هل تنجح مساعي إسرائيل في إسقاط قرار الجنائية الدولية؟

هل تنجح مساعي إسرائيل في إسقاط قرار الجنائية الدولية؟

مشاهدة

كاتب ومترجم فلسطيني‎
15/02/2021

ترجمة: إسماعيل حسن

لم تخفِ الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية قلقها من خطورة قرار محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، الذي يقضي بالتصديق على الشروع في التحقيق مع قادة الجيش الإسرائيلي، على خلفية ارتكابهم جرائم حرب بالضفة الغربية وقطاع غزة، وفور صدور قرار المحكمة الجنائية بشأن الشروع في تحقيقات جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، بدأت الأوساط العسكرية والأمنية الإسرائيلية تتكيف مع هذا التطور الجديد، خشية توجيه اتهامات للجيش بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في الحروب القادمة، وبالتزامن مع هذا القرار الدولي تعمّد الجنرالات الإسرائيليون، لا سيما قائد أركان الجيش، أفيف كوخافي، إلى إرسال رسائل للمقاومة، الفلسطينية واللبنانية، وكأنهم أصدروا البطاقة الحمراء حتى قبل الشروع في المواجهة العسكرية القادمة، ما يعني أنّها حملت تهديدات للمدنيين في كلا المنطقتين، وأثارت ضجيجاً واضطراباً إعلامياً. الضجة التي أثارها كوخافي سارع من خلالها إلى الزعم بأنّ الجيش لن ينتهك قواعد القانون الدولي في المعارك، وسيمنح المدنيين إنذاراً مبكراً ومدة للمغادرة قبل تفعيل الضربات النارية القاتلة، التي أعدها خشية تقديم قادته للمحاكمة الدولية، لكن من المعقول أن نقدّر أنّ ما أدلى به كوخافي هو جزء من التحضير للحملة العسكرية المقبلة، وفي مقابل الخوف الإسرائيلي تعتزم إسرائيل التوجه إلى عشرات الدول في العالم، بطلب توجيه رسالة سرية للمدعية في المحكمة الجنائية الدولية، فاتو بنسودا، كي لا تفتح تحقيقاً في جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية؛ حيث أرسلت إسرائيل برقيات مشفرة إلى العشرات من سفاراتها حول العالم، وجهت من خلالها آليات للتعامل مع قرار قضاة المحكمة، ووضعت إسرائيل سراً قائمة بأسماء صناع قرار ومسؤولين أمنيين وضباط، الذين قد يعتقلون خارج البلاد في حال صدور قرار عن المحكمة الجنائية الدولية، في حين تصرّ السلطات على إبقاء هذه القائمة قيد السرية، تحسباً من أنّ كشفها سيشكل خطراً على المشمولين فيها، ويعتقد الإسرائيليون أنّه، وبعد سنوات من المتابعة والمطالبات، تحقق للفلسطينيين ما كانوا يسعون إليه بصدور القرار الدولي، على أمل أن يحشر إسرائيل في الزاوية ويجني أثماناً منها، ما يشكّل لهم إنجازاً أملوا في تحقيقه منذ أكثر من عقد في المواجهة معها على الساحة الدولية.

احتفال فلسطيني

وفي أعقاب القرار، احتفل المجرمون الفلسطينيون ومنظمات الإرهاب الفلسطينية، مثل حماس وغيرها، في المحافل الفلسطينية والمؤيدة لهم، أما اليهود الإسرائيليون، بمن فيهم ضحايا الإجرام الفلسطيني، فقد نددوا بالقرار وطالبوا بمحاسبة قادة حماس والجهاد الإسلامي، وبالنسبة إلى من هو مقتنع بأنّ محكمة الجنايات الدولية ستعمل وفق القانون، فهذه الردود غريبة، فمنذ متى يحتفل القتلة والمجرمون الآخرون بفتح تحقيق جنائي قد يؤدي إلى لوائح اتهام ضدهم، لكن من الواضح أنّ لزعماء السلطة الفلسطينية وحماس ما هو واضح لزعماء إسرائيل، فمحكمة الجنايات الدولية ليست مؤسسة تعمل وفق القضاء بل وفق دوافع سياسية، ولهذا فقد كان واضحاً أنّ المحكمة ستخوّل المدعية العامة بالتحقيق، رغم أنّ القانون نفسه يقول صراحة إنّ ليس لها صلاحيات كهذه بدون موافقة الدولة، واضح أيضاً أنّ حماس محقة في أنّه لن يقدم إلى المحاكمة أيّ إرهابي فلسطيني، فما الذي يمكن لإسرائيل أن تفعله على كلّ مستوى للمسّ بشرعية المحكمة، وفرض المصاعب على التحقيق بكل سبيل ممكن، واستغلال الفرص للتعاون الدولي ضدّ محكمة الجنايات الدولية؟

إنّ الخوف الذي ينتاب الإسرائيليين هو التهديد المحتمل الذي سيحلّق فوق رؤوس كبار المسؤولين الإسرائيليين، الذين سيزورون إحدى دول معاهدة روما، البالغ عددها 122 دولة، هو بالضبط الرادع الذي أراد الفلسطينيون تحقيقه حتى لو لم يكن في المدى القريب، أو على الأقل غرس شعور الخوف في نفوسهم بعدم التجول بسهولة خارج إسرائيل، وحتى لو أثبتت أنّها حققت في الجرائم المنسوبة إليها بطريقة ترضي المحكمة وتتجاهل التحقيق الدولي، فإنّها ستواجه صعوبة في مواجهة تحدي القرار الجديد.

تقديم لوائح الاتهام بحقّ الإسرائيليين

 يبدو الطريق إلى إصدار أوامر القبض وتقديم لوائح الاتهام بحقّ الإسرائيليين سيكون طويلاً، وقد يستمر إلى الأبد، أو ينتهي بلا شيء، لكن هناك عدد غير قليل من المسائل التقنية والأمور الأساسية التي تتطلب أيضاً وقتاً، لا سيما بانتظار موقف الإدارة الأمريكية بشأن كيفية الرد على قرار المحكمة بفتح تحقيق ضد إسرائيل، ولا يعرف كيف ستتأثر وتيرة استئناف المفاوضات السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين من هذا القرار، في المقابل، إن لم تقم المحكمة الإسرائيلية العليا بإلغاء مشروعية المستوطنات، فإنّ الوضع الإسرائيلي سيكون أكثر تعقيداً، لكن، على أية حال؛ فإنّ التهديد من لاهاي بدأ ينشأ تدريجياً أمام أعين الإسرائيليين، وإذا لم يتم التعامل مع القرار بشكل صحيح وفي الوقت المناسب، فقد يتسبب ذلك بقدر كبير من المتاعب لإسرائيل.

القراءة الإسرائيلية لقرار المحكمة الجنائية تعني احتمال حدوث زلزال سياسي فيها، إذ ستحقق المحكمة في الجرائم التي ارتكبتها في حرب غزة الأخيرة

تحاول إسرائيل، منذ فترة قصيرة، تسويغ جرائمها ضدّ المدنيين في فلسطين ولبنان، وذلك بترديد مقولة إنّها تعيش تهديداً فريداً من نوعه من المنظمات المعادية، وجبهتها الداخلية تواجه عشرات آلاف الصواريخ الثقيلة، سبعة آلاف من لبنان وعشرين ألفاً من غزة، علاوة على هذا التهديد الذي قد يتسبب بخسائر كثيرة ودمار رهيب، يمكن أن يتجسد في أية لحظة، نتيجة للتصعيد أو التدهور الذي لا يريده أحد، وثمة انتقادات عديدة وجهت للجيش الإسرائيلي بسبب استخدامه الجرافات في القتال، ورفضت شركات عديدة تقديم المركبات لإسرائيل، بما في ذلك شركة تصنيع سيارات بريطانية رفضت بيع سيارات الدفع الرباعي للجيش، علماً بأنّ الحاجة إلى توافر شرعية داخلية ودولية للنشاط العسكري ليست مقصورة على دولة إسرائيل، بل أصبحت معركة الشرعية مكوناً مهماً في كلّ قتال، وتكرّس الجيوش وسائل وجهود الدبلوماسية العامة لتحقيق الشرعية والحفاظ عليها، لكنّ كوخافي يحاول تغيير هذا الوضع جذرياً، على الأقل فيما يتعلق بالشرعية الفريدة التي يحتاج إليها الجيش للعمل ضدّ الصواريخ في المناطق الحضرية، في لبنان وقطاع غزة، هذا يعني أنّ إسرائيل ملزمة بأن تحظر وبالقانون تعاون أيّة جهة إسرائيلية مع المحكمة، مثل الحظر القائم في القانون الأمريكي والإلغاء الفوري للتعاون غير الرسمي لرجال القانون في الدولة مع طواقم المدعية العامة، ومنع كل أفعال المستشار القانوني للحكومة وغيره من رجال القانون الكبار، الذين يتعاطون مع محكمة الجنايات الدولية كجسم قضائي، مثل: رفع وثائق قانونية بشكل غير رسمي، بل والتعاطي مع المحكمة في الموقع الرسمي لوزارة العدل، كما أنّ إسرائيل ملزمة بتعميق التعاون مع الولايات المتحدة، التي فرضت العقوبات على طواقم محكمة الجنايات الدولية، ولكن وحده هو الضغط السياسي الدولي يمكنه أن يمنع لوائح الاتهام ضدّ الإسرائيليين.

فتح تحقيق ضد إسرائيل

لقد حذّر مسؤولون إسرائيليون كبار، من أنّ فتح تحقيق ضد إسرائيل سيؤدي لأزمة خطيرة ومستمرة مع الفلسطينيين، لأنّهم يسعون لفتح التحقيق الدولي، ما يعني أنّ رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، في حاجة ماسة الآن إلى دعم سياسي من بايدن في هذه القضية، وتأمل الحكومة الإسرائيلية أن تضغط إدارة بايدن الآن على الدول الأعضاء في المحكمة والمدعي العام، حتى لا يتم فتح تحقيق، لكن لا تعتقد إدارة بايدن أنّ هناك فرصة قريبة لاستئناف المفاوضات السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بالتالي؛ فهو لم يعين مبعوثاً خاصاً للموضوع، على عكس أسلافه، ومع ذلك يتمّ تناول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بشكل أساسي من خلال مستويات العمل في وزارة الخارجية الأمريكية، لكن قد يؤدي الاعتماد الإسرائيلي المتزايد على الولايات المتحدة إلى ضغط إدارة بايدن على تل أبيب، التي من شأنها ردع حكومتها عن اتخاذ خطوات استفزازية مثل بناء المستوطنات، بالتالي؛ سيسهل ذلك على واشنطن الحصول على موافقة إسرائيلية لاتخاذ خطوات على الأرض، مثل إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس، وإرسال المزيد من المبادرات والإيماءات الإيجابية للفلسطينيين، بينما قد يؤدي قرار المحكمة إلى تعقيد جهود إدارة بايدن لتجديد العلاقات بالسلطة الفلسطينية، لا سيما إعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن الذي أغلقه ترامب.

 وبموجب القانون الأمريكي؛ يجب على وزير الخارجية، بلينكن، أن يعلن للكونغرس أنّ السلطة الفلسطينية لا تتحرك ضدّ إسرائيل في الجنايات الدولية، وحتى اللحظة ليس واضحاً ما إذا كانت إدارة بايدن على اتصال مع الفلسطينيين بشأن هذه القضية أم لا.

إنّ الخوف الذي ينتاب الإسرائيليين هو التهديد المحتمل الذي سيحلّق فوق رؤوس كبار المسؤولين الإسرائيليين، الذين سيزورون إحدى دول معاهدة روما

لقد زوّدت محكمة لاهاي، في النهاية، الفلسطينيين بالبضاعة التي يحتاجون إليها؛ لأنهم سعوا منذ سنوات إلى جلب الساحة الدولية للضغط على إسرائيل بطريقة تدفعها للزاوية، ولا تترك لها خياراً وتحمّلها ثمن سياساتها وأفعالها، لأنّها، من وجهة النظر الفلسطينية، تقوض أيّة فرصة لاتفاق على أساس حلّ الدولتين، في وقت يأتي فيه هذا القرار بعد مسلسل طويل من خيبات أمل الفلسطينيين من الساحة الدولية، فعشرات، بل ومئات، قرارات الأمم المتحدة على مدى السنوات بشأن القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، يغطيها الغبار في أرشيف المنظمة الدولية في نيويورك، لكن الآن، وبعد غياب إدارة ترامب، هناك شرارة أمل جديدة للفلسطينيين، من خلال هيئة دولية لها أظافر وأسنان قد تردع إسرائيل، ورغم الإدانات الإسرائيلية الواسعة للقرار، إلا أنّ الأمر يتطلب من إسرائيل إعادة التفكير في موقفها من القضية الفلسطينية، لأنّها تكتفي بوضع اللوم على الفلسطينيين في كلّ مشكلاتهم ومشكلاتنا، وتتهمهم بأنهم رفضوا كلّ المقترحات المقدمة لهم، وهم مؤيدون للعمليات المسلحة ويدفعون رواتب لمنفذيها المحكوم عليهم بالسجن وعائلاتهم، ويطبعون الكتب المدرسية التي تشجع على الهجمات العسكرية، فالقراءة الإسرائيلية لقرار المحكمة الجنائية الدولية، تعني احتمال حدوث زلزال سياسي فيها، لأنّه من المفترض أن تحقق المحكمة في جرائم الحرب التي ارتكبتها في حرب غزة الأخيرة، ومشاريع البناء في المستوطنات التي تعرف بأنّها جريمة حرب في دستور المحكمة، ولديها سلطة إصدار أوامر اعتقال في الخارج ضدّ المسؤولين الإسرائيليين من المستويات السياسية والعسكرية العليا.

مصدر الترجمة عن العبرية:

https://www.ynet.co.il/news/article/HJ71uZolO

الصفحة الرئيسية