"قالبيقاف" الجنرال الأكثر دموية وفساداً رئيساً للبرلمان الإيراني

"قالبيقاف" الجنرال الأكثر دموية وفساداً رئيساً للبرلمان الإيراني


20/06/2020

ثمة عوامل رئيسية جعلت مشهد صعود الجنرال محمد باقر قالبيقاف على مقعد الرئاسة في مجلس النواب الإيراني، نهاية الشهر الماضي، حدثاً ليس مباغتاً بالرغم من اعتراضات جمة طاولت شخصيته، وتتصل باتهامات فساد مالي وإداري عديدة، وقد حفلت بها الصحف المحلية وسياسيين إيرانيين، رفضوا أن يكون للقائد العسكري السابق في الحرس الثوري أي مستقبل سياسي، خاصة، وأن دوره السياسي الذي لطالما ارتبط بسيرته العسكرية أثبت فشله؛ إذ إنه لا يحمل أفكاراً سياسية وإدارية في هذا الميدان، والذي أقحم فيه من خلال شخصيته الأصولية الثقيلة، وبزته العسكرية التي مكنته من رئاسة بلدية طهران.

الصقور في المجلس

بدت البيئة الانتخابية التي انطلقت خلال النصف الثاني من شهر شباط (فبراير) العام الحالي، حيث أجريت انتخابات الدورة الحادية عشرة للبرلمان الإيراني، تحمل توترات على مختلف الأصعدة؛ بداية من المظاهرات التي احتشدت على إثر تحطم الطائرة الأوكرانية بعد إقلاعها من مطار طهران، وقد جرى استهدافها بصاروخين (عن طريق الخطأ) بواسطة الحرس الثوري، كما زعمت الحكومة.

بنفس الدرجة التي يحملها سجل محمد باقر قالبييقاف من فساد، فإنه لا يخلو كذلك من عنف وقمع وحشي

ويضاف إلى ذلك، سياسة الضغط القصوى التي تمارسها واشنطن، منذ عامين، ضد طهران، وفرضت بمقتضاها حظر تام على الصادرات النفطية، من جهة، ووصولها للنظام البنكي العالمي أو التعامل بالدولار الأمريكي، من جهة أخرى، مما شل قدرات إيران الاقتصادية وفاقم من أزماتها، الأمر الذي عمّق من حالة السخط والضغط الشعبي.

وعليه، جاء المجلس الجديد الذي يحمل اسم "مجلس الشورى الإسلامي" يحظى بنفوذ واسع للجناح الأصولي، وتمدد للقوة الصلبة والعناصر المتشدد داخل النظام الإيراني، وذلك بالقدر الذي يعكس طبيعة النظام الخميني ومؤسساته؛ حيث شهدت الإجراءات الانتخابية آليات قمعية وتعسفية عديدة، نجم عنها استبعاد ترشح نحو 6850 شخصاً من التيار المعتدل، بينما لم يسمح لنحو ثلث النواب الحاليين بالترشح مجدداً.

ومن ثم، ظل يتردد اسم محمد باقر قاليباف، عمدة طهران، بقوة، وقد حصل على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات، في ما يخص تنصيبه لرئاسة البرلمان، خاصة، وأنه الجنرال العسكري الذي تولى مناصب قيادية بالحرس الثوري، بداية من الحرب العراقية الإيرانية، ثمانينات القرن الماضي، كما خاض الانتخابات الرئاسية ضد الرئيس الإيراني الحالي، حسن روحاني، في العام 2013، وارتبطت سيرته بعمليات قمع دموية، لعدة احتجاجات طلابية وجماهيرية، في التسعينيات، وبين عامي 2003 و2009.

اعتراضات جمة طاولت شخصيته، وتتصل باتهامات فساد مالي وإداري عديدة

سيرة القمع والقتل

وصفت صحيفة "أرمان أمروز" الإيرانية المعارضة، أداء قالبيقاف أثناء توليه منصب عمدة طهران، بأنه كان سيئاً للغاية؛ إذ ترى أنه "يعتبر، اليوم، سواء في أنظار الرأي العام أو في أنظار التيارات السياسية المختلفة، شخصية سياسية قد انتهى أمرها، ولا يمكن تخيل أن يكون له مكانة سياسية، سواء داخل الأصوليين أو خارجهم"، موضحة أنه "لن تبقى له مكانة سياسية، كما في السابق، حتى بين الأصوليين، وقد يبقى العامل الأخير الذي يقف وراء الإبقاء عليه، للتواجد على الساحة السياسية، اعتباره شخصية تنفيذية أصولية ناجحة، لكن الحقائق والأسرار المكشوفة حول إدارته لبلدية طهران، على مدى 12 عاماً، تتوالى تباعاً كل يوم، مما يشير إلى فشله كذلك كمدير تنفيذي".

اقرأ أيضاً: أول استطلاع رأي عراقي: شعبية إيران في الحضيض

ويشير مراقبون إلى أنّ التهم الرائجة حول قضايا فساد، ارتبطت بالجنرال العسكري وتتصل بزوجته وابنه وأصدقائه، سوف تتجمد مع صعوده إلى رئاسة المجلس، مما سيضيف له حصانة جديدة تحميه من المساءلة، كما سبق ووفر له ارتباطه بالحرس الثوري حصانة أخرى، حالت بينه وبين المثول للجهات القضائية وفتح تحقيقات في القضايا الموجهة ضده؛ إذ إنه على مدى 15 عاماً مضت، لم تقم أي جهة بمتابعة تلك القضايا ولم يتم استدعاء أي أحد بخصوصها إلى المحكمة.

وتعود أولى قضايا الفساد الكبرى المرتبطة بقاليباف إلى ما قبل 15 عاماً، وكانت تدور حول العلاقة ما بين فريق حملته الانتخابية، في انتخابات 2005 الرئاسية، وعصابة كبيرة تعمل في المخدرات وتهريب الوقود، كما يذكر موقع "الحرة"؛ إذ تردد أنّ صفقة عقدت بين الطرفين، يقوم بمقتضاها قالبيقاف بإطلاق سراح المهربين من السجن، في مقابل دعم مالي لحملته الانتخابية.

ما خلف الكواليس

بيد أنّ القضية ظلت بعيدة عن دائرة الضوء والمكاشفة، حتى عادت للجدل والنقاش، مرة أخرى، عندما تحدث عنها الرئيس الإيراني الحالي، حسن روحاني، أثناء خوضه الانتخابات ومنافسته لقالبيقاف، حيث ألمح إلى أنّ القضية ستتم مراجعتها بواسطة المجلس الأعلى للأمن القومي، لكنه لم يسمح في الوقت ذاته بخروج تفاصيلها للعلن.

ومن جانبه، حاول المتحدث باسم الحكومة السابق، عبد الله رمضان زاده، أن يجعل القضية عامة لعدة مرات، بمحاولة طرحها على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ قال إنّ شقيق قاليباف كان قد اعتقل مرة في قضية الفساد، لكنّ كلاً من القضاء ووسائل الإعلام تجاهلا ما صرح به، بينما لم يتم استدعاء قاليباف إلى المحكمة حتى عندما تم اعتقال نائبه في بلدية طهران، عيسى شريفي، والأخير، يقبع في السجن منذ ثلاثة أعوام دون محاكمة علنية.

اقرأ أيضاً: كيف ضاعفت إيران 8 مرات مخزونها من اليورانيوم المخصب؟

ارتبط قالبيقاف على نحو مباشر بالمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي؛ حيث أصبح من خلاله صاحب أدوار مهمة ولافتة في الحرس الثوري الإيراني، والمؤسسات التابعة له، سواء الأمنية أو الاقتصادية؛ فتولى قيادة الباسيج، وكذا، إدارة المجمع المالي، التابع للحرس الثوري الإيراني، كما تم تعيينه قائداً للقوات الجوية في الحرس الثوري.

وبنفس الدرجة التي يحملها سجل قالبييقاف من فساد، فإنه لا يخلو كذلك من عنف وقمع وحشي؛ ففي العام 1999، عندما احتج الطلاب في إيران، واصطفوا في مظاهرات ضد خامنئي، ووصفوه بـ"الديكتاتور"، كتب قاليباف و23 آخرين من قادة الحرس الثوري رسالة إلى الرئيس الإيراني، وقتذاك، محمد خاتمي، وهددوه بأن الحرس الثوري مستعداً لقمع الطلبة.

خامنئي بحاجة إلى رجال من مجموعته المقربة، والتي تتماس مع أهدافه ومرجعيته

اصطفاف جنود الحرس

وفيما يبدو أنّ الشخصية العسكرية والأمنية التي جرى استدعاؤها عن عمد في تلك اللحظة التي يعاني من وطأتها وتبعاتها النظام الإيراني، لأداء دور محدد يتمثل في توحيد صفوف التيار الراديكالي داخل النظام، سعت منذ اللحظة الأولى لانعقاد الجلسة الافتتاحية للبرلمان نحو استعادة الميراث التقليدي والقديم لسياساتها التعبوية، من ناحية، وتقويض مؤسسة الرئاسة والضغط المتواصل على حسن روحاني، من ناحية أخرى.

ارتبط قالبيقاف على نحو مباشر بالمرشد علي خامنئي، حيث أصبح من خلاله صاحب أدوار مهمة ولافتة في الحرس الثوري

وقال قالبيقاف إنّ "البرلمان يعتبر أنّ التفاوض مع أميركا كمحور للاستكبار أمر لا فائدة منه بل كله أضرار"، بينما هدد بـ "مواصلة سلسلة الانتقام لدم قاسم سليماني"، القائد السابق لـ"فيلق القدس"، كما انتقد في السياق ذاته الحكومة التي وصفها بـ"عدم الكفاءة والارتباك الإداري، والتركيز على النظر إلى الخارج"، وذلك على حساب ما "الإدارة الجهادية".

وأكد في الجلسة الافتتاحية للبرلمان على مواصلة تقديم كل الدعم إلى الميليشيات المتحالفة مع إيران، في لبنان وسوريا واليمن، حيث ذكر أنّ "تنامي قدرات محور المقاومة سيكون ضمن أجندة البرلمان الحالي".

وفي حديثه لـ"حفريات"، يوضح المحلل السياسي الإيراني سيد فاضل، أنّ قالبيقاف هو من الشخصيات المقربة من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، الأمر الذي يضمن له امتيازات عديدة وحصانة غير محدودة، خاصة، وأنّ تاريخه متخم بالفساد والدموية والقتل؛ فهو يد باطشة في وجه العناصر والمجموعات المعارضة للنظام، بوجه عام، وللحرس الثوري ومؤسساته، بوجه خاص.

وأردف أنّ "إيران حبلى بالمشاكل والأزمات، كما أنها مقبلة على واقع صعب، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي، وبالتالي، خامنئي بحاجة إلى رجال من مجموعته المقربة، والتي تتماس مع أهدافه ومرجعيته؛ فيقتلون بدم بارد وينفذون سياساته دون مهادنة أو مراوغة، لجهة تحقيق الأهداف المرجوة، ولهذا يعمل المرشد على منح عناصره المخلصة مجالات جديدة حيوية للتغول والنفوذ، بيد أنّ بعض المراقبين يعتبرون أنّ التشريع سوف يستهدف التغيير في طبيعة النظام إلى البرلماني بدلاً من الرئاسي الجمهوري، لكنني أعتقد أنّ ذلك لن يحدث، فالنظام يعاني من أزمات عديدة، إقليمية وسياسية، فضلاً عن الركود الاقتصادي، وبالتالي، لن يدخل في نفق كهذا وتعقيدات تضيف من أعبائهم".


الوسوم
الصفحة الرئيسية