لماذا تعني نتائج الانتخابات العراقية الكثير لسياسة الولايات المتحدة؟

صورة علي عبدالأمير
كاتب وصحافي عراقي

1429
عدد القراءات

2018-05-21

كان من المفترض أن تبشر الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت السبت 12 أيار (مايو) الجاري بفصل جديد للبلاد؛ حيث تتقدم نحو استحقاق كبير لمعالجة الفساد المستشري، وعدم الاستقرار، والانقسام الاجتماعي والسياسي. تلك كانت الانتخابات الأولى منذ هزيمة داعش وما يسمى بدولة الخلافة. إنّها انتخابات تاريخية من نواح عدّة وشهدت 7000 مرشح يتنافسون على 329 مقعداً.

الانتخابات ليست دواءً لكل داء؛ فالعراق لا يزال غارقاً في الفساد المستشري والانقسامات العرقية والطائفية

الانتخابات في بلد واجه العنف والاضطرابات التي لا ينبغي التقليل من شأنها، تبدو تطوراً مهماً. ومع ذلك، فإنّ العراق لن يتحول إلى فصل جديد، على الأقل ليس بالطريقة التي تتوقعها الولايات المتحدة: لقد أنتجت الانتخابات فائزاً له تاريخ من العداء للولايات المتحدة: مقتدى الصدر، فضلاً عن النتيجة الضعيفة التي حققها رئيس الوزراء حيدر العبادي، والذي وصف في بعض الأحيان في واشنطن بأنه "رجل أمريكا في بغداد". علاوة على ذلك، ساعدت الانتخابات على تعزيز قوة الحشد الشعبي (الذي تقوده مجموعات الميليشيا القوية الموالية لإيران) والذي من المرجح أن يشدد مطالبه بالانسحاب الأمريكي من العراق.

مقتدى الصدر

حالات سيئة

على الرغم من الهوس الإعلامي والآمال الكبيرة المعولة عليه، "فشل العبادي في بداية جديدة -تخفف حدة التوترات العرقية والدينية وأخيراً تشكيل الإجماع الوطني الذي يحتاجه العراق بشدة". هكذا يرى الباحث من أصل كردي في "معهد بروكينغز" المؤثر على استشراف السياسات الأمريكية في مناطق عدة من العالم، رانج علاء الدين، معتقداً أنّ العبادي كان يأمل، أن يحقق نتيجة كبيرة ولكن في أسوأ انتخابات في العراق حتى الآن نتيجة لإقبال الناخبين الضعيف (نسبة التصويت 44.5 في المائة وهي أدنى مستوى لها منذ عام 2003).

ويشدد علاء الدين "قد يكون ذلك قد حطّم شرعية الديمقراطية التي كانت تتمتع بها الطبقة السياسية العراقية منذ عام 2003. ويعد إقبال الناخبين مهماً على وجه الخصوص في غياب سيادة القانون -وفي مواجهة المؤسسات الضعيفة- تعد العملية الانتخابية في العراق حاسمة بالنسبة لمساءلة الزعماء من قبل المواطن. ويعتبر التصويت من بين الوظائف القليلة للمساءلة التي ما تزال تحت تصرف الجمهور".

الانتخابات ليست دواءً لكل داء؛ فالعراق لا يزال غارقاً في الفساد المستشري والانقسامات العرقية والطائفية وسط المليشيات المتباينة التي عززت قبضتها على البلاد في أعقاب الانتخابات، وعلى حساب مؤسسات الدولة الضعيفة أو المختلة. "هذه ليست هي المقومات التي تجعل البلد الخارج من رماد الحرب أقوى وأكثر وحدةً" بحسب الباحث في مقالته التي نشرها في "بروكينغز" الجمعة الماضي.

كانت الآمال هي أن يتمكن العبادي من توجيه العراق إلى الأمام، لكن "ثمة صراعات أخرى برزت على مدى السنوات الثلاث الماضية، في ظل الحرب على داعش، فهناك الأزمة بين أربيل وبغداد وما ارتكبته الميليشيات الشيعية من فظائع طائفية ضد العرب السنة، فضلاً عن عجز العبادي على أن يصبح رئيس الوزراء الذي يرى فيه العراقيون عابراً للطوائف".

صعود الصدر مرة أخرى

ومع ذلك، فإنّ الانتخابات العراقية بشرت بفصل جديد للحركة الصدريّة المنتصرة، بقيادة رجل الدين مقتدى الصدر، إلى جانب ملايين من مؤيديه الشيعة الفقراء الذين فقدوا الثقة في طبقة سياسية أساءت إدارة الدولة العراقية ومواردها منذ عام 2003.

هنا يذكر الباحث علاء الدين بماضي الصدر "عرف مقتدى للعديد من الأمريكيين والأوروبيين كزعيم لـ (جيش المهدي) الذي قاتل القوات الغربية بعد سقوط نظام البعث في عام 2003. وأراق دماء الأمريكيين والبريطانيين على يديه. "قاوم الصدريون بقوة، ولا يزالون يقاومون، وجود أمريكا ونفوذها في العراق والمنطقة. لعب جيش المهدي دوراً مركزياً في تأجيج الصراع الطائفي المدمر في العراق، وانخرط في أنشطة إجرامية".

لعب جيش المهدي دوراً مركزياً في تأجيج الصراع الطائفي المدمر في العراق، وانخرط في أنشطة إجرامية

لقد قلب انتصاره سياسة أمريكا في العراق رأساً على عقب، وتواجه واشنطن الآن أزمة سياسية حادة في بلد استثمرت فيه دماء غزيرة وثروة كبيرة. لقد "ركزت السياسة الأمريكية في العراق منذ الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية منذ ثلاث سنوات إلى حد كبير على مكافحة الإرهاب وهزيمة داعش. سياسياً، أنفقت الولايات المتحدة أموالاً على رئيس الوزراء العبادي لاحتواء الجماعات الموالية لإيران وضمان أن لا يتحول العراق أكثر إلى المدار الإيراني، بل وغضت الطرف عن هجومه العسكري على حلفاء أمريكا منذ فترة طويلة: الأكراد".

صحيح إنّ مقتدى الصدر معروف الآن بمواقفه الوطنية العراقية والمعادية لإيران، كما فعل والده في تسعينيات القرن الماضي حتى اغتياله من قبل نظام صدام حسين 1999، لكنه يظل معادياً لأمريكا بشدة. "لقد أثارت حركته العديد من الميليشيات الشيعية التي ارتكبت فظائع ضد الأمريكيين والتي تسيطر اليوم على العراق، وكذلك شاركت في الخطوط الأمامية للحرب في سوريا فكانت هذه المجموعات محورية لتأمين بقاء نظام الأسد بالإضافة إلى تعزيز نفوذ إيران في المنطقة".

ضعف العبادي وتصاعد قوة الحشد الشعبي بقيادة الميليشيا القوية الموالية لإيران يعقد الوضع أمام السياسة الأمريكية

ضعف العبادي وتصاعد قوة الحشد الشعبي بقيادة الميليشيا القوية الموالية لإيران يعقّدان الوضع أمام السياسة الأمريكية من جهة، في حين أن فوز الصدر يعقّد الأمور بالنسبة لإيران من جهة أخرى.

هذا الوضع كان بحسب الباحث "حصيلة لحماقة دعم العبادي على حساب أصدقاء وحلفاء أمريكا فقد حققت إيران أداءً طيباً خلال فترة ولاية العبادي، بعد حصولها على مؤسّسة الحشد الشعبي وعلى موارد حكومية عراقية كبيرة. وستكون الآن واثقة من الحصول على ما هو أهم من النشاط التجاري: الانسحاب الأمريكي".

السياسة الأمريكية في العراق كانت سيئة للغاية وغير متماسكة

ماذا يمكن أن تفعله واشنطن؟

لدى الولايات المتحدة قصة نجاح في العراق، بعد أن تخلصت مما يسمى بـ "دولة الخلافة". لكن السياسة الأمريكية في العراق، من ناحية أخرى، كانت سيئة للغاية وغير متماسكة، "الآن أكثر من أي وقت مضى، أصبحت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران أكثر توتراً، لم تعد واشنطن قادرة على الاستمرار في ترك المشهد السياسي في العراق" فالنفوذ الإيراني والروسي يمكن أن تكون له أيضاً آثار على جهود الولايات المتحدة لمنع عودة ظهور داعش.

يمكن للولايات المتحدة اتخاذ شركاء طويلين مثل الأكراد والسنة العرب والفصائل الشيعية المتحالفة معها

ويرى الباحث "يمكن للولايات المتحدة أن تبدأ باتخاذ شركاء على المدى الطويل مثل؛ الأكراد والسنة العرب والفصائل الشيعية المتحالفة مع الولايات المتحدة كأمر مسلم به. وهذا يعني تبني نهج تدخلي قوي تحاول فيه واشنطن مضاهاة الجهود العدوانية الإيرانية في تشكيل نتائج الانتخابات. على وجه التحديد، يمكن لواشنطن أن تبني تكتلاً منحازاً للولايات المتحدة يدعمه أولاً الأكراد العرب والسنة الخائفون من إيران وترددهم في توحيد صفوفهم مع خصوم العبادي الموالين لإيران مثل؛ هادي العامري (الحشد الشعبي) ونوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي السابق المثير للجدل. ثانياً، يمكن أن تدعم أمريكا كتلة برئاسة العبادي بعد ضمان تقديمه تنازلات للأكراد والسنة العرب".

اقرأ المزيد...

الوسوم: