تركيا تنقل الصراع خارج أراضيها وتعبث بالسيادة العراقية

تركيا تنقل الصراع خارج أراضيها وتعبث بالسيادة العراقية

مشاهدة

28/12/2020

تزايدت الهجمات التركيّة على إقليم كردستان العراق، في الآونة الأخيرة، بشكل يعكس التصعيد التركي، لا سيما بعد احتلال تركيا لأجزاء كبيرة من مناطق الأكراد، مثل عفرين وتل أبيض.

مثّلت العملية، الجويّة البرّية، التي قادتها تركيا ضدّ المسلحين الأكراد عبر الحدود في شمال العراق، منتصف حزيران (يونيو) الماضي، نقلة نوعية في التصعيد التركي تجاه الأكراد، لا سيما العام الجاري، على الرغم من أنّها ليست بالجديدة، إذ إنّ التدخّل في كردستان العراقية يُمارس من قبل تركيا، منذ عهد صدّام حسين، باتفاقيات سياسية بين الجانبين.

اقرأ أيضاً: العراق قلق على المياه بعد هذا المشروع التركي

مثلت عملية "Claw-Eagle"، التي جرت منتصف حزيران (يونيو) الماضي، نقلة نوعية في النهج التركي تجاه الأكراد؛ إذ وصفها مراقبون بالجرأة الممنهجة ضدّ التمرّد الكرديّ المستمرّ منذ عقود.

تزايدت الهجمات التركيّة على إقليم كردستان العراق

قصفت تركيا، عبر هذه العملية، 81 منشأة يشتبه في أنّها تابعة لحزب العمال الكردستاني (الذي تصنفه تركيا كمنظمة إرهابية)، كما طال القصف موطن الإيزيديين في سنجار وجبال قنديل، باعتبارهما المعقلَين التقليديَّين للحزب تاريخياً. 

عقب هذه العملية بأيام قليلة، نقلت تركيا قواتها الخاصة، جواً وبرّاً، إلى منطقة حفتانين الحدودية، تمهيداً لعملية جديدة حملت اسم "Claw-Tiger"، التي أعلنت بعدها وزارة الدفاع التركية استهدافها 150 موقعاً جديداً، يشتبه في أنّهم تابعون للحزب أيضاً، وتمّ دعم هذه العملية بالطائرات الهليكوبتر والمسيرّة والمدفعيّة.

قوبلت العمليات التركية الأخيرة في شمال العراق بصمت من حكومة إقليم كردستان، فيما ندّدت به كل من جامعة الدول العربية والحكومة الفيدرالية

قبيل هذه العمليات المتتالية بعدّة أشهر، تحدثت وسائل الإعلام التركية المعارضة عن هجمات سرّية نفّذتها تركيا ضدّ حزب العمّال الكردستاني، وبسبب العلاقة المتوترة بين الحزب وحكومة الإقليم المحلية (KRG)، والروابط التجارية والاقتصادية القوية التي تجمعها بتركيا، كان الهجوم سلساً بالنسبة إلى الأتراك، الذين سُمح لهم من قبل حكومة الإقليم بالاحتفاظ بالقواعد العسكرية في المنطقة. 

اقرأ أيضاً: التمدّد التركي في العراق.. هل يقف عند حدود الاقتصاد؟

يحمل حزب العمال الكردستاني السلاح ضدّ الدولة التركية منذ الثمانينيات من القرن الماضي،  للقتال من أجل دولة كردية مستقلة، وفي حين أنّ هذا الهدف، يعود في الأساس لصالح الأكراد وقضيتهم، ما تزال تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تصنف الحزب كمنظمة إرهابية.

اقرأ أيضاً: تركيا تحتاج إلى زيارة الكاظمي أكثر من حاجة العراق... لماذا؟

أيضاً؛ نشرت صحيفة "الغارديان" البريطانية، تقريراً يفيد بأنّ هناك تنسيقاً بين النظامين التركي والإيراني، خاصة بالإغارة على معاقل حزب العمال الكردستاني، منذ مطلع العام الجاري، ووفق هذا التقرير صرّح رئيس بلدية حاجي عمران، فرزانق أحمد، لوكالة الأنباء المحلية "رووداو": "نشكّ في أنّ الجانبين (تركيا وإيران) ينسقان معاً؛ لأنّ هذه هي المرة الأولى التي تقصف فيها تركيا هذه المنطقة"، ويأتي هذا بعد أن استبقت نيران المدفعية الإيرانية، القوات التركية، وبادرت بالإغارة على مواقع الحزب، ليلة العملية الأخيرة، فيما تداولت وسائل الإعلام الأمريكية هذا الحدث، معتبرة إياها مناورة معقدّة ومنسقة دولياً.

الحرب الشاملة

تجدّدت الانتهاكات التركية، فجر السبت الماضي، بعد أن قصفت طائرات حربية للجيش التركي؛ مناطق حدودية تابعة لقضاء زاخو، شمال محافظة دهوك، الواقعة على بعد 100 كيلومترات شمال مدينة الموصل، استهدفت الهجمات مواقع ادّعت تركيا أنّها تابعة لمسلحي حزب العمال الكردستاني، في مناطق؛ نزدور ورويس وشيدن، وكشان وخيزافا، ومنين وأفلهي الحدودية.

قصفت طائرات حربية للجيش التركي؛ مناطق حدودية تابعة لقضاء زاخو، شمال محافظة دهوك

يستمرّ هذا التصعيد في إطار خرق الهدنة بين الجانبين، بعد أن انهارت محادثات السلام بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وزعماء حزب العمال الكردستاني، عام 2015، ما أدّى إلى تجدّد أعمال العنف في جنوب شرق البلاد، فيما تعرضت تركيا في السنوات القليلة الماضية لانتقادات واسعة نتيجة قتل المدنيين خلال حملات قصف على مواقع حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وغزو مناطق في شمال شرق سوريا، ويسيطر عليها المسلّحون الأكراد، المتحالفون مع حزب العمال الكردستاني.

الصحفي العراقي الكردي محمد حسين أحمد، لـ "حفريات": هناك اتفاقيات بين تركيا وبغداد، منذ عهد صدام حسين، سمحت بالتدخل التركي لمسافة 25 كم

وفيما قوبلت العمليات التركية الجديدة عبر شمال العراق بصمت من حكومة إقليم كردستان، كان هناك تنديد من قبل جامعة الدول العربية والحكومة الفيدرالية في بغداد. ويرى مسؤول الخدمة العربية، في وكالة "باسنيوز"، الكاتب الصحفي العراقي الكردي، محمد حسين أحمد، أنّ حزب العمال الكردستاني، الذي تحاربه تركيا منذ عقود خلت، قد أعطى تركيا كلّ المقومات التي يبرهنون بها هجماتهم على العراق أمام العالم، ورغم أنّه أمر ليس بالجديد، لكنّ التصعيد التركي أصبح مهدداً كبيراً للشمال العراقي، فيما يستمرّ الحزب في سياساته الخاطئة.

الصحفي العراقي الكردي محمد حسين أحمد

يتابع حسين، في تصريح لـ "حفريات": "هذا التدخّل مرتبط في الأساس بحزب العمال الكردستاني؛ إذ إنّ تركيا تعدّ هذه حجة للتدخل في إقليم كردستان، خصوصاً في المناطق الحدودية، إذاً تواجد حزب العمال الكردستاني هو سبب تدخّلها الأساسي، ولطالما استمرّ الحزب في تواجده المسلّح، سيبقى التدخل التركي، وهو تدخل قديم بالمناسبة، منذ عهد صدام حسين؛ حيث كانت هناك اتفاقيات بين بغداد وأنقرة تنصّ على أنّ القوات التركية مسموح لها دخول العمق العراقي، لمسافة 25 كيلو متراً، لمطاردة أعضاء الحزب، وهو ما يعني أنّ تركيا تصعّد نهجها ليس أكثر".

هل ما يزال الكرد حلفاء أمريكا؟

وفق مشروع بيانات الأحداث، ومكان النزاع المسلح (ACLED)، تكثفت العمليات التركية ضدّ حزب العمال الكردستاني، منذ بداية هذا العام وحتى أواخر أيار (مايو) الماضي، فيما وقعت 77٪ من الاشتباكات في مناطق عديدة من الشمال العراقي، وهو ما يعكس سعي تركيا لدفع القتال والاشتباكات، خارج نطاق حدودها الجغرافيّة، بينما استمرّت الحكومة التركية في حملتها القمعية ضدّ السياسيين والنشطاء، والمتعاطفين الأكراد الذين تتهمهم بصلاتهم بحزب العمال الكردستاني. واستمراراً لعملية القمع، قوبلت مسيرة نظمها حزب الشعوب الديمقراطي، تحت عنوان "العدالة والديمقراطية"، بعيد انطلاقها في جميع أنحاء البلاد، منتصف العام الجاري، بالحواجز والغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي من قبل قوات الشرطة التركية.

اقرأ أيضاً: لماذا لا تصفّي تركيا حساباتها خارج إقليم كردستان العراق؟

مثّلت الانتخابات الأمريكية بارقة أمل للكرد، الذين وقعوا بين قبضتَي النظام التركي بمزيجه القومي الديني؛ حيث تركهم الرئيس دونالد ترامب دون ظهير يحميهم من بطش الأتراك، وكان الأمل على بايدن الذي يعتقد الجميع أنّه سائر على خطى الرئيس الأسبق، باراك أوباما، الذي وصف باعتداله تجاه القضية الكردية، فيما يعتقد حسين أنّ هذا ليس صحيحاً، ويضيف: "بالنسبة إلى وضع تركيا مع مجيء بايدن، أعتقد أنّ تركيا حليف رئيس للولايات المتحدة؛ حيث هناك علاقة قوية تربط بين الدولتين، كأعضاء في حلف شمال الأطلسي، ولا أعتقد أنّ ذهاب ترامب سيغير هذه العلاقة، كما أنني على يقين بأنّ الرئيس التركي لا يقدم على ما يقدم عليه نحو الأكراد، خاصة في سوريا والعراق، إلّا بضوء أمريكيّ أخضر منح له مسبقاً".

اقرأ أيضاً: هل يشهد إقليم كردستان العراق "ربيعاً كردياً"؟

يستطرد حسين: "العلاقة التركية الأمريكية علاقة إستراتيجية، ولا يمكن أن تتأثر بهذه السهولة، ربما كان التغيير سطحي، لكن أعتقد أنّ العلاقات ستبقى إستراتيجية، فالحزب هنا يعطي المبرّر التركي للتدخل، أيضاً هذا التدخّل واحتلاله لمساحات واسعة من تل أبيض وعفرين وغيرها، بسبب الحزب وتدخلاته الخاطئة، وسياساته التي ربما تضرّ مشروع الأكراد، وتتسبّب في المزيد من الشتات والعزلة، أكثر مما تقدّم من إنجازات".

الصفحة الرئيسية