ماذا تهدف تركيا من إعادة تنظيم ميليشياتها غرب ليبيا؟

ماذا تهدف تركيا من إعادة تنظيم ميليشياتها غرب ليبيا؟

مشاهدة

12/01/2021

غادر رئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج، الجمعة 8 كانون الثاني (يناير) الجاري، روما، بعد أن استقبله رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، متجهاً إلى أنقرة، لحضور اجتماع أمني مع قادة 16 ميليشيا ليبية.

اجتماع أنقرة الذي لحق به فايز السراج، ضمّ وزير الدفاع صلاح الدين النمروش، ومعه 16 من قادة الميليشيات في غرب البلاد، أغلبهم من مصراته، بحسب بيانات صحفية، وذلك  لعقد اجتماع أمني موسع.

اقرأ أيضاً: تركيا وميليشياتها.. ومحاولة عرقلة التوافق السياسي في ليبيا

ويعطي تواجد كلٍّ من وزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشاغا، والدفاع صلاح الدين النمروش، في تركيا، بصحبة مدير جهاز المخابرات عماد الطرابلسي، بُعداً إضافياً، يدفع نحو  تزايد القلق من الحقائق المضمرة وراء هذه الزيارات، التي تأتي في وقت تهدف فيه تركيا إلى تحريك أدواتها الوظيفية من ميليشيات ومرتزقة؛ لإشعال الأوضاع في ليبيا، بغية السيطرة على المواقع الحيوية العسكرية والاقتصادية هناك.

ونقلت القناة التلفزيونية الليبية "ليبيا 218"، عن مصادر لم تذكرها بالاسم، قولها: إنّ رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري توجّه إلى تركيا رفقة 16 من قادة التشكيلات المُسلحة، أبرزهم محمد الحصان، آمر ميليشيا 166، وأيوب بوراس القيادي البارز في ميليشيا النواصي، وبشير خلف الله الذي يقود ميليشيا الرحبة بمنطقة تاجوراء.

أهداف تركيا المعلنة والخفية

تبدو المصالح التركية في المشهد الليبي قائمة على أفق الصراع المحتدم بين الأطراف الليبية، ولهذا تأتي تحركات أنقرة نحو العمل على  تعطيل كافة المسارات، التي من الممكن أن تفضي إلى إتمام مصالحة ليبية، تكون نتيجتها عزل وإقصاء تركيا عن المشهد، وقطع الصلات بين الأخيرة ووكلائها في الداخل الليبي، الأمر الذي يهدد أطماعها، ويقلص حدود نفوذها.

علي التكبالي: ثمة تحضير لحرب كي تتخلص تركيا من أيّ ميليشيا ترى وتقدر أنّها ليست تابعة لها

تركيا التي تتابع وترصد كافة المتغيرات التي تحيط بالأزمة الليبية، وتخشى أن تنال من نفوذها في الغرب الليبي، تتحرك سياسياً وميدانياً لتطويق الغرب، بكافة السبل التي تضمن لها أطماعها، إلى الحدّ الذي دفع فتحي باشاغا، وزير داخلية حكومة الوفاق، إلى الحديث عن التحضير لعمليات عسكرية، ضد عصابات الاتجار بالبشر، والجماعات المسلحة المتطرفة، بدعم تركي بحسب قوله.

اقرأ أيضاً: مراقبون دوليون في ليبيا.. هل تكون فرصة السلام الأخيرة؟

الدكتور على التكبالي، عضو مجلس النواب الليبي، يذهب تقديره إلى أنّ تركيا تسعى لأن تلملم كافة الميليشيات، التي ترى أنّها موالية لها، في حضور رئيس الحكومة ووزير الداخلية، في إشارة ترغب من خلالها أن تبدو في صورة من يهيمن على الأوضاع في غرب ليبيا.

ويضيف عضو لجنة الدفاع والأمن القومي، في تصريحاته لـ"حفريات"، أنّه "من اللافت أن تستدعي تركيا ميليشيات تتبعها، وميليشيات أخرى في المنطقة الوسطى، ولم تأتِ بميلشيات أخرى مثل ميليشيا الكتلي، وبالتالي فتقديره الخاص يستقر نحو افتراض أنّ ثمّة تحضيراً لحرب، كي تتخلص تركيا من أيّ ميليشيا ترى وتقدر أنّها  ليست تابعة لها".

اقرأ أيضاً: سرحية أردوغان الجديدة في ليبيا: الميليشيات تحارب الإرهاب!

ويستدرك التكبالي "ولا يعني ذلك على الإطلاق أنّ العمليات العسكرية ستمتد نحو المعسكر الشرقي، فأنقرة تدرك جيداً أنّ الموقف السياسي للدول الأوروبية يجابه الأطماع التركية في الشرق".

زيارة قادة الميليشيات المسلحة والسراج لتركيا يمكن فهمها من خلال واقع المشهد الجديد للأزمة

ويختتم التكبالي: إنّ التأخير في حسم تسمية أعضاء الحكومة والمجلس الرئاسي، من قبل الأمم المتحدة، هو بمثابة منح الفرصة لأنقرة، كي تحشد كافة قواها، فقد تحوّلت ميليشيات طرابلس تجاه إسطنبول، وتنتظر اللحظة المناسبة كي تنقض وتهجم على الهلال النفطي، وذلك عبر التفاهمات التي جرت فيما بين الرئيس التركي رجب أردوغان، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، الذي يمارس سياسة النفس الطويل مع تركيا، واللحظة التي تظن فيها أنّ موسكو تتنازل عن بعض أهدافها لصالح أنقرة، تكون قد حصدت في الخفاء أضعاف ما تظن أنّها فرطت فيه، فضلاً عن كونها تترقب المواقف، التي سينطلق منها الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، الذي يرى التكبالي أنّ علاقته برجب طيب أردوغان لن تسير على وفاق، كما أنّ بايدن أيضاً، في تقديره الخاص، لا يرغب في بقاء السراج، ولا أن يتسلط فتحي باشاغا على كل شيء.

ثمّة فيتو أمريكي على شخصية فايز السراج واستمراره في المشهد السياسي الليبي

زيارة قادة الميليشيات المسلحة، وزيارة السيد فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، إلى تركيا، يمكن تدبرها من خلال واقع المشهد الجديد، الذي تبدو عليه الأزمة الليبية، من خلال إدراك الكيفية التي تنقب بها تركيا، عن إمكانية ووسيلة تضمن بها تأمين مصالحها في ليبيا، بحكم أنّ المدة المحددة لخروج المرتزقة من ليبيا أوشكت على الانتهاء، وهو أمر حدث عليه نوع من التوافق الدولي، بمقتضى مخرجات برلين.

وفي إطار ذلك، يذهب عضو مجلس النواب الليبي، سعيد أمغيب، نحو التأكيد على أنّ "فايز السراج الآن لم يعد أمامه سوى حلٍّ من اثنين؛ إمّا البحث عن طريقة يحفظ بها مصالح تركيا، أو القيام بعملية عسكرية محدودة، تحت زعم محاربة الإرهاب، ومجابهة الهجرة غير الشرعية، ويأتي تقدير أمغيب تجاه معقولية اندلاعها".

تركيا التي تتابع وترصد كافة متغيرات الأزمة تخشى النيل من نفوذها في الغرب الليبي

ويتابع في تصريحاته لـ"حفريات": لكن إذا ما جرت الأمور على هذا النحو، فإنّها في ظنه، ستقع في الجزء الغربي (طرابلس، الجبل الغربي، والمناطق المحيطة بها) مستبعداً أن تمتد العمليات العسكرية نحو قوات الجيش الليبي، المرابطة على حدود سرت والجفرة، كونها مخاطرة كبيرة، إن أقدم عليها أردوغان، فهي بمثابة من ينتحر سياسياً وعسكرياً، باعتبارها منطقة وقف إطلاق النار، وفاصلة بين قوات الجيش الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، وقوات الميليشيات المسيطرة على المنطقة الغربية، ولهذا فإنّه من المستبعد أن تقدم تركيا على مثل تلك الخطوة، غير أنّه من المرجح أن تنفذ الخيار الأول، في إطار الجزء الغربي من الأراضي الليبية، نحو طرابلس والجبل الأخضر، تحت زعم تنفيذ بنود الاتفاق الأمني مع حكومة السراج.

مناورات السرّاج تصطدم بطموحات باشاغا

يؤكد أمغيب أنّه لا يمكن النظر إلى زيارة تلك الشخصيات إلى تركيا بمعزل عن هدف أنقرة الرئيس، في سعيها نحو تأمين أهدافها ومصالحها، في ظل المتغيرات التي تضرب المشهد الليبي إقليمياً ودولياً، لافتاً إلى أنّ "زيارة فايز السراج إلى تركيا سبقها وصوله إلى العاصمة الإيطالية، وهو يسعى جدياً نحو الاحتفاظ بفرص حضوره في المشهد السياسي، وبالتالي الاستمرار في منصبه".

ويرى أمغيب أنّ "ثمة علاقة بين تقدير واشنطن أنّ مهمة فايز السراج في المشهد الليبي قاربت على الانتهاء، وتصريحات السيد فتحي باشاغا وزير داخلية حكومة الوفاق لوكالة "أسوشيتدبرس"، والتي أشار فيها إلى استعداده لتولي مهمة رئاسة حكومة وحدة وطنية، فضلاً عن حديثه حول الإدارة الأمريكية الجديدة، ودعمها لوجوده في هذا المنصب، خاصّة أنّ علاقة باشاغا مع الجانب الأمريكي، الذي تمثله السيدة ستيفاني ويليامز، هي علاقة قوية".

- سعيد أمغيب: السراج أمام خيارين؛ إيجاد طريقة يحفظ بها مصالح تركيا أو عملية عسكرية محدودة بحجة محاربة الإرهاب

وعلى أيّة حال، فإنّ ما يمكن التأكيد عليه في هذه النقطة تحديداً، هو أنّ ثمة فيتو أمريكياً على شخصية فايز السراج، واستمراره في المشهد السياسي الليبي.

بينما يذهب تقدير رئيس مؤسسة السلفيوم للدراسات والأبحاث بمدينة طبرق الليبية، جمال شلوف، إلى أنّ "استدعاء الميليشيات العسكرية وأذرعها السياسية إلى أنقرة، أمر يهدف من خلاله أردوغان إلى تحقيق عدة نقاط: أوّلها السعي نحو تحقيق المصالحة بين المكونات السياسية والعسكرية لحكومة الوفاق، وتوحيد صف الميليشيات الأمنية بطريقة الهروب إلى الأمام، أو تصدير الأزمة، بإقناعهم بأنّ الجيش الوطني يعدّ لهجوم، أو أن يقوموا هم أنفسهم بافتعال مناوشات، لأنّ أردوغان يدرك أنّ ما يوحد هؤلاء، هو فقط خوفهم وعداؤهم للجيش الوطني الليبي".

اقرأ أيضاً: تركيا تخطط لوضع يدها على تراث ليبيا بدعم من هيئة الأوقاف

والنقطة الثانية، وفق تصريح شلوف لـ"حفريات"، "تتمثل في الاستقرار على اسم أو أسماء بعينها، يتم الدفع بها خلال المنتدى السياسي، عبر مسار يُمكّن أنقرة من الاستمرار في نهب الثروات الليبية".

أمّا النقطة الأخيرة، فهي، وفق شلوف، توجيه رسالة إلى دول عملية برلين، والدول الفاعلة في الأزمة الليبية، مفادها أنّ أنقرة هي المسيطرة فعلياً على حكومة الوفاق وميليشياتها، واستخدام ذلك كورقة تفاوضية، خاصّة أنّ أردوغان لا يسيطر إلا على المنطقة الأفقر من حيث الثروات، رغم كثافتها السكانية.. إنّ التهديد بالحرب وعدم الاستقرار، هي ورقة أردوغان التفاوضية الأخيرة.

الصفحة الرئيسية