإجرام الاحتلال، على أوسع نطاق، ولم تأتِ الانتقادات للمصوّر إلا من قبل المتحاملين من المنحازين لـ"إسرائيل"، ولمدة عشرة أعوام، تعرض إندرلان لضغط مستمر، هو وأسرته، والقناة التلفزيونية التي يعمل معها.
كما قام فيليب كارسنتي، مدير شركة "ميديا رايتينغز"، باتهام الصحفي أندرلان بأنه تلاعب بالصور التي وردت بالتحقيق وخدع المشاهدين، غير أن محكمة البداية في باريس اتهمت في 19تشرين الأول (أكتوبر) 2006، فيليب كارسنتي بالتشهير؛ لأنه اتهم إندرلان ظلماً بفبركة التحقيق، وحكم عليه بدفع غرامة قيمتها ألف يورو.

شارل إندرلان.. ملتقط صورة الشهيد محمد الدرّة

جثة و14 مصوراً
صورة أخرى شهيرة انتُقد بسببها المصوّرون الصحفيون، كانت من "بورت أو برانس" عاصمة هايتي، ففي كانون الثاني (يناير) 2010، اختار المصور السويدي بول هنسن توجيه كاميرته لالتقاط صورة مختلفة عن التي توجهت إليها عدسات المصورين من حوله، فكان أن اختار تصوير المصورين أنفسهم، بينما هم يلتقطون صورة لفتاة أصيبت برصاصة للتو، وذلك بعد أسبوع من كارثة الزلزال المدمّر؛ حيث كانت الفتاة، البالغة من العمر 15عاماً، تحاول الحصول على مساعدات، قبل أن تصاب برصاص طائش أطلقته الشرطة أثناء محاولة إبعاد سارقي المساعدات، وهكذا أظهرت هذه الصورة المصوّر الصحفي في صورة غير الآبه بقيمة الحياة البشرية، الذي ينتظر وقوع الضحية، كي يحصل على فرصة لالتقاط صورة مميزة.

المصورون يجتمعون لالتقاط صورة الفتاة بعد مقتلها في هايتي

إعدام سايغون
ومن الصور الشهيرة التي نال فيها المصوّر حظاً من الانتقاد، هي إحدى الصور الأيقونية من حرب فيتنام، للمصوّر الصحفي الأمريكي إدي آدامز، والتي عُرفت باسم "إعدام سايغون" والتقطت في 1 شباط (فبراير) 1968، وتظهر اللحظة التي تخترق فيها رصاصة، أطلقها الجنرال الفيتنامي "نوين ناك لون"، من قوات فيتنام الجنوبية (الحليفة للولايات المتحدة)، على سجين حركة "فييت كونغ" (الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام).

"إعدام سايغون".. من أشهر صور حرب الفيتنام

اعتبرت الصورة من أكثر الصور تأثيراً خلال الحرب، فقد أعيد طبع الصورة ونشرها في جميع أنحاء العالم، واستُخدمت للتعبير عن الأعمال الوحشية التي انتشرت إبان الحرب، وبالتحديد في الأيام التي عرفت بـ"حملة تيت"، التي شنَّها الثوار الفيتناميون في كانون الثاني (يناير) من العام 1968، كما حفَّزت الصورة المشاعر المتزايدة داخل الولايات المتحدة حول عبثية وعدم جدوى الحرب، وقد نال آدامز جائزة "بوليتزر" للعام 1969 عن هذه الصورة.
أما الانتقادات التي طالت آدامز فاستنكرت إقدامه على تغطية عملية قتل بكل برودة أعصاب، ودون إبداء أي اعتراض، أو ندم لاحق من قبله.

اشتهر آدامز من خلال التقاطه صورة "إعدام سايغون" العام 1968

رسالة أخلاقية ومهنية
وفي سياق متصل يقول المصور الصحفي في صحيفة "الغد" الأردنية ساهر قدارة إنّ: "التصوير الصحفي بالدرجة الأولى رسالة أخلاقية ومهنية، لكن المشكلة تكمن في كثرة الدخلاء على المهنة، وغياب الأخلاقيات في العمل الصحفي، وبروز السطحية وحب الوصول للّقطة بأي شكل".
وعن الجانب الإنساني لهذه المهنة ينوه قدارة في حديثه لـ"حفريات" إلى أنّ "الاحترافية بالعمل الصحفي تحتّم التدخل لإنقاذ مُصاب أو محتاج بالدرجة الأولى، والتخلّي عن اللقطة حتى لو كان فيها سبق صحفي، خاصّة إذا لم يكن هناك أحد آخر غير المصوّر في المكان، أو لم يكن هناك رجال إسعاف أو غيرهم من الناس العاديين، أما إن وجد آخرون في مكان الحدث فيمكن أن يُعذر المصور الصحافي نوعاً ما لالتقاط الصورة، لكن بشكل لا يُعيق عمل المنقذين أو المواطنين المتدخلين".

اقرأ المزيد...

الوسوم: