هكذا جعلت حركات الإسلام السياسي المساجد معقلاً للعمل الدعوي

صورة سامح فايز
صحفي مصري

2478
عدد القراءات

2018-04-24

مئات الجثامين امتلأت بها ساحة مسجد "الإيمان"، على مقربة من اعتصام جماعة الإخوان المسلمين بميدان "رابعة العدوية" آب (أغسطس) 2013، المشهد الذي لم تغفله وسائل الإعلام المعارضة والمؤيدة للاعتصام، فالمسجد، هو المكان الموقوف لأداء صلاة الجماعة، بحسب تعريفه اللغوي، أكثر الأماكن المقدسة لدى المسلمين، صار من المعتاد أنّ نراه عقب ثورة حزيران (يونيو) 2013،  وقد التهمت النار بعض أجزائه، وقد احتمى به أعضاء الجماعات الدينية المتطرفة وهم يتبادلون النار مع قوات الشرطة المصرية، كما حدث في مسجد "الفتح" بميدان "رمسيس"، 16 آب (أغسطس) 2013!

مسجد رابعة العدوية بعد فض اعتصام الإخوان حزيران 2013

الحالة الدينية في مصر

تقرير الحالة الدينية المعاصرة في مصر، الذي أعدته مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، رصد ذلك الدور الذي شهدته مساجد مصر عقب ثورات الربيع العربي كانون الثاني (يناير) 2011؛ إذ "دخلت مساجد مصر ميدان الصراع السياسي، منذ المراحل الأولى للثورة، وكان ذلك نتيجة طبيعية لصعود حركات الإسلام السياسي، وقيام الأحزاب الدينية، فكان المسجد المجال الطبيعي لنشاط تلك الحركات؛ التي قدمت خطاباً سياسياً مشبعاً بالدين، لتوجيه الجماهير نحو خيارات محددة، بوصفها انحيازاً للدين".

 مساجد القاهرة التراثية في شارع المعز لدين الله الفاطمي

التوظيف السياسي للمسجد استغلالاً لسلطته الدينية في نفوس الناس، لم يكن وليد اللحظة، إنما كان منهجاً اتبعته جماعات الإسلام السياسي المعاصر منذ البداية، فبحسب التقرير، ذكر وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للشّؤون الإسلامية سابقاً، زكريا البري، أنّ ما شهدته فترة السبعينيات، ذروة عمل تنظيمات الإسلام السياسي، من ازدياد في عدد المساجد الأهلية فاق كثيراً إمكانات الوزارة وقتها. فوفق الإحصاءات، فإنّ "عدد المساجد الحكومية في عام 1962 بلغ 3000 مسجد، وبلغ عدد المساجد الأهلية 14000 مسجد، أما بعد انتهاء عهد السادات فقد ارتفع عدد المساجد الحكومية إلى 6000 مسجد، بينما ارتفع عدد المساجد الأهلية إلى 40000 مسجد، وأدى ذلك إلى انكماش سيطرة الوزارة على المنابر الدينية، وازدياد نفوذ الجماعات الدينية على المساجد".

دخلت مساجد مصر ميدان الصراع السياسي منذ المراحل الأولى لثورة يناير، نتيجة صعود حركات الإسلام السياسي

المواجهة مع الدولة

في تلك الفترة انحصرت المواجهة بين الدولة المصرية، و"الجماعة الإسلامية" كنموذج، داخل المساجد، نتيجة توظيفة "الجماعة الإسلامية" لدور العبادة باعتبارها معقل العمل الدعوي، وذكرت أدبيات الجماعة الإسلامية أنّ الفترة من العام 1986، وصولاً إلى عام 1990، اقتحمت قوات الأمن المصرية 40 مسجداً للجماعة، وكانت المواجهة دائماً ما تبدأ من المسجد، سواء مساجد "الرحمن" في أسوان، وأسيوط، والمنيا، أو مسجد "آدم" و"العزيز بالله" في عين شمس والمطرية، أو مسجد "النور" في العباسية. ولم تتورع جماعات الإسلام السياسي عن تصدير المشهد على اعتبار أنّه انتهاك لحرمات الله تقوم به الدولة، في محاولة لكسب تعاطف الآخر، غير أنّ ذلك الانتهاك المزعوم تجاهلته وسائل إعلام التنظيمات الدينية المتطرفة عندما اقتحمت "حماس" مسجد "ابن تيمية" في رفح عام 2009، لتقتل العشرات من أنصار دعوة السلفية الجهادية، المخالفين لها، وفي تلك اللحظة خرج الدكتور يوسف القرضاوي بفتوى تجيز ما فعلته حماس:"أعتقد أن حماس معها الحق، فقبل أن تقوم بهذه الخطوة بعثت جماعة من الحكماء في محاولة لأن تثنيهم عن هذا الأمر". تلك المواجهة بين جماعة الإخوان وجماعات سلفية لفرض النفوذ، أيضاً، ليست وليدة اللحظة، فقد بدأت منذ عقود، وكان دائماً ما يبدأ الصراع من محاولات السيطرة على المساجد، وقدرة كل جماعة على بسط نفوذها على العدد الأكبر من دور العبادة!

مسجد آدم الذي سيطرت عليه الجماعة الإسلامية فترة إرهاب التسعينيات في مصر

السعي الحثيث من أجل بسط السيطرة على المساجد يعود، كما ذكر تقرير الحالة الدينية المعاصرة، إلى أنّ المسجد يعد مجالاً كبير الأهمية في بناء النفوذ؛ حيث يبدأ العمل بمجموعة صغيرة تقوم بإلقاء دروس دينية على عدد واسع نسبياً، ثم تتوسع المجموعة بعد ذلك ليبدأ العمل خارج المسجد وداخل القرية أو الحي وفق سياسة واحدة تعتمد على ثلاثة محاور أساسية، الأول: التربية والعمل الدعائي من خلال المسجد في مرحلة التأسيس، أو عبر الدعاية الواسعة بالبيانات، والمجلات، والمنشورات التي توزع على المواطنين في القرية والحي. أما المحور الثاني: فيعتمد على تأسيس برامج للمساعدة الإجتماعية من خلال تقديم الجماعة مساعدات مالية، وعينيّة للمواطنين الفقراء. ويأتي المحور الثالث بعد إنجاز المرحلتين الأولى والثانية، ويتمثل في المنع القسري لبعض سلوكيات المواطنين؛ بغرض فرض تصورات الجماعة الإسلامية الاعتقادية على القرية أو الحي، وهو ما يعرف بتغيير المنكر.

مساجد بعيدة عن مراقبة الدولة

وتبيّن إحصاءات وزارة الأوقاف المصرية في كانون الثاني (يناير) 2014، كيف استفحلت سيطرة الجمعيات الدينية الأهلية على عشرات الآلاف من دور العبادة البعيدة عن مراقبة الدولة، فقد بلغ عدد المساجد الحكومية (88360) مسجداً، في حين بلغ عدد المساجد الأهلية (151355) مسجداً، ما دفع وزارة الأوقاف في آذار (مارس) 214، لإصدار قرار بضم المساجد والزوايا في جميع أنحاء الجمهورية لوزارة الأوقاف، وتكليف الإدارة المركزية لشؤون المساجد والقرآن بوضع ضوابط، وآليات لمتابعة التنفيذ. غير أنّ التنفيذ من الصعب بمكان، مع الوضع في الاعتبار أنّ المساجد التابعة لـ "الجميعة الشرعية" كنموذج، (6000) مسجد، إلى جانب (2000) مسجد تابع لجـماعة "أنصار السنة"، وأكثر من (109000) مسجد أهلي أو تابع لجمعيات أخرى.

تذكر أدبيات الجماعات الدينية المتطرفة كيف كانت الرحلة تبدأ من داخل المساجد الأهلية البعيدة عن رقابة الدولة

وتذكر أدبيات الجماعات الدينية المتطرفة وكتابات المنشقين عنها كيف كانت الرحلة دائماً ما تبدأ من داخل تلك المساجد الأهلية البعيدة عن رقابة الدولة، مثل مسجد "قولة" التابع لجماعة أنصار السنة المحمدية، والذي شهد البذرة الأولى لجماعة الجهاد المصرية، في الستينيات من القرن الماضي، الذين واظب من خلاله أعضاء المجموعات الجهادية الأولى على حضور دروس الشيخ محمد خليل هراس، ومساجد الجمعية الشرعية في محافظات الصعيد، التي شهدت تجمعات أعضاء الجماعة الإسلامية وتحركاتهم، سعياً للانقلاب على السلطة المصرية أوائل الثمانينيات من الماضي. ومؤخراً تحفظت الدولة المصرية على أكثر من 100 فرع تابع للجمعية الشرعية عقب ثورة حزيران (يونيو) 2013، بدعوى اختراق تلك الفروع من قبل جماعة الإخوان المسلمين.

ما سبق قد يفسر بشكل كبير، سر الصراعات الممتدة بين الجماعات الدينية المختلفة في مصر للسيطرة على المساجد، والتي بدأت نهايات السبعينيات من القرن الماضي بين الجماعة الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين، ووصلت إلى ذروتها عقب ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، في ظل غياب للدور الذي قد تلعبه المؤسسة الدينية الرسمية في القاهرة، التي تُعجزها إمكانياتها أحياناً عن مجاراة صراع الاستحواذ على المنابر!

اقرأ المزيد...

الوسوم: