الجاذبية الديمقراطية الأمريكية.. ما الجديد لدى بايدن؟

الجاذبية الديمقراطية الأمريكية.. ما الجديد لدى بايدن؟

مشاهدة

24/02/2021

"لقد أهان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الولايات المتحدة، وتخلى عن القيم الديمقراطية التي تمنح أمّتنا قوّتها وتُوحِّد صفوفنا كشعب"، هذا كلام الرئيس الأمريكي الجديد بايدن، الذي يحاول ترميم كلّ ما أفسده سَلَفه، أمّا التاريخ القبيح والسيّئ للديمقراطية الأمريكية في طول العالم وعرضه، فالحديث عنه غير مهم، الأهمّ هي الديمقراطية التي تكرّس قوة الأمّة الأمريكية، أمّا أمم العالم الأخرى، فديمقراطياتها الصغيرة قليلة الخبرة بالحرّيات والعدالة والمساواة، وكثيرة الخبرة بالسلطوية والاستبدادية، فهي ذات شأن آخر.

هذا الشأن الآخر هو الذي جعل الرئيس السابق باراك أوباما على المستوى النظري يعلن التزامه الدائم بالمُثُل الديمقراطية ورفع مستوى الشجاعة السياسية على حدّ تعبيره، لقد أعلن في أيار (مايو) 2011 أنّ "جيلاً جديداً انبثق وصوته يقول لنا إنه لا يمكن رفض التغيير، وإنّ سياسات القمع لن تجدي بعد اليوم"، يعني أنّ الإصلاح والديمقراطية والحرّية خيارات حتمية ومعزّزة بالروح الديمقراطية الأمريكية وقوتها وهيبتها لا هيمنتها على العالم، لكن ماذا حدث؟ باختصار لم يحدث شيء، كلّ ما هنالك أنّ مثل هذه الدعوات والخطابات المجرّدة تأتي في سياق جديد مع رئيس جديد يستلزمه الظرف، ويتطلب منه أن يكون ديمقراطياً ومتفائلاً وباعثاً لروح التفاؤل في مجتمعات عالمية لطالما عانت من خيبات الديمقراطيات المزعومة.

تصريحات بايدن دعوات وخطابات مجرّدة تأتي في سياق جديد مع رئيس جديد يستلزمه الظرف

ليس أوباما الوحيد الذي تستعصي عليه خيبات الشرق الأوسط تحديداً، يعلن دعم الإصلاحات والديمقراطيات، ويضمر أو ربما يكون مجبراً على أن يضمر خلاف ذلك، فالشرق الأوسط حالة سياسية مصابة بالعطب المزمن، جورج دبليو بوش أيضاً، في خطاب تنصيبه الثاني في العام 2005، اعتبر أنّ حرّية أمريكا والأمريكيين تعتمد على صناعة الحرّية وازدهارها في العالم، وتحديداً في الشرق الأوسط دولاً وشعوباً ومجتمعات.

الجميع يبدو مأخوذاً بهذا النهج من التصريحات عن الديمقراطية والحرّية، صحيح أنهم لا يمكن أن يقولوا خلاف ذلك، سيبدو الأمر غباءً وسذاجة عميقة، لكن أيضاً ليس علينا أن نصدّق كل ما يقال، سيبدو ذلك أيضاً غباءً وسذاجة. 

اقرأ أيضاً: مسلسل Wild Wild Country: يُسائل الديمقراطية الأمريكية

في مقال سابق هنا في "حفريات"، قلت: إنّ الشرق الأوسط لم يعد ذا جاذبية كبيرة، بحكم كل ما فيه من قلق وتوتر، لكن أيضاً هذا لا يضر بأن يبقى على مستوى بؤرة ساخنة وقلقة وتلد فيه الأزمات أخواتها باستمرار، كلما كانت في هذه البيئة خصوبة مناسبة لولادة الأزمات والحروب والفتن والعنف والإرهاب. 

قبل عامين، ثار جدل سياسي حول عنوان اجترحته الكاتبتان تامارا كوفمان ويتس المسؤولة في وزارة الخارجية، ومارا كارلين المسؤولة في البنتاغون في عهد الرئيس باراك أوباما، قالتا إنّ "الشرق الأوسط أصبح أقلّ أهمية من ذي قبل"، واعتبرتا أنّ الاهتمام بهذه المنطقة هو نوع من أنواع الهوس، واعتبر بعض الباحثين في ذلك الوقت أنّ هذه نصيحة جيدة ومجانية لجو بايدن، فقد كان في تلك الفترة مجرّد رئيس محتمل للولايات المتحدة الأمريكية، أمّا وقد أصبح فعلاً رئيساً، فهو أمام خيار الابتعاد قليلاً عن هذه المنطقة المستعصية، حتى لا تجرّه إلى حروب مثلما فعلت مع أوباما، أو تصيبه بالكوابيس المرضية وصناعة الكراهية كما فعلت مع ترامب.

الجميع يبدو مأخوذاً بهذا النهج من التصريحات عن الديمقراطية والحرّية لكن ليس علينا أن نصدّق كل ما يقال

بالرغم من هذه النصيحة الجيدة، أن يترك بايدن المنطقة وشأنها، وألّا ينخرط فيها بهوس شديد وتمنيات مفرطة، لا أظن أنه سيفعل ذلك بحذافيره، قد يتردد أو يتباطأ أو يجعلها خارج الأولويات الملحّة، لكنه لن يتركها وشأنها تماماً، وفي السياق نفسه، لا أعتقد أنه سيكون جاداً وحقيقياً في دعوته وطموحاته وعزمه على مواجهة الاستبدادية بالديمقراطية، ومعالجة وباء السلطوية بالحرّية والإصلاح والانفتاح، فهو يمتلك صيغة تفكير واقعية حتى حينما كان نائباً للرئيس أوباما، وملتزم بالمصالح الموضوعية للأمّة الأمريكية.

لطالما كان أيّ سلوك أمريكي - سياسياً كان أم عسكرياً – ضرورياً له ما يبرره، وحتى ما يستوجبه ويجعله ضرورياً وحاسماً، كان على سبيل المثال ضرورياً بالنسبة إلى الحسابات الأمريكية أن تدعم أكثر من 70% من دكتاتوريات العالم دعماً عسكرياً، بالسلاح والتدخل والقواعد والجنود، فمن لديه استعداد لأن يبدو ساذجاً ويصدق أنّ أمريكا جادّة قولاً وفعلاً في إحباط دكتاتوريات وسلطويات العنف والشر، ودعم الديمقراطيات الصغيرة في العالم وتعزيز إصلاحاتها السياسية وإعلاء طموحاتها بالقيم الإنسانية والحضارية العليا؟ وعلى قاعدة "وشهد شاهد من أهلها"، يعتبر البروفيسور ستيفن م. والت من جامعة هارفارد أنّ معظم جهود الولايات المتحدة  الرامية إلى تعزيز الديمقراطية في الخارج تنتهي بالفشل، وأنّ أكثر من 30% من الديمقراطيات في العالم أحبطت تماماً وتدهورت في العقود الـ3 الماضية.

هل يستطيع بايدن أن يتجاوز كلّ هذا التاريخ من الإخفاق والتدهور، ويبشر بحقبة جديدة؟

هل يستطيع بايدن أن يتجاوز كلّ هذا التاريخ من الإخفاق والتدهور، ويبشر بحقبة جديدة وصيغة جديدة لوصفة ديمقراطية لدول العالم التي تعاني من السلطوية؟ هل يستطيع ذلك حقاً؟ وهل جدّية بايدن حقيقية بهذا الاتجاه؟ حتماً لا أحد يعتقد ذلك جازماً، استناداً إلى كلّ ما سبق، ليس في هذا المقال، وإنما كلّ ما سبق من سياسات وخيارات وصيغ ووصفات ديمقراطية أمريكية مشوشة.

كل الدول التي تتلقى توجهات بايدن الديمقراطية برحابة صدر تعلم أنها تقدّم خيارات بديلة لكي تتناسب فقط مع هذه الإشاعة الأمريكية، لا لكي تتناسب مع تطلعات شعوبها ومستقبل دولها.

الصفحة الرئيسية