الأبعاد الإيرانية في تفجيرات بغداد

الأبعاد الإيرانية في تفجيرات بغداد

مشاهدة

23/01/2021

يطرح التفجير الانتحاري المزدوج الذي أعلن تنظيم داعش عن تنفيذه في بغداد أول من أمس، وذهب ضحيته عشرات القتلى ومئات الجرحى، العديد من التساؤلات حول توقيته والجهة المستفيدة من هذا التفجير، خاصّة أنه جاء بعد أكثر من عامين على إعلانات عراقية وأمريكية وإيرانية حول تخفيض مستويات خطر داعش، بل إنهاء التنظيم، بالتزامن مع جهود تقوم بها الحكومة العراقية بقيادة رئيسها مصطفى الكاظمي لاستعادة سلطة الدولة، والتنازع على هذه السلطة مع قوات الحشد الشعبي العراقي المدعومة إيرانياً، التي لم تخفِ ليس شكوكها بخطط الكاظمي فحسب، بل الإعلان عن وقوفها ضدّ مشروعه، خاصّة بعد اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، في بغداد ومعه نائب قائد الحشد الشعبي العراقي.

 

العلاقة بين القيادة الإيرانية وتنظيمي القاعدة وداعش في العراق ثابتة أكدتها وثائق عراقية وأمريكية عبر سلسلة طويلة من التحقيقات الأمنية

جهات عديدة داخل العراق وخارجه مستفيدة من هذه العملية، قاسمها المشترك هو القيادة الإيرانية بالدرجة الأولى، خاصّة أنها تزامنت مع تسلم الديمقراطيين الحكم في أمريكا، وتالياً جملة من المؤشرات التي تؤيد هذه المقاربة:

 أوّلاً: خلافاً لما يعتقد كثيرون، بالاستناد للتناقض المذهبي، فإنّ العلاقة بين القيادة الإيرانية وتنظيمي القاعدة وداعش في العراق ثابتة أكدتها وثائق عراقية وأمريكية عبر سلسلة طويلة من التحقيقات الأمنية، بدأت منذ هروب قيادة القاعدة إلى إيران، والاتفاق المبرم بين أسامة بن لادن زعيم القاعدة، وبين المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي، بتأمين مأوى لقيادات القاعدة مقابل التزامها بعدم مهاجمة الشيعة والأماكن المقدّسة في العراق، والمتفجرات والأسلحة الإيرانية التي تمّ ضبطها لدى القاعدة في العراق قبل ظهور داعش.

اقرأ أيضاً: ميليشيات إيران تحيل أرض العراق إلى مقابر جماعية

ثانياً: الدور الإيراني في انطلاق داعش من العراق، والذي تمّ عبر مراحل، في مقدمتها توفير الأرضية بإذكاء الطائفية خلال حكومة المالكي، وما أثبتته تحقيقات عراقية لاحقاً بأنّ سيطرة داعش على أجزاء واسعة من العراق، وخاصة في المناطق السنّية بما فيها الموصل، كان بترتيبات من "قاسم سليماني"، والتي بدونها لم يكن بالإمكان تأسيس الحشد الشعبي العراقي، الذي عزّز مقولات مذهبية إيرانية حول "التصوّر الشيعي للسنّي بوصفه قاتلاً تكفيرياً وبعثياً".

ثالثاً: عملية داعش ذات التفجيرالانتحاري المزدوج في منطقة شعبية غالبية سكانها من المواطنين البسطاء من الشيعة، تأتي في سياقات عنوان مشروع يقوده الكاظمي جوهره إنهاء الوجود الإيراني في العراق، وخلافات وصراع بين الأجهزة الحكومية وفصائل الحشد الشعبي العراقي الرافضة لهذا المشروع، وتهديدات للكاظمي بتصفيته واغتياله، وتكرار إطلاق الصواريخ على السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء لإحراج الكاظمي، وقيام بعض فصائل الحشد بنشاطات عسكرية، ترتقي إلى مستوى نشاطات داعش قبل أعوام.

اقرأ أيضاً: هل يعيد التفجيران الانتحاريان في العراق تشكيل موقف "الانسحاب الأمريكي"؟

رابعاً: معروف أنّ مشروع الكاظمي يواجه جملة من التحديات تقودها التيارات السياسية الموالية لإيران، بما فيها المتغلغلة في كافة أجهزة الدولة العراقية ومفاصلها، وخاصة الأمنية وأجهزة مكافحة الإرهاب، وربما كانت استقالة وزير الداخلية في حكومة الكاظمي، بالإضافة لتصريحات شخصيات مثل نوري المالكي ما يعطي مؤشرات على موقف إيران من مشروع الكاظمي، بالإضافة لأول رد فعل للكاظمي بعد عملية داعش بأنها تستوجب الإصلاح في الأجهزة الامنية، وهو ما يعني أنه يشير إلى خلل في هذه الأجهزة أسهم في نجاح داعش بتنفيذ عمليته.

مشروع الكاظمي يواجه جملة من التحديات تقودها التيارات السياسية الموالية لإيران بما فيها المتغلغلة في كافة أجهزة الدولة العراقية ومفاصلها

في العراق، أن يقوم تنظيم داعش بتنفيذ عملية انتحارية في منطقة شعبية في بغداد أغلبية سكانها من أبناء الطائفة الشيعية، يعني إعادة إنتاج سياقات طائفية تنفذ من خلالها إيران لتخفيف الضغوط على حلفائها وأداتها الرئيسية الحشد الشعبي، بوصفه الجهة الأقدر على مواجهة الإرهاب، وإضعاف حكومة الكاظمي، وإظهار عجزها في مواجهة الإرهاب، بالإضافة إلى تحويل اتجاهات الصراع في العراق بأنه مع داعش وحواضنها وليس مع الحشد الشعبي، وهو ما يفسّر اندفاعة فصائل شيعية تابعة للحشد الشعبي لتحميل "السعودية" مسؤولية التفجير.

وبالتزامن، فإنّ القيادة الإيرانية ترسل رسالة إلى الإدارة الأمريكية الجديدة في إطار إظهار أوراق التفاوض معها، والتذكير بها بقدرتها على اللعب في الساحة العراقية وبالاتجاه الذي يخدم مصالحها، وقدرتها على إفشال أيّ مشروع أمريكي في العراق، وهو ما يعني أننا ربما نكون أمام سيناريو عمليات جديدة تنفذها داعش أو القاعدة أو تنظيمات الحشد الشعبي بمقاسات ومتطلبات إيرانية، تخضع لشروط إيران ومدى خدمتها لمشروعها ومفاوضاتها القادمة مع إدارة بايدن.

الصفحة الرئيسية