دليل التدين العاقل: الإيمان بعيداً عن أيديولوجيا القهر

كريم شفيق's picture
صحافي وكاتب مصري

2254
عدد القراءات

2018-05-20

يطرق المفكر المغربي، سعيد ناشيد، في كتابه "دليل التدين العاقل"، الصادر حديثاً، عن دار التنوير، في بيروت، باباً مهماً، ويدلف منه للبحث حول مدى إمكانية "التدين" بوعي وعقلانية، وتصفية نزعات التشدد والانغلاق والطائفية.

 وهنا، يميز ناشيد، بداهة، بين الدين، من حيث هو تنزيل ونص مجرد، قبل أن يتعين في الاجتماع الإنساني، ويتصل بأبنيته المعرفية، ويجري إعادة تشكله، في مؤسسات المجتمع المختلفة، وبين ممارسة السلوك الديني المتنوعة، التي تختلف، حتماً، وفق معايير ثقافية وطبقية، وحسب التلقي المتفاوت، الذي يعيد تأويل الوحي، تبعاً، لدرجة التطور والانفتاح، الذي يعيشه الفرد في المجتمع، وحجم التطور الحضاري، من الناحيتين، المعرفية والتقنية.

لا يلغي المفكر المغربي، صورة الإيمان الكلية، عن وجدان المرء، أو يحاول نفيها والتعالي عليها، بل يقر بعناصرها ومفرداتها، ووقائعها وتأثيراتها، على الفرد، في تشكيل وعيه، ناهيك عن، هيمنتها، أحياناً، على رؤيته تجاه ذاته والعالم.

 لكنه، في الوقت ذاته، يتحرى تخليص أشكال التدين، من عناصره القديمة، البدائية، التي صاغ مكوناتها، في التاريخ القديم، بصيغته السحرية، قبل نشوء المؤسسات وظهور الدولة والقوانين، وسيادة المنهج العلمي.

 المفكر المغربي، سعيد ناشيد

أدلجة الدين

ما يسعى نحوه صاحب "الحداثة والقرآن"، ولا يتردد، برهة، في التأكيد عليه، والدفاع عنه؛ هو رفض "أدلجة" الدين، وتأبيد نصوصه، في رؤية أحادية، وتفسيرات ضيقة، تفسد الخطاب القرآني، ومجازيته، التي تتسع لتأويلات شاسعة، في ظل محاولات تاريخية دؤوبة؛ لا تكف عن استثمار "المقدس"، بصورة نفعية، بغية الحصول على مكتسبات وشرعية، في الحكم والسياسة، أو الغلبة والولاء، لصالح هيئة أو جماعة، لتكريس نفوذها.

يتصدى ناشيد إلى هيمنة أصحاب نظرية الحق الإلهي، ممن انخرطوا في استنزاف إيمان البشر لصالحهم، وتحويل الطاعة والتبعية، والانسحاق لما يمثلونه؛ سواء كأفراد، أو مؤسسات وأفكار، فيما عمدوا إلى إعادة بناء النصوص الإيمانية "التعبدية"، في لغتها الحسية التصويرية، وشرعوا في تجميدها، بهدف تحويلها إلى كتلة من القوانين، والنصوص الدستورية، والنظريات العلمية، التي يتم توظيفها الأيديولوجي والبراغماتي، لبناء مشروعية سياسية ومجتمعية.

رفض "أدلجة" الدين وتأبيد نصوصه في رؤية أحادية وتفسيرات ضيقة تفسد الخطاب القرآني ومجازيته التي تتسع لتأويلات شاسعة

"لا أحد يمثل الإسلام"؛ من تلك الفرضية، يقطع ناشيد، شوطاً مهماً، في اتجاه الحرية الدينية، وعدم منح أية مرجعية، مهما كانت، فرصة التناوب على تشكيل الطاعة، والسلطة الدينية، على أتباعها المفترضين، لتحقيق الزمن المهدوي المنتظر.

فالسلطة المتخيلة، ربما، تكون لضمير الفرد، الذي يخوض التجربة الإيمانية، بكامل خصوصيتها، وفرادتها، بدون توجيه، وبكامل وعيه وإرادته، دون أن يعطل خياله ووجدانه الديني تلك الوصاية، التي تفسد الدلالة الروحية العميقة.

وكما يذكر ناشيد في "الحداثة والقرآن": "ففي غياب الحرية العاطفية يصبح الحب اغتصاباً، وفي غياب الحرية الدينية يصبح الدين إرهاباً".

الدعاية الدينية.. مجرد دعاية مؤقتة

تسترعي انتباه المفكر المغربي، بعض المقولات الشائعة؛ التي يجري استخدامها، كمثل "لا كهنوت في الإسلام"، و"لا سلطة دينية في الإسلام"، ويحثّ على ضرورة تحققها في الواقع، بحيث تخرج من إطارها الدعائي، الذي يخضع لقوانين السوق، ومغرياته، وتضحى ذات فعالية حقيقية، فتنتهي أنظمة الحسبة والمحاكم الشرعية، كما تتوقف الأحزاب الدينية.

وإلى ذلك، يرى أن حق الحديث باسم الإسلام، من الأمور التي لا يتحملها الدين الإسلامي، بحد ذاته؛ فليس ثمة أحد يمكن اعتباره ناطقاً باسمه، أو بمقدوره الحصول على العصمة والقداسة، أو التمثيلية الدينية.

سعيد ناشيد: في غياب الحرية العاطفية يصبح الحب اغتصاباً، وفي غياب الحرية الدينية يصبح الدين إرهاباً

ويشير، في المقابل، إلى أنّ الآية "إن الحكم إلا لله"، التي يذكرها الخطاب القرآني، مراراً، تؤكد أن الحكم الإلهي، غير قابل للتفويض. ويناقش الشعارات التي يوظفها، من أسماهم "حراس الله على الأرض"، من باب انتحال صفة المقدس، عندما تصدح أصواتهم بالمطالبة بـ"تطبيق شرع الله". وبرأيه، ليس الشرع كلام الله أو الرسول، بل هو منتج الفقهاء، وتعكس مفاهيمها، حقبة التوسعات الإمبراطورية في العالم القديم.

وفي ظل "الدفاع الوسواسي" عن الشريعة، يرى ناشيد، أنه جرى نسيان العقيدة، عن عمد، ولا يأتي ذكرها، إلا فيما ندر، واستبدلت بالأولى، حتى أصبح إنكار الشريعة، يؤدي إلى الكفر، وليس العقيدة، في مفارقة يضعها للتأمل والاستغراب.

دعاوى تطبيق الشريعة

يكشف الكتاب عن مآلات الواقع، من خلال التجارب التاريخية المعاصرة والقريبة، تحت وطأة الشحن الديني، لهؤلاء الذين يقبضون على السلطة، ويطالبون بتطبيق الشريعة تطبيقاً جازماً حازماً، ويعتبرونه وسيلة لحل المشكلات المجتمعية والسياسية والاقتصادية، فأدت إلى الفتنة أو الاستبداد، أو كلاهما معاً، كما جرى في عهد النميري بالسودان، أو في عهد الخميني بإيران، أو في عهد طالبان بأفغانستان.

ويقول ناشيد: "في كل الأحوال، الإيمان رهان إنساني قد لا يخلو من معقولية حين نمارسه بوعي وحكمة وتجرد، وهو شأنه شأن كل رهان آخر، مسألة ذوق شخصي واختيار وجودي.. حين أومن أو أقرر الإيمان ببعض أو كل مسلمات الدين، يكون الإيمان رهاني أنا بالذات وليس رهان أحد غيري؛ فحين أموت لا أحد يموت مكاني، وحين أخلد لا أحد يخلد بدلي، وحين أفنى لا أحد يفنى عوضي، وإذا حدث لي أن أثرت غضب الله –وهذا ما لا أتمناه- فبكل تأكيد لن يغضب الله على أي أحد آخر بسببي، ولن يأخذ بجريرتي أحداً غيري، فلا سلطان لعاقل على عاقل، ولا وصاية لخطّاء على خطاء. وفي الأخير، هناك آية قرآنية، ليس اعتباطاً أن نراها تتكرر، في الخطاب القرآني، خمس مرات على الأقل (لا تزر وازرة وزر أخرى).

سعى ناشيد في كتابه، إلى الوصول لصياغة جادة، نحو الإصلاح الديني الجذري، والانتقال للحداثة العلمية والسياسية، وذلك عبر تفكيك كل المحاولات السلطوية، التي تصادر حق الإنسان في المعرفة والإيمان والتعبير الحر عن ذاته، والوصول لمعنى وجوده، وأن يتوقف عن تحويله إلى أيديولوجيا مؤسسة للقهر الديني والسياسي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: