ما قصة اعتكاف "العدل والإحسان" المغربية في رمضان؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري

6746
عدد القراءات

2018-06-12

حمل قرار السلطات المغربية القاضي بمنع الاعتكاف، في عدد من المساجد، خلال الليالي الأخيرة من رمضان، فصلاً جديداً، من المواجهة والصراع، مع جماعة العدل والإحسان، أحد أكبر الجماعات الإسلامية بالمغرب، وهو ما اعتبرته الجماعة "انتهاكاً"، لحقهم في العبادة، بينما أفادت الشرطة، أنّ الأخيرة، لم تلتزم بالشروط الواجبة، والمنصوص عليها في القانون، والحصول على إذن وترخيص مسبق، من مندوبيات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قبل الشروع في الاعتكاف.

وشمل منع الاعتكاف 12 مسجداً، في 6 مدن، شرق المملكة، فقط، من بينها، وجدة وبركان وزايو؛ حيث أعلنت الوزارة الوصية بأنّ الاعتكاف، يتطلب تقديم طلب خطي مسبقاً، من طرف مجموعة من المصلين، وتقديم بطاقات تعريفهم الوطنية، وتحديد المساجد التي يرغبون بالاعتكاف فيها.

توظيف المساجد في المعارضة ضد السلطة

وشنت الجماعة ذات المرجعية الإسلامية، هجوماً وتشنيعاً على السلطات والحكومة في المغرب، باعتبارها تمس القيم الروحية للمسلمين، وتعطل سنة نبوية، اعتاد عليها الرسول، وقالت جماعة العدل والإحسان، في بيان لها، إنّ قوات الأمن تدخلت في 5 حزيران (يونيو) الجاري، مع حلول أول ليالي العشر الأواخر من رمضان، لمنع الاعتكاف، أمام ذهول المواطنين، فتدخلت السلطات الأمنية بمدن الجهة الشرقية، وجدة وبركان وتاوريرت وزايو و أحفير و مداغ، لمنع الاعتكاف وأخرج فيها المعتكفون بالقوة، وهو ما يعد خطوة خطيرة، تمس الأمن الروحي للمغاربة، الذي يتمثل  في الإصرار على منع الاعتكاف وإغلاق المساجد.

الاعتكاف لدى الجماعة معناه بلغة السياسة الحشد والإنزال وهذا غير مقبول في مجال العبادات

وإلى ذلك، ردت وزارة الأوقاف المغربية، على ما يجري الترويج له من خلال منصات التواصل الاجتماعي، ونفت أن يكون ثمة تعمد حول المنع القسري، لإقامة هذه الشعيرة التعبدية، خلال العشر الأواخر من رمضان، وأوضحت أن الاعتكاف يتطلب تدابير تنظيمية، منها تقديم طلب خطي مسبقاً، من طرف مجموعة من المصلين، وتقديم بطاقات تعريفهم الوطنية، وتحديد المساجد، التي يرغبون بالاعتكاف فيها.

بيْد أنّ قرار المنع، في واقع الحال، يعتبر حادثاً متكرراً، في كل عام، يدور حوله الجدل والمواجهة مع الجماعة "المحظورة"، التي تحاول عبر أنصارها، إثارة وتهييج المشاعر الدينية، واستغلالها السياسي، للتذكير بالحظر المفروض عليها سياسياً، ورغبة الحكومة في وضع قيود على المجال الديني، بحيث لا تتحول المساجد إلى منابر معارضة تعمل ضد السلطة، وانفلات فضاء المسجد من دوره التعبدي، وتوظيفه لمآرب سياسية، تخرج به عن الحياد.

الأصول الفكرية والأيدولوجية لجماعة العدل والإحسان

تنتمي جماعة العدل والإحسان، بموروثها الفكري، إلى الشيخ عبد السلام ياسين، المرجعية الفكرية الأبرز بالجماعة، والذي ساهم عبر كتابي: "الإسلام بين الدعوة والدولة"، عام1972، و"الإسلام غداً"، في العام الذي يليه، بتدشين الإطار الأيديولوجي والعقائدي للجماعة، كما اعتبر ما جاء فيهما، بمثابة مشروع المنهاج النبوي، الذي ستقوم عليه وتبنى الدولة الإسلامية في المغرب، وتناول قضايا عديدة؛ مثل، موقف جماعته من العلمانية، والنزعة القومية، وموقع المرأة المسلمة في عملية التغيير والبناء.

الشيخ عبد السلام ياسين، المرجعية الفكرية الأبرز بالجماعة

ويعد كتابه "الإسلام أو الطوفان"، الذي أرسله ياسين إلى الملك الحسن الثاني، في العام، 1974، أول صدام خاضه مع النظام في المغرب؛ حيث سجن على إثره، وامتد الصراع على خلفية هذا الكتاب، لعقود طويلة، واستمر حتى الملك محمد السادس، والذي تعرض من مرشد الجماعة، إلى نقد شديد في عدد من الأمور، كإقامة البيعة.

ومن بين ما جاء في الكتاب، الذي حمل تهديداً مبطناً، ودعوة إلى التوبة، في مجمل الرسالة: "دعاه (يقصد الملك) إلى التوبة إلى الله و التصالح مع شرعه، والكف عن الظلم و البطش". وأردف في رسالته إلى الملك: "تب إلى الله إذ جعلت نفسك له نداً، و نسبت لنفسك عرشاً.

شنت الجماعة هجوماً على السلطات والحكومة في المغرب باعتبارها تمس القيم الروحية للمسلمين

ويرى المفكر المغربي، الدكتور سعيد ناشيد، أنّ الهدف الأساسي للإسلاميين، هو السيطرة على المساجد، باعتبارها توفر لهم فضاءات للتعبئة والتجييش، بنحو مجاني وفعال أيضاً.

ويؤكد لـ"حفريات" أنّ "جماعة العدل والإحسان، والتي تعد أكبر جماعة سياسية منظمة، في المغرب، تخوض معركة اليسطرة على المساجد عبر مدخل الاعتكاف، لا سيما في العشرية الأخيرة من شهر رمضان. وهي بذلك تحاول استغلال الأجواء الروحانية، لممارسة التعبئة الأيديولوجية، التي تؤول بها  إلى السيطرة على المساجد.

ويؤكد ناشيد، أن جماعة العدل والإحسان، حاولت إقناع السلطات، بأن اعتكافهم سيكون مؤقتاً وفي حدوده الدنيا، ولن يتخطى الطقوس التعبدية. غير أن السلطات تدرك بأن منحهم هذا الحق، سيجعل سحبه فيما بعد، عملية بالغة الخطورة، مهما بلغت التجاوزات، لا سيما، وأن الأمر يتعلق بجماعة ذات قدرات تجييشية كبيرة، ويكتنف مواقفها السياسية، الكثير من اللبس والتكتم والغموض. والاعتكاف لدى جماعة العدل والإحسان، معناه بلغة السياسة الحشد والإنزال. وهذا غير مقبول في مجال العبادات.

اقرأ المزيد...

الوسوم: