نفور الإمارات من راديكالية "الإخوان" وتسييس الدين (4)

صورة محمد برهومة
كاتب أردني

39
عدد القراءات

2017-12-03

مع تصاعد النّمو الاقتصادي في دولة الإمارات في عقد التسعينيات من القرن الماضي، خلصت الإمارات إلى قرار نهائي بأنْ تُقيم تجربتها على تغذية النفور الوطني من التعصب والعنف والراديكالية وتسييس الدين.

ورأت الدولة أن ذلك في غاية الأهمية على مستوى مواطنيها، وعلى مستوى إدارة التعليم والشأن الديني، وعلى مستوى المقيمين على أراضي الإمارات والعاملين فيها، وهم خليط متنوع من نحو 200 جنسية، وسيكون السماح لهم بالنشاط السياسي والحزبي، في دولة ناشئة، مدخلاً لنقل خلافات بلدانهم وإشكالاتها وانقساماتها إلى أرض الإمارات.

بعد 11 سبتمبر ألقيتْ خطبة في جمعية "الإخوان" في عجمان كانت بمنزلة رسالة تهديدية للسفارة الأمريكية في أبوظبي

كما تفطنت الدولة مبكراً إلى أن ذلك سيقوّض قوتها الناعمة، كما سيقوض تطوير تجربتها في ترسيخ بيئة عملٍ تنافسية، وبمعايير عالمية، وفي ظل مستويات عالية من الليبرالية الاجتماعية والتسامح الديني، وفتح نوافذ الترفيه والتسلية والسياحة وسهولة الخدمات وتطوير البنية التحتية واللوجستية، كاشتراطات جاذبةٍ للعمل والعيش والاستثمار. وأدركت ما يتطلبه ذلك كله من مأسسةٍ في الإدارة والتشريعات، وامتثال لقوة القانون لإدارة هذا الاجتماع المتنوع، وصوناً للأمن والاستقرار، وحفظاً للمكتسبات والحقوق وتراكم تجربة العمران والتحديث والانفتاح على العالم.
وبالفعل استطاعت هذه البيئة الطبيعية والمعتدلة تهميش نفوذ "الإخوان" في الإمارات دون أن تنهيه، حتى جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول(سبتمبر) 2001 كحدثٍ مفصلي وتاريخي ترك أثره على مجمل العلاقات الدولية والإقليمية، وأصبح ملف التطرف والإرهاب على رأس أجندة الدول والحكومات والمؤسسات والمنظمات.

الاستقواء بالأيديولوجيا الحزبية كان الصوتَ الأقوى تأثيراً على "الإخوان"

في ذلك العام أُلقيتْ خطبة في جمعية "الإخوان" في إمارة عجمان كانت بمنزلة رسالة تهديدية للسفارة الأمريكية في أبوظبي، كما ظهرت نزعات جهادية أقرب إلى فكر ومنهج "القاعدة" في صفوف قيادات "الإخوان" في الإمارات، مثل حسن الدقي (المقيم حالياً في تركيا)، وقد اتضح ذلك في كتابه "ملامح المشروع الإسلامي" الصادر في العام 2003، وهو العام الذي بدأت فيه الحكومة الإماراتية بمحاولة بدء فصل جديد مع "الإخوان" ومنحهم فرصة ذهبية أخرى لتصحيح المسار، عبر عرضها عليهم حلّ التنظيم والانخراط في مسار ومسيرة التنمية في البلاد، وممارسة الدعوة ضمن أُطر المؤسسات الوطنية والدينية الرسمية والحكومية، ولكن من دون جدوى.
وفي عام 2006 أخذ الاختلاف يتصاعد؛ حيث خاض "إخوان" الإمارات حملة إعلامية ضد حكومة الإمارات، وضد نقل معلمين منتمين إلى "الإخوان"، كان قد تمّ تخييرهم بين البقاء في وظائفهم بشرط ترك التنظيم والتبرؤ من بيعة مرشد "الإخوان" والابتعاد عن التحزّب، أو الاحتفاظ بالأفكار الخاصة بهم كمعلمين بعيداً عن قاعات التدريس؛ بما يعني البقاء في سلك وزارة التربية والتعليم ولكن ليس ممارسة التدريس والاحتكاك المباشر مع الطلاب، أو الانتقال إلى وظيفة أخرى بعيداً عن سلك التعليم. لكنّ الاستقواء بالأيديولوجيا الحزبية كان الصوتَ الأقوى تأثيراً على "الإخوان" .

جمعية الإصلاح التابعة للإخوان صارت مع "الربيع العربي" تستقوي بالخارج، وتعلن عن مشروعها الحزبيّ العابر للدولة الوطنية

وقد بلغ الخلاف ذروته مع أحداث "الربيع العربي" في العام 2011 التي تركت أثراً جوهرياً في السياسة الخارجية الإماراتية، وأحدثت تحولاً مفصلياً فيها، وتجلّى ذلك، في جزء كبير منه، في طبيعة الاستجابة للتحديات التي أفرزها صعود الإسلام السياسي و"الإخوان المسلمين" إلى السلطة في غير بلد عربي، وكذلك في طبيعة التعاطي مع التطورات في ليبيا والبحرين ومصر وسورية واليمن، وتصاعد الظاهرة الإرهابية ممثلة أساساً في "القاعدة" و"داعش" ومن يرتبط بهما أو يسير على نهجهما مثل "حركة الشباب" في الصومال و"بوكو حرام" في نيجيريا.
ويمكن القول إن ذلك التحوّل في السياسة الخارجية الإماراتية وعدم التعويل فقط على "القوة الناعمة" الإماراتية في معالجة ومواجهة التحديات والمخاطر المستجدة منذ "الربيع العربي" استند إلى ثلاثة محددات أساسية:
الأول: رأت حكومة دولة الإمارات، على ما يبدو، أن دفع الأخطار خارج حدودها، وعلى رأسها الإرهاب، جزء من تحصين جبهتها الداخلية؛ لأن التأخر والتردد في فعل ذلك من شأنه تصدير تلك الأخطار إلى محيطها المحليّ. وكان التقدير الإماراتي أنّ على رأس تلك الأخطار انهيارات وتفكك الدول الوطنية في المحيط العربي بفعل أمرين: الأول، الإرهاب والإسلام السياسي، والثاني سياسة الهيمنة الإيرانية والتدخل في شؤون الدول العربية عبر دعم طهران المليشيات الطائفية والجماعات المسلحة، التي تتوسل العنف المسلح طريقاً نحو مشروعها الهادف لإضعاف السلطة المركزية في البلدان العربية عبر إشغالها بالحروب والأزمات والاقتتال الأهلي وتآكل هيبة الدولة.
والثاني: أنّ تطوّر الهُوية السياسية لدولة الإمارات، منذ أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ونظرتها إلى نفسها كلاعب إقليمي مهم في تأمين استقرار البيئة الإقليمية، ومحاربة قوى التشدد والتطرف والعنف، دفعها إلى التصدي لمهمة ملء الفراغ الأمني والاستراتيجي الذي أحدثه تراجع الأدوار التقليدية للعواصم الكبرى: بغداد والقاهرة ودمشق، وانشغالها بظروفها الداخلية، وما عكسه ذلك من انكماشِ وزنِ النظام الإقليمي العربي في معادلات القوة في المنطقة، ما فرض على الرياض وأبوظبي أداء أدوار أوسع من الانحصار في الدائرة الخليجية فقط، وخصوصاً في أعقاب 2011 وحتى الآن.
والثالث: أن بعض مهددات الأمن الوطني الإماراتي الداخلية (جمعية الإصلاح- الإخوان المسلمين، مثلاً) صارت مع "الربيع العربي" تستقوي بالخارج، وتعلن عن مشروعها الحزبيّ العابر للدولة الوطنية، والمهدِد للسِلم الاجتماعي استناداً إلى حالة الفوضى الإقليمية، وارتباطاتها الأيديولوجية مع الخارج. وقد تصاعد مستوى هذا الخطر، بوصول "الإخوان" إلى السلطة واتجاههم إلى "أخوَنة" مؤسسات الدولة المصرية والاستفراد بالسلطة، وذلك ضمن مشروع إقليمي، وجدتْ السعودية والإمارات والأردن وغيرها أنه لا يصبّ في مصلحة الاستقرار العربي، بل يقوّي إيران وجماعات الإسلام السياسي والدول التي تدعمها. ومن هنا جاءت المواجهة الصريحة والقوية مع هذا المشروع، بعدما تبيّن أنّ التأخر في ذلك إنما يزيده خطورة واتساعاً.

اقرأ المزيد...

الوسوم: