إسرائيل في إفريقيا: ابتزاز مالي وسياسي في ظلّ غياب عربي


14865
عدد القراءات

2018-04-10

تعيش في إفريقيا جاليات يهودية، يعود أغلبها إلى شمال إفريقيا؛ حيث تنتشر جماعات من اليهود السفارديم، الذين قدموا بالأساس من إسبانيا والبرتغال، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وفي إثيوبيا حيث توجد أقلية يهودية معروفة باسم "الفلاشا مورا"، وتعني بالعبرية "الهائم على وجهه"، أضف إلى ذلك جماعات من اليهود الأشكناز التي قدمت إلى إفريقيا من شمال وشرق أوروبا، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، مع الاستعمار الأوروبي.
وجدت إسرائيل في الجاليات اليهودية في إفريقيا مدخلاً مهماً لبناء علاقات مع الدول الإفريقية، وإن اتّسمت هذه العلاقة بالصعود والنزول، فإنّ مبدأ توجيه العلاقة الإسرائيلية الإفريقية، ظلّ ثابتاً من خلال الارتكاز على الوجود اليهودي في إفريقيا؛ حيث يمثّل نحو عشرين في المئة من إجمالي اليهود، الذين هاجروا إلى إسرائيل بين 1948 و1995 من أصول إفريقية.
إفريقيا وطن محتمل لليهود
يعود اهتمام الاحتلال الصهيوني بإفريقيا إلى ما قبل نشوء إسرائيل؛ حيث طرح في المؤتمر الصهيوني الأول، عام 1897، في بازل سويسرا، فكرة توطين اليهود في مكان ما في إفريقيا، بغية إنشاء وطن قومي يجمع شتات اليهود من جميع أنحاء العالم. وبعد خمسة أعوام من ذلك، قدم وزير المستعمرات البريطاني، جوزيف شمبرلن، مشروعاً يرمي إلى تهويد أوغندا، وقد أيّد ذلك ثيودور هيرتزل، زعيم الصهيونية آنذاك، وكان ذلك في المؤتمر الصهيوني الرابع الذي أُقيم في لندن عام 1903.

يعود اهتمام الاحتلال الصهيوني بإفريقيا إلى ما قبل نشوء إسرائيل؛ بغية إنشاء وطن قومي يجمع شتات اليهود

ورغم أنّه تمّ رفض هذا المخطط الذي عرف بـ "مخطط أوغندا"، في المؤتمر الصهيوني السابع، عام 1905، إلّا أنّ بعض العائلات اليهودية هاجرت إلى كينيا، وإلى شرق إفريقيا في فترة وجود الاحتلال البريطاني.
إسرائيل وكسب أصوات الدول الإفريقية
فور حصول الدول الإفريقية على الاستقلال، بادرت إسرائيل إلى نسج علاقات مع الدول الإفريقية، في إطار تحقيق شرعيتها من خلال تأمين الاعتراف بها من قبل الكتلة الإفريقية، وتأمين أصواتها في الأمم المتحدة، وفي المحافل الدولية لصالحها، مستفيدة من المقدرة التصويتية لإفريقيا في الأمم المتحدة؛ حيث كان الصراع العربي الإسرائيلي من أبرز القضايا التي تطرح للتصويت.
وبحسب ما ذكره الدكتور حمدي عبد الرحمن، في كتابه "التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا"، فقد مثّل عقد الستينيات العصر الذهبي لإسرائيل في علاقتها الخارجية؛ فبحلول عام 1966 كانت إسرائيل تحظى بتمثيل دبلوماسي في الدول الإفريقية كافة، جنوب الصحراء، باستثناء الصومال وموريتانيا.

زمن القطيعة
في أعقاب حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973؛ أصبحت القارة ساحة معركة دبلوماسية بين الدول العربية وإسرائيل، وكانت الكفّة لصالح الدول العربية، بعد أن أُعْطيت وعود للدول الإفريقية بنفط رخيص مقابل قطع علاقتها مع إسرائيل، إضافة إلى امتلاك بعض الدول العربية عضوية مزدوجة في كلٍّ من جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية، ما أعطاها فرصة لإقامة تحالفات أوثق مع الدول الإفريقية مقارنة بحالة إسرائيل.

يذهب نصف ميزانية برنامج المساعدات الإسرائيلية الدولي إلى دول إفريقية، بما مقداره 100 مليون دولار

هكذا، وضعت حرب أكتوبر حدّاً للفترة الذهبية الإسرائيلية-الإفريقية؛ حيث قطعت الدول الإفريقية علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، امتثالاً لقرار منظمة الوحدة الإفريقية، في اجتماعها الذي عُقد في تشرين الثاني (نوفمبر) 1973، القاضي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الدولة العبرية، ومطالبتها بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، ومنح الشعب الفلسطيني حقّ تقرير المصير.
وبحسب كتاب عبد الرحمن؛ فإنّ إسرائيل كانت قبل حرب أكتوبر تقيم علاقات دبلوماسية مع 25 دولة إفريقية، بيْد أنّه في الأول من كانون الثاني (يناير) 1974، تقلّص هذا العدد ليصل إلى خمس دول فقط هي: جنوب إفريقيا، وليسوتو، ومالاوي، وسوازيلاند، وموريشيوس.

العودة الثانية لإسرائيل
مثّلت اتفاقية كامب ديفيد انهيار الأساس الذي بمقتضاه اتخذت الدول الإفريقية قرار المقاطعة، بعد تبادل السفراء بين كلٍّ من القاهرة وتل أبيب.
وبالنسبة إلى إسرائيل؛ فإنّ الدول الإفريقية ظلت مثار اهتمامها منذ البداية، لما لها من أهمية في الأمم المتحدة، من حيث قدرتها العددية، وكان هذا الإدراك الإسرائيلي يأتي دوماً في سياق الوعي بحقيقة الصراع العربي الإسرائيلي، وإمكانية الاستفادة من الدور الإفريقي في هذا المجال.

القمة الإسرائيلية الإفريقية

وفي سياق تحليله للسلوك التصويتي للمجموعة الإفريقية، يورد حمدي عبد الرحمن في كتابه، أنّ الدول الإفريقية التي ساندت الموقف الإسرائيلي، سواء بشكل حاسم أو غير حاسم، تصل إلى عشرين دولة.
بيْد أنّ هذا التوجه تغير تماماً، عند مناقشة قرار الأمم المتحدة الذي يعدّ الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية؛ حيث صوّتت عشرون دولة إفريقية لصالح القرار، من غير الأعضاء في جامعة الدول العربية (باستثناء الصومال وموريتانيا)، وعارضت خمس دول القرار فقط، وامتنعت 12 دولة عن التصويت، ويتضح من هذين المثالين الدور الإفريقي في الأمم المتحدة، وهو ما ظهر مرة أخرى عند إلغاء هذا القرار عام 1991.
إسرائيل تكتسح أكثر فأكثر
من اللّافت للنظر؛ أنّه حتى في ظلّ أعوام القطيعة الدبلوماسية بينهما، لم توقف إسرائيل مساعداتها العسكرية في مجال تدريب قوات الشرطة وقوات الحرس الرئاسي، لعدد من الدول الإفريقية مثل زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً) والكاميرون، كما تنشط هذه المساعدات في إثيوبيا وكينيا وأوغندا.

الوجود الإسرائيلي المتصاعد في إفريقيا، هو جزء من نظرية الأمن الإسرائيلية الباحثة عن التوسع والتحكم في المنطقة

وتركّز إستراتيجية إسرائيل نحو إفريقيا في ميادين الاستخبارات والتدريبات العسكرية، وقطاعات الزراعة والصناعة والتعدين.
اليوم، تمتلك إسرائيل علاقات دبلوماسية رسمية، مع 37 من دول جنوب الصحراء، ويذهب نصف ميزانية برنامج المساعدات الإسرائيلية الدولي، المعروف بـ (Mashav)، إلى دول إفريقية، أي ما مقداره 100 مليون دولار.
وحسب الموقع الإلكتروني للبرنامج؛ تتصدر الدول المستفيدة من مساعدات الصندوق كلّ من: إثيوبيا، غانا، كينيا، رواندا، السنغال، جنوب السودان، وأوغندا.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتوسّط رؤساء عدد من دول شرق إفريقيا

كما تحتفظ إسرائيل بعلاقات تجارية نشطة مع عدد من الدول الإفريقية، على سبيل المثال؛ بلغ التبادل التجاري بين كينيا وإسرائيل، عام 2012، نحو 129 مليون دولار، وتلبي إسرائيل من السوق الكيني احتياجات اقتصادها في مجالات العمالة والمواد الخام، وتصدر إليها التكنولوجيا والأسلحة.
وفي المجال الأمني؛ لدى إسرائيل الباع الأطول على البحر الأحمر والمحيط الهندي؛ حيث تمتلك تنسيقاً أمنياً وعسكرياً واستخباراتياً قوياً مع عدد من الدول الإفريقية، خاصة القريبة من البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وكانت إسرائيل قد شاركت في عملية إنقاذ الرهائن، في ويست جيت في نيروبي، عام 2013، ما يعكس الحضور العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي في المنطقة، ولا شكّ في أنّ وجود الحركات الجهادية وفّر بيئة خصبة لتنسيق من هذا النوع.

رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الرواندي

في الحاجة إلى إستراتيجية عربية جديدة
مؤخراً، حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، هدّد بقطع المساعدات المالية للدول التي تصوّت لصالح قرار الأمم المتحدة، الرامي إلى رفض قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وكانت خمس دول إفريقية مذكورة في قائمة الدول العشر الأولى التي تتلقى المساعدات الأمريكية.
ورغم نجاح القرار بأغلبية 128 صوتاً مقابل 9 أصوات، إلا أنّ كلاً من: بنين، والكاميرون، وغينيا الاستوائية، وليسوتو، ومالاوي، ورواندا، وجنوب السودان، وأوغندا، امتنعت عن التصويت، ما عُدَّ نصراً دبلوماسياً لإسرائيل.
وفي سياق غير بعيد، قرّر حزب "المؤتمر الوطني الإفريقي" الحاكم في جنوب إفريقيا، بالإجماع، توجيه حكومة جنوب إفريقيا إلى خفض مستوى التمثيل الإسرائيلي في البلاد، تضامناً مع الشعب الفلسطيني المضطهد في أرضه، ردّاً على قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

نشطاء المقاطعة يطالبون بسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل أمام المحكمة العليا في جوهانسبرغ بجنوب إفريقيا

الحادثتان توضحان إمكانية الاستفادة من الإرث النضالي الإفريقي ضدّ الاستعمار، وتحشيد الدول الإفريقية، لمقاطعة الاحتلال الإسرائيلي، وأيضاً ثمة حاجة إلى توجيه الاستثمارات العربية إلى الدول التي تبتزّها إسرائيل ماليّاً، ومعها أمريكا، في أوقات التصويت على القرارات الأممية، بغية كسب أصوات هذه الدول.
إذاً، الوجود الإسرائيلي المتصاعد في إفريقيا، هو جزء من نظرية الأمن الإسرائيلية الباحثة عن التوسع والتحكم في المنطقة، وكسب أكبر عدد ممكن من دول العالم في صفّها، المتزامن مع حاجة الدول الإفريقية إلى الاستثمارات والخبرات الخارجية في قطاعات التنمية، فأيّ شرط لخلخلة هذه المعادلة، يتطلب اتباع الدول العربية الغنية مساراً مختلفاً عن مشروعات "الصدقات" المهينة لإفريقيا، وتبنّي سياسات إستراتيجية تخدم القضايا العربية والإفريقية على حدٍّ سواء.

اقرأ المزيد...

الوسوم: