الاتحاد الأوروبي يوجه إنذاراً لأنقرة.. ما القصة؟

الاتحاد الأوروبي يوجه إنذاراً لأنقرة.. ما القصة؟

مشاهدة

23/02/2021

يبدو أنّ سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تذهب بتركيا إلى مستقبل مجهول، فمغامراته السياسية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط تركت آثارها الغائرة على قوة ومتانة الاقتصاد التركي، وتحت ذريعة إنعاش الاقتصاد لجأت الحكومة إلى تحويل تركيا إلى ملاذ ضريبي على أمل ضخ مليارات من العملة الأجنبية تكون سبباً لتعافي الاقتصاد التركي، مع غضّ الطرف عن احتمالية أن تكون تلك الأموال "قذرة" أم لا، معرّضاً بسمعة بلاده للاتهام.

وقبل أكثر من عام، اتهمت 6 دول أوروبية هي (ألمانيا والنمسا وبلجيكا وفرنسا وهولندا وقبرص) تركيا أنها تحوّلت إلى ملاذ للتهرّب الضريبي، ولا تحترم المعايير الدولية بشأن التبادل التلقائي للمعلومات الضريبية، حيث يعيش 5 ملايين تركي من أصل 7 ملايين يقطنون في الاتحاد الأوروبي، وقبل عام أعطى الاتحاد الأوروبي أنقرة فرصة لتسوية وضعها، على أن تكون قبل نهاية عام 2020، وفقاً لشروط الاستراتيجية المعلنة مسبقاً بشأن الملاذات الضريبية، إلّا أنّ تركيا لم تحترم هذه المهلة، متحدثة عن عمليات تحقق شاقة لتحديد مقرّ الإقامة الضريبية لملايين المواطنين الأتراك الذين يقطنون في دول الاتحاد.

قبل أكثر من عام اتهمت 6 دول أوروبية تركيا بأنّها تحوّلت إلى ملاذ للتهرّب الضريبي

 وكان يتعين على الاتحاد الأوروبي إدراج تركيا على القائمة السوداء في بداية هذا العام، لكنه فضّل توجيه إنذار إلى أنقرة وإمهالها مرّة أخيرة إلى حزيران (يونيو)2021 لتسوية وضعها، مؤكداً على لسان وزير المال البرتغالي "جواو لياو" الذي تتوّلى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، في مؤتمر صحافي، أنّ الدول الأعضاء الـ27 توافقت الثلاثاء على "تحديث اللائحة السوداء"، ولم يتمّ إدراج تركيا، مع منحها مهلة نهائية لتلبية متطلبات الشفافية الضريبية، محاولة تجنب خلاف سياسي آخر مع الحكومة أو إضعاف مصداقيتها في مكافحة التهرب الضريبي.

الدكتور مصطفى أبو زيد مدير مركز مصر للدراسات الاقتصادية

لا يتوقع الدكتور مصطفى أبو زيد مدير "مركز مصر للدراسات الاقتصادية" أن تلتزم تركيا بالمهلة المقررة، أو الوفاء بتعهداتها، مؤكداً في تصريحه لـ"حفريات" أنّ "الاقتصاد التركي يكاد يكون منهاراً، وأنّ تلبية متطلبات الشفافية الضريبية كما تريدها المنظمات الدولية سيعصف باقتصاد تركيا الذي لا يتحمّل انسحاب مليارات من النقد الأجنبي منه، وهو ما تدركه الدول الأوروبية، وكذلك تركيا"، لذا من المتوقع ألّا تتمكن أنقرة من الوفاء بتعهداتها للاتحاد الأوروبي.

-    الاتحاد الأوروبي أمهل تركيا مرّة أخيرة إلى حزيران قبل إدراجها على القائمة السوداء 

ويعلّل ذلك "بممارسات تركيا السياسية في عهد أردوغان، التي تركت آثارها على الاقتصاد بشكل سلبي للغاية، وفي سبيل التعافي سمحت الحكومة بمعاملات اقتصادية، يُشك أنّ بعضها غير مشروع، ممّا قد يوقعها تحت تصنيف "الملاذ الضريبي"، فقد سبق أن حدّدت المنظمة الاقتصادية للتعاون والتنمية 4 معايير، قالت إنها إذا اجتمعت في بلد، صُنف على أنه ملاذ ضريبي، وهي: ضرائب ضئيلة أو غير موجودة أصلاً، وغياب الشفافية في النظام المالي، وغياب تبادل المعلومات المالية مع البلدان الأخرى، واستقطاب شركات اسمية ذات نشاطات وهمية.

وحول سبب خوف الاتحاد الأوروبي من تحوّل تركيا إلى ملاذ ضريبي، أضاف أبو زيد: إنّ وجود ملاذات ضريبية يضرّ بالاقتصاد العالمي، وعلى وجه الخصوص اقتصاد دول الاتحاد الأوروبي، وإنّ أيّ ثغرة اقتصادية تسبب خسائر لباقي الدول، لذا لا يُسمح لأيّ دولة بالاتحاد بإيواء الأفراد أو الشركات الفارّة من المنظومات الضريبية لبلدانها الأصلية، أو تسمح بتبييض الأموال المتدفقة عليها من كافة أرجاء العالم، والتي لا يُتحقق من مصادرها، أو تساهم في تهرب ضريبي أو غسيل أموال، فهذا يتسبب في  تضييع الكثير من الأموال على الحكومات، ويزيد من أعبائها المالية ويضعف قدراتها الاقتصادية، كما ظهر بشدّة مع جائحة كورونا، فقد وجدت بعض البلاد صعوبة في تمويل برامجها الاقتصادية والاجتماعية جرّاء ذلك، ولذا فالدولة التي يثبت اتهامها يتمّ وضعها في "القائمة السوداء".

الدكتور مصطفى صلاح الباحث في السياسة الدولية

وحول طبيعة العقوبات التي يمكن أن يفرضها الاتحاد الأوروبي على تركيا، في حال تمّ إدراجها على القائمة السوداء، أفاد أبو زيد "أنّ المساندة التي لاقتها تركيا من ألمانيا في السابق لن تتوفر في المستقبل، وهناك اجتماع في آذار (مارس) القادم سيتمّ فيه تحديد العقوبات المناسبة على تركيا في حال اتهامها، والتي تشمل رفض انضمامها للاتحاد الأوروبي، مع إنزال عقوبات اقتصادية أكثر صرامة على صادرات تركيا للدول المجاورة".

مصطفى أبو زيد: تلبية متطلبات الشفافية الضريبية كما تريدها المنظمات الدولية سيعصف باقتصاد تركيا

من جانبه، يرى الباحث في السياسة الدولية، الدكتور مصطفى صلاح، أنّ "إنذار الاتحاد الأوروبي لتركيا يتجاوز الموقف الاقتصادي إلى رسم سياسة إقليمية جديدة يتقلص دور أنقرة فيها إلى حدٍّ بعيد"، مضيفاً في تصريحه لـ"حفريات": "إنّ الأزمات الاقتصادية الداخلية التي تعاني منها تركيا جرّاء سياساتها التوسعية في محيطها الإقليمي، والتدخل في شؤون بعض البلاد داخلياً، ممّا فرض عليها بعض العقوبات الأوروبية والأمريكية، ومقاطعات اقتصادية من بعض الدول العربية، دفع تركيا إلى اتخاذ هذا النهج الاقتصادي الذي يقوم على جذب رؤوس الأموال لإظهار أنّ الاقتصاد التركي متعافٍ، وقادر على مواجهة الصعوبات من خلال إنشاء شركات وهمية، أو السماح للشركات متعدّدة الجنسيات بالاستثمار من خلال البوابة التركية".

ويؤكد صلاح أنّ "الاتحاد الأوروبي جادٌّ في إحكام قبضته على تلك الأموال وعوائدها الضريبية، عبر مواجهة الملاذات الضريبية، إمّا بإخضاعها لمنظومة اقتصادية متعاونة أو بملاحقتها بعقوبات اقتصادية، وعلى وجه الخصوص مع إدارة الرئيس الأمريكي "بايدن" الجديدة التي أعادت قدرة الاتحاد الأوروبي على توقيع عقوبات على الدول التي تتجاوز قراراتها، بخلاف سلفه ترامب".

الباحث والمحلل الاقتصادي  محمد نجم

ولفت صلاح إلى أنّ "تركيا لعبت على التناقضات بين سياسات الإدارة الأمريكية السابقة والاتحاد الأوروبي، ما سمح لها بمساحة واسعة لتحركاتها الإقليمية، ومن المتوقع أن يتراجع التأثير السياسي لتركيا في دول محيطها الإقليمي إلى درجة كبيرة، وهناك مؤشرات لهذا التراجع، ففي الأيام الماضية أعلنت تركيا عن عملية عسكرية لها داخل الأراضي العراقية باسم "مخلب النسر 2"، غير أنها أعلنت عن إلغائها بعد 4 أيام فقط، بعدما وصلت إليها إشارات من الإدارة الأمريكية بأنّ هذا المسلك غير مقبول حالياً"، وأكد صلاح أنّ الصورة "أصبحت جلية الآن، وأنّ تحركات الاتحاد الأوروبي ضد تركيا لا تشمل فقط الشق الاقتصادي بل السياسي والعسكري، وهي تحركات جادّة  ومصيرية، ولها ما بعدها".

اقرأ أيضاً: المسلمون في أوروبا وقضيّة الاندماج: لماذا يتفاوت الأمر من دولة إلى أخرى؟

الباحث والمحلل الاقتصادي، محمد نجم، يذهب أيضاً إلى أنّ إنذار الاتحاد الأوروبي لتركيا وضعها في مأزق شديد، "فأيّ خيار له تبعاته وأضراره على الاقتصاد التركي، وهذا المأزق يُسأل عنه أردوغان بشكل أساسي"، مؤكداً في حديثه لـ"حفريات" إلى أنّ "ما تعانيه تركيا أكبر بكثير من اتهام بعض الدول الأوروبية لها بأنها غير متعاونة في الملف الضريبي".
وأشار إلى أنّ اقتصاد تركيا يعاني بشدة في آخر 3 أعوام؛ "رحلة المعاناة بدأت منذ 2018 إبّان أزمة القس برانسون، ثمّ لاحقتها أزمة تدهور وانهيار العملة التركية آنذاك، ثمّ تلتها أزمة سياسية مع الاتحاد الأوروبي، وكانت ثالثة الأثافي خلافاتها مع دول الخليج العربي الرئيسية: السعودية والإمارات، إضافة إلى أزمتها القديمة مع مصر الممتدة من العام 2013 حتى الآن".

وأضاف نجم: إنّ ما تعرّضت له تركيا مؤخراً جرّاء أزمة كورونا، كشف إلى حد بعيد الغطاء الأخير عن عورة الاقتصاد التركي، فبسبب السياسات العدائية الأردوغانية في المنطقة، سواء ناحية الجنوب والعالم العربي أو الشمال والعالم الغربي، شهدت تركيا أعلى معدلات للتضخم وأوّل ركود اقتصادي منذ 10 أعوام، وأعلى معدل بطالة، وأسوأ مستوى للنقد الأجنبي، وتدهوراً حادّاً في العلاقات الدبلوماسية مع الدول الجارة جميعها، ومحاولاتها لجذب الاستثمار عن طريق تخفيض الوعاء الضريبي للشركات متعددة الجنسيات، أو عبر إنشاء شركات وهمية تمارس أنشطة اقتصادية تسبب ضرراً شديداً لدول الاتحاد الأوروبي، الذي يُعدّ أكبر مستثمر أجنبي في تركيا، وأكثر الأسواق المستوردة والمصدرة من تركيا وإليها، فضلاً عن أنّ البنوك الأوروبية، وعلى وجه الخصوص (الإسبانية والإيطالية والألمانية والبرتغالية) هي أكبر مموّلي الشركات التركية العامة والخاصة".

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف في أوروبا يزيد وتيرة جرائم الكراهية ضد المسلمين
وأوضح نجم أنّ "انتهاج تركيا لمنظومة ضرائبية ومختلفة عن الاتحاد الأوروبي سيعود بالضرر على العائدات الضريبية لكثير من الدول الأوروبية، ما يعرّضها لعقوبات اقتصادية قاسية، وإذا تعاونت في كشف قوائم المتعاملين معها، فسوف تهرب الاستثمارات إلى غيرها، ما قد يسبب ضرراً بالغاً في البنية الاقتصادية لتركيا، ولأنّ العلاقات التركية ـ الأوروبية لا ينقصها مزيد من معاول الهدم لكي تصل إلى مرحلة الانهيار الكامل، فمن المتوقع أن تخضع تركيا لقرارات الاتحاد الأوروبي مع طلب المساندة الاقتصادية، هذه المساندة لن تأتي في ظلّ السياسات التوسعية التركية، وسيكون عليها حلّ الخلافات والملفات العالقة بينها وبين فرنسا واليونان وقبرص، وربما سنشهد تحوّلاً في سياسة تركيا نحو مزيد من الاهتمام بالشأن الداخلي أكثر من الشأن الإقليمي".

وكان تقرير منظمة الشفافية الدولية بفرنسا، أكد على ضرر الملاذات الضريبية، وعددها حوالي 50 منطقة في العالم حالياً، والتي تحوّلت إلى حاضنات لنحو 10 ترليونات دولار من الأصول المالية، فيها أكثر من 400 مؤسسة مصرفية، ونحو ثلثي صناديق الاستثمار، ونحو مليوني شركة في العالم، وتضمّ فيما بينها قرابة 10 ترليونات دولار؛ أي ما يعادل 4 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا.
يُذكر أنّ القائمة السوداء تمّ إنشاؤها بهدف مكافحة التهرب الضريبي من جانب الشركات متعددة الجنسيات وأصحاب الثروات الكبيرة، في كانون الأول (ديسمبر) 2017، بعد فضائح عدة من بينها أوراق بنما ولوكس ليكس، فأصبح التصدي للتهرب الضريبي على سلّم أولويات الأجندة السياسية العالمية، فالدول أو المناطق التي تمنح إعفاءات أو تخفيضات ضريبية للأثرياء من الأفراد والشركات لجذب الأموال والاستثمارات إليها، تسبب أضراراً اقتصادية عالمية، وفي سبيل جذب الاستثمارات تقدّم تسهيلات ضرائبية للشركات أو لرجال الأعمال وحماية وحصانة من ملاحقات محققي ومحصلي الضرائب الدوليين؛ إذ يصعب على هؤلاء متابعة أموال الأثرياء التي يمكن أن تكون خاضعة لضرائب كبيرة في بلدانهم الأصلية.

الصفحة الرئيسية