حين يتحول التطرف الديني إلى معول لهدم التراث الإنساني

صورة سامح إسماعيل
كاتب وباحث مصري

1290
عدد القراءات

2017-11-27

"يجب أن يكون المسلمون فخورين بتحطيم الأصنام، ويجب حَمد الله أننا قد دمرناها لهم"
الملا عمر/ 6 آذار (مارس) 2001
في الثاني من آذار (مارس) العام 2001 بدأت حركة طالبان بالشروع في تنفيذ أولى مراحل خطة تدمير تمثالي بوذا المنحوتين على منحدرات وادي باميان بأفغانستان اللذين يعود تاريخهما إلى القرن السادس الميلادي، بدأت الجريمة بقصف مكثف باستخدام المدافع المضادة للطائرات، أعقبه زرع ألغام مضادة للدبابات في الجزء السفلي من التمثالين، وهو ما حولهما إلى أطلال في لحظات.
أثارت هذه الفعلة موجة غضب عالمية، وحالة من التخوف في ظل التنامي العسكري للحركة، التي تمكنت لاحقاً من بسط نفوذها على سائر الأراضي الأفغانية، وفي العالم الإسلامي كان هناك جدل من نوع آخر حول شرعية هدم التماثيل، والأسس الدينية التي بنت عليها الحركة فعلها المشين.

التأصيل الأصولي لهدم الآثار بين النص والاجتهاد
يمكن القول إنّ تاريخ الإسلام لم يشهد حركة هدم واسعة وممنهجة للآثار، باستثناء ما جرى إبان فتح مكة، والذي يمكن تفسيره في سياق الصراع الديني بين التوحيد والوثنية، في لحظة انتصار الأولى وأفول الثانية؛ حيث كان الأمر بحاجة إلى ضربة نهائية لترسيخ عبادة التوحيد وتمكينها.
ويستند الأصوليون في دعواهم الرامية إلى هدم الآثار أينما وجدت إلى قيام النبي إبراهيم -عليه السلام- بهدم الأصنام وفقاً لما ورد في النص القرآني، وتأسي النبي -محمد صلى الله عليه وسلم- به إبان فتح مكة، مع الإحالة الدائمة على ما ورد في صحيح مسلم عن علي مرفوعاً: "لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته"، وفي حديث آخر: "مر برأس التمثال فليقطع حتى يكون كهيئة الشجرة"، كما في حديث عمرو بن عنبسة في مسلم والنسائي وأحمد وفيه: "فقلت بماذا أرسلك؟ قال: "بأن توصل الأرحام، وتحقن الدماء، وتؤمن السبل، وتكسر الأوثان، ويعبد الله وحده لا شريك له".

في العالم الإسلامي كان هناك جدل من نوع آخر حول شرعية هدم التماثيل، والأسس الدينية التي بنت عليها الحركة فعلها المشين

هكذا يبرر دعاة الإسلام السلفي مسيرة الحركات الإرهابية الرامية إلى هدم تراث الإنسانية، غير واضعين في اعتبارهم تاريخانية النصوص، واختلاف الظرف التاريخي، وما تمثله تلك الآثار من قيم جمالية وإنسانية، ومصدر للدخل القومي لتلك البلدان، وهو ما فطن إليه الإمام محمد عبده قبل نحو مائة عام في مجلة "المنار" في وصف رحلته إلى صقلية العام 1894 إذ يقول: "إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر، وضبطه في دواوينه، والمبالغة في تحريره، خصوصاً شعر الجاهلية، وما عني الأوائل بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يُرى ولا يُسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يُسمع ولا يُرى".
وهو ذات النهج الذي انتهجته مؤسسة الأزهر حيث أكد الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، في أكثر من مناسبة "عدم جواز الاعتداء على هذه المعالم الحضارية بأي لون من ألوان الاعتداء هدماً أو تشويهاً أو بيعاً أو نهباً أو تدميراً، وأن الاعتداء عليها هو اعتداء على الحضارة والتراث الإنسانى". لكن لا يمكن اعتبار هذا الموقف الرسمي تعبيراً حقيقياً عن رأي مشايخ الأزهر على اختلاف مشاربهم؛ فللدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر الشريف، تصريح شهير في هذا الشأن وذلك في حوار له ببرنامج "منهج حياة" على قناة "العاصمة" في آب (أغسطس) 2017، قال فيه إنّ "عرض التماثيل في المتاحف حرام شرعاً"، كما حرم ما أسماه نبش قبور الفراعنة في عمليات التنقيب عن الآثار.
جدير بالذكر أنّ الداعية الكويتي إبراهيم الكندري صرح في آذار (مارس) 2015 بضرورة هدم ما وصفه بـ"الأصنام ومحو كل آثار السابقين"، بما فيها أهرامات مصر وتمثال أبي الهول.
ولم يخل التاريخ من حركات عنف استهدفت الآثار، لعل أقدمها ما يرويه المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطب والآثار" حيث يقول إنّه في عام 780هـ تزعم الشيخ محمد صائم الدهر -من جملة صوفية الخانقاه الصلاحية- حركة لتغيير ما أسماه "أشياء من المنكرات"، حيث دشن حملة لإزالة المنكرات والتصاوير، وعلى رأسها، تمثال أبي الهول؛ حيث ظل يجهد في تحطيمه، حتى شوّه وجهه وشعثه.

استهداف الآثار إبان "الربيع العربي"
قبل أشهر من اندلاع "الثورات العربية" في العام 2010 قال الداعية السلفي الشيخ محمد حسان ردّاً على سؤال حول حكم بيع الآثار: "إذا كانت في أرضٍ تملكها أو في بيت لك فهذا حقك ورزقك ساقه الله لك، ولا إثم عليك ولا حرج وليس من حق دولة ولا مجلس ولا أي أحد أن يسلبك هذا الحق، سواء كان ذهباً أو كنزاً"، مضيفاً "أما إذا كانت تلك الآثار تجسد أشخاصاً فعليك أن تطمسها؛ لأنّ النبي نهى عن بيعها، وما حُرّم بيعه حرم ثمنه".
ومع تصاعد موجات الاحتجاج على فتوى الشيخ حسان، وفي وقت لم تكن فيه الدعوة السلفية في مركز قوة، تراجع الشيخ عن فتواه، تحت وطأة الضغط قائلاً إنه "أصدر هذه الفتوى، ثم أخبره بعض الإخوان بأنّ الجهات الرسمية تفرق بين الركاز (الذي تتعلق به الفتوى) وبين الآثار، باعتبار الأخيرة إرثاً إنسانيّاً أو حضاريّاً"! وعليه؛ فإنّه يؤيد إخراج الآثار من حكم الركاز، لتصبح ملكيتها حصراً للدولة.

يبرر دعاة الإسلام السلفي مسيرة الحركات الإرهابية الرامية إلى هدم تراث الإنسانية، غير واضعين في اعتبارهم تاريخانية النصوص، واختلاف الظرف التاريخي

مع انفجار ثورة 25 كانون الثاني (يناير) 2011 في مصر، وصعود حركات الإسلام السياسي لتصدر المشهد مع انفتاح المجال العام أمامها، لم يجد دعاة تلك الحركات حرجاً في إعلان عداوتهم الصريحة للآثار؛ بل وصل الأمر إلى إفتاء القيادي في "الدعوة السلفية" في مصر "مرجان الجوهري"في مقابلة تلفزيونية -أجريت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012-  بحتمية هدم الأهرام وتحطيم أبي الهول، بدعوى أنّ "كل صنم أو تمثال أو وثن يعبد أو يُخشى أن يعبد ولو من فرد واحد في العالم، يجب أن يُحطَّم، وهذا واجب على من يمتلك القرار''، وكان مرجان قد عاد لتوه من أفغانستان، بعد أن شارك في عملية هدم تمثالي بوذا.
تزامن ذلك مع تدشين التيار السلفي لحملة واسعة استهدفت تفجير وهدم عدد من المقامات والأضرحة الأثرية في عدد من محافظات مصر، كما جرى التعدي على تمثال جمال عبدالناصر بسوهاج، وتحطيم تمثال سنوسرت الثالث بمدينة المنصورة، وبلغ الأمر ذروة العبثية في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) 2011 بتغطية تمثال حوريات البحر بالإسكندرية بالقماش، أثناء إعداد الساحة لإقامة مؤتمر خاص بحزب النور السلفي، وهو ما أثار سخرية النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، متندّرين بتحقيق الحركة السلفية انتصاراً عظيماً بارتداء التمثال للحجاب.

ظهر تنظيم داعش وتمدد لسوء الحظ في محيط جغرافي لطالما شهد مرور حضارات إنسانية تركت آثارها وشواهدها التاريخية الرائعة

وكان عبد المنعم الشحات، المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية بالإسكندرية، في نهاية العام 2014 قد وصف الحضارة الفرعونية بـ"العفنة"، داعياً في الوقت نفسه إلى وجوب تغطية وجوه التماثيل الفرعونية وغيرها بالشمع؛ لأنها "تشبه أصنام مكة قبل الإسلام". وهو ما أوجد مبرراً دينياً لموجات العنف التي استهدفت الآثار المصرية؛ حيث قام مجهولون بكسر رأس تمثال عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في محافظة المنيا، كما قام عدد من الإسلاميين بتغطية وجه تمثال أم كلثوم بالدقهلية، وكتبوا عليه  مجموعة من الشعارات الدينية.
هكذا تجمد التاريخ بالحركة السلفية عند لحظة التأسيس الأولى بكل معطياتها، وبات الخروج من أطرها الحاكمة أمراً مستحيلاً لمن يعتنقون مذاهب التكفير، ويقفون عند صغار الأمور بتفاصيلها الضيقة بمنتهى الشغف والإصرار الصنمي.

الإخوان واحتقار التراث الإنساني
تميزت فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين بالرعونة الشديدة في التعامل مع ملف الآثار المصرية، في ظل التهديدات المتكررة من قبل التيارات المتطرفة، وكأن الجماعة استشعرت حرجاً في مواجهة أولئك الخارجين جميعاً من تحت مظلة التطرف التي زرعتها.
في عهد الإخوان المسلمين تحول مائة فدان من أراضي منطقة تل العمارنة الواقعة تحت حماية قانون الآثار إلى زرائب، رغم استغاثة مفتشي الآثار، كما جرى تحويل مدينة أون الأثرية إلى سوق دولى للأغنام .
وفي أيلول (سبتمبر) 2012 جرى الاعتداء على مدش مرزا الأثري بمنطقة بولاق الذي يرجع إلى عهد محمد باشا الصوفي، الذي تولى حكم مصر في الفترة من ( 1020 - 1024 هـ(، كما نصبت الجماعة شادراً دعائياً في قصر عمر طوسون الأثري بشبرا الخيمة، وفي أيار (مايو) العام 2013 تعرض متحف سرابيط الخادم فى سيناء للتدمير الكامل دون أن تحرك حكومة هشام قنديل ساكناً.

تم تدمير معبد بعل شمين الروماني الذي يعود تاريخه إلى نحو ألفي عام في مدينة تدمر الأثرية السورية عبر تفخيخه بالمتفجرات

وعقب ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013، وخروج الجماعة من الحكم، كانت الآثار المصرية هدفاً لانتقام أنصارها، ففي يوم الأربعاء 14 آب (أغسطس) العام 2013، قامت مجموعة مسلحة تابعة لجماعة الإخوان بمهاجمة متحف ملوى بمحافظة المنيا، ونجحت تلك المجموعة في السطو على نحو ألف وخمسين قطعة أثرية من أصل ألف وتسع وثمانين قطعة كانت معروضة بالمتحف، مع تحطيم عدد من التوابيت الخشبية والمومياوات، وفي اليوم التالي تعرضت قصور ثقافة سوهاج والمنيا لهجمات مسلحة من أنصار الرئيس المعزول محمد مرسى، والذين قاموا بسرقة محتوياتها وتخريبها، كما تم الاعتداء يوم 16 آب (أغسطس) من العام نفسه، على متحف روميل بمرسى مطروح ومتحف ومخازن البهنسا بالمنيا من قبل مجموعات غاضبة من أنصار الجماعة.

داعش يستكمل المسيرة!
ظهر تنظيم داعش وتمدد لسوء الحظ في محيط جغرافي لطالما شهد مرور حضارات إنسانية تركت آثارها وشواهدها التاريخية الرائعة، ليمارس التنظيم مسيرته الهمجية، والتى كانت آثار سوريا والعراق أبرز ضحاياها، ليستيقظ العالم في السادس والعشرين من شباط (فبراير) 2015 على فاجعة تدمير متحف الموصل في العراق، وتناثر بقايا التماثيل الآشورية تحت ضربات المطارق وأدوات الحفر.

حيث تم تدمير معبد بعل شمين الروماني الذي يعود تاريخه إلى نحو ألفي عام في مدينة تدمر الأثرية السورية عبر تفخيخه بالمتفجرات

وفي 23 آب (أغسطس) من العام نفسه أقدم التنظيم على جريمة أخرى؛ حيث تم تدمير معبد بعل شمين الروماني الذي يعود تاريخه إلى نحو ألفي عام في مدينة تدمر الأثرية السورية عبر تفخيخه بالمتفجرات، وفي بيان لها أكدت منظمة اليونسكو أنّ ما جرى "خسارة فادحة للشعب السوري والإنسانية بأسرها".
مضى التنظيم يفجر شواهد التراث الإنساني هنا وهناك؛ بل ومارس أبشع لم يمكن أن يقترفه أكثر التنظيمات إجراماً؛ حيث قام، وفقاً لتقارير دولية، بالاتجار في آثار بلاد الرافدين، بالتعاون مع مافيا الآثار حول العالم، وهو ما يكشف حقيقة الادعاءات الدينية للتنظيم، ويضعه أمام حقيقته الإجرامية، كما استهدفت داعش علماء الآثار، ففي فصل دموى جديد جرت جريمة اغتيال عالم الآثار السوري الكبير خالد أسعد، بتهمة "الوثنية"، وبطريقة دعائية شديدة البشاعة قاموا بقطع رأسه وتعليق جثته على أحد أعمدة معبد تدمر ووضع رأسه عند القاعدة!
من الواضح بعد هذا العرض السريع مدى ما يمكن أن يذهب إليه التيار الأصولي من ممارسات عنيفة تجاه كل ما يمت بصلة للحضارة الإنسانية، ووفق قراءات مختزلة للنصوص، وفهم بدائي شديد السذاجة يمضى دجاجلة الدين غير عابئين بما يمكن أن تؤدي إليه أفعالهم، فالشيخ الذي يفتي عبر الشاشات بـ"حرمة" زيارة المعابد القديمة، أو اعتبار الآثار "نوعاً من الوثنية"، يمنح لآخر متحفز يعد مطرقته في مجاهل الراهن صكاً وتبريراً بارتكاب أفظع وجوه الإرهاب وأشدها سواداً.

اقرأ المزيد...

الوسوم: