الرئيس السوري في مأزق..فماذا يفعل؟

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي

11855
عدد القراءات

2018-06-14

تغيرات المشهد السوري تشي بأنّ الأسد حقق انتصارات على معارضيه من داعش والقاعدة، بإخراجهم من المدن الرئيسة، خاصة في محيط دمشق (الغوطة ودوما ومخيم اليرموك)، وإن كان عبر اتفاقات عنوانها نقل المسلحين وعائلاتهم إلى مناطق أخرى، خاصة إدلب، إضافةً إلى استعادته السيطرة على أكثر من ثلثي الأراضي السورية، واستمرار قدرة جيشه، بالتعاون مع حلفائه، خاصة من المليشيات الإيرانية، على مواصلة القتال مع خصومه، وإدامة الاشتباك مع المعارضة المسلحة، بفتح معارك جديدة، خاصة في الجنوب السوري، كما يتردد حالياً، رغم محاذير هذه المعركة لارتباطها بأهم حليفين للولايات المتحدة، وهما إسرائيل والأردن، في ظلّ اتفاق خفض التوتر الذي تم إنجازه قبل أكثر من عام بين أمريكا وروسيا والأردن (خارج اتفاقات أستانا) قدمت خلاله روسيا ضمانات بمنع وصول المليشيات الإيرانية إلى الحدود مع الأردن وإسرائيل.

مأزق الأسد في تحديد خياراته بين القيادة الروسية أو القيادة الإيرانية يمثل لحظة حقيقة مؤجلة بالنسبة إليه وحان موعدها

بمعزل عن احتمالات انطلاق معركة الجنوب السوري، إنّ تطورات المشهد في سوريا ومعطياتها تؤكد حقيقة المقولة التي تزعم أنه: كلما اقترب الشروع بخطوات جادة نحو التسوية في سوريا، وتحديداً بين لاعبي الدرجة الأولى في القضية السورية، وهما الولايات المتحدة وروسيا، وبين لاعبي الدرجة الثانية من إيران وتركيا ودول الاتحاد الأوروبي، فإنّ ذلك يعني أنّ مستقبل النظام السوري أصبح على طاولة البحث، باعتباره ملفاً لا يقل أهمية عن ملفات مكافحة الإرهاب ووحدة سوريا، في إطار الفدرالية المطروحة من قبل روسيا، أو تقسيمها، كما تشير مخرجات السياسات الأمريكية في سوريا.

بقاء الأسد في الحكم لم يعد قضية مطروحة كما كان عليه قبل سنتين

يدرك الأسد أنّ مسألة بقائه في الحكم، خاصة في المرحلة الانتقالية المزمع تطبيقها في سوريا، كقاسم مشترك بين القوى الدولية، لم تعد بشكل عام قضية مطروحة، كما كانت عليه قبل سنتين، سواء من قبل قوى المعارضة السورية ومنصاتها، أو الجهات التي تدعمها، لكن المطروح، دولياً وإقليمياً، مساومة الأسد باشتراطات تشكل الاستجابة لها تغييراً في بنية الدولة السورية واتجاهاتها المستقبلية، بما في ذلك كافة مفاصل الإدارة العامة للدولة، وعلاقة الدولة بمواطنيها، إضافة إلى علاقاتها الإقليمية والدولية، وعلى رأسها العلاقة بإسرائيل، ومستقبل التسوية معها والموقف منها.

مأزق الأسد بدأ بالتغيير الذي شهده الموقف الروسي تجاه القضية السورية، منذ الضربة الصاروخية الثلاثية التي نفذتها الولايات المتحدة بالتعاون مع فرنسا وبريطانيا، في أوائل نيسان الماضي، وما تبع ذلك من تصعيد إسرائيلي في توجيه ضربات صاروخية محددة تستهدف قواعد ومنشآت لمليشيات إيرانية، في محافظات حماة وحمص ودمشق في سوريا، ومن الواضح أنّ استثناء الجيش السوري من الاستهداف، واقتصار هذا الاستهداف على إيران، تضمَّن رسائل عسكرية وسياسية إسرائيلية بأن المستهدف في هذه الضربات الوجود الإيراني في سوريا، بالتزامن مع تصريحات إسرائيلية معلنة، ورسائل تم تمريرها عبر روسيا، تتضمن وقف استهداف النظام السوري، مقابل إخراج إيران من سوريا.

القضية السورية على أهميتها بالنسبة للقيادة الإيرانية أحد أبرز أوراقها التفاوضية في ظل الضغوط التي تتعرض لها

المتغير النوعي في المشهد السوري، يتمثل بالموقف الروسي الجديد الذي أنجز بالتوافق مع أمريكا وإسرائيل، إن لم يكن صفقة، فعلى الأقل هو تفاهم إستراتيجي يتضمن الموافقة على تحجيم النفوذ والتواجد الإيراني في سوريا، تمت ترجماته الأولية بهذا السكوت الروسي على الضربات الإسرائيلية، واستدعاء الأسد إلى سوتشي، وعقده لقاء قمة مع الرئيس بوتين، أكدت روسيا خلاله على مطلبين هما: البدء بالتسوية السياسية عبر الأمم المتحدة بمناقشة الدستور السوري الجديد، بالتزامن مع إخراج القوات الأجنبية من سوريا، ورغم الشروحات اللاحقة للمقصود بالقوات الأجنبية، إلا أنّه من المؤكد أنّ روسيا تستثني قواتها، ولا يشمل هذا الاستثناء القوات الإيرانية وميليشياتها، بما فيها ميليشيات حزب الله اللبناني، وهو ما تدركه القيادة الإيرانية التي هاجمت بعض أوساطها المواقف الروسية، وما وصفته بالتخاذل الروسي بالدفاع عن حليفها من القوات والتشكيلات العسكرية الإيرانية، ومن الواضح أنّ الأيام القادمة ستقدم شواهد أكثر وضوحاً وعمقاً على تغييرات في الموقف الروسي تجاه الوجود الإيراني في سوريا.

يشكل الوجود الإيراني في سوريا ورقة إستراتيجية بيد الأسد في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية

مأزق الأسد في تحديد خياراته بين القيادة الروسية أو القيادة الإيرانية، يمثل لحظة حقيقة مؤجلة بالنسبة إليه حان موعدها، يدرك معها أنّ موازين القوى الدولية، وتطورات القضية السورية منذ الدخول العسكري الروسي إلى سوريا، أواخر عام 2015، تجعله أكثر ميلاً للانحياز إلى روسيا، إلا أنّ الرهانات على هذا الصعيد غير مضمونة النتائج، باتجاه تخلي الأسد بسهولة عن تحالفه مع إيران؛ فمن جهة يشكل الوجود الإيراني في سوريا ورقة إستراتيجية بيد الأسد، في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، والأهم الضغوط التي ستمارسها روسيا عليه، إضافة إلى أسباب خارجة عن سيطرة الأسد تتمثل بالاختراقات الإيرانية الواسعة للمستويين؛ السياسي والعسكري الأمني، في الحكم السوري، والذي تمكنت إيران من خلاله من "شرعنة" تواجدها في سوريا، عبر عقود طويلة الأجل، في مجالات الاستثمار في كافة القطاعات الحيوية، وتغييرات في بنية المجتمع السوري وديمغرافيته.

ورغم ذلك، تبقى القضية السورية، على أهميتها بالنسبة إلى القيادة الإيرانية، أحد أبرز أوراقها التفاوضية، على خلفية الضغوط التي تتعرض لها بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، والعقوبات الاقتصادية المتوالية ضدّ إيران والحرس الثوري الإيراني، تحت مبررات تدخل إيران في شؤون الدول الأخرى، وزعزعة الأمن الإقليمي، ومن المرجح أنّ الاتجاهات المستقبلية للتواجد الإيراني ستبقى مرتبطة بهذا العامل، إضافة إلى عوامل أخرى؛ في مقدمتها نتائج الضربات والغارات الإسرائيلية ضدّ الأهداف الإيرانية في سوريا، رغم أنّ الحرس الثوري يشكل النسبة الأقل بين القوات التابعة لإيران في سوريا، من مليشيات باكستانية وأفغانية، وهو ما يتيح له حجم مناورة أوسع في سوريا.

اقرأ المزيد...

الوسوم: