لماذا لم تعد لحوم العلماء مسمومة؟

لماذا لم تعد لحوم العلماء مسمومة؟


25/10/2018

فجأةً، ودون سابق إنذار، وجدوا أنفسهم واقفين بلا تسمية، وحدهم بين حاشية تتآكل مع الوقت، اختلطت حقولهم، وبلا أيّ سقف رمزي وجدناهم تحت أقبية البرلمان، بعد عقود من تجريم الديمقراطيّة، والحضّ على السكوت واللاثورة، بذريعة "السمع والطاعة". هكذا، يبدو أنّ الثورات التي وقعت لم تقع إلّا على رؤوسهم، وهم الذين أنكروها حين شبّتْ نيرانها في الشوارع، وارتقت الحناجر فوق الدولة: مَن يكون هؤلاء الخارجون على الدولة، الذين شابت فيهم القوانين، ولم يعودوا يعرفون أيّ معنى لذواتهم سوى ما تركوه على أوراق الدولة من أرقام الهُويّة، التي يُقتلون باسمها؟

الثورة هي حدثٌ سريع خاصّة في حالة الثورات العربيّة التي قامت بلا أجندة أو أيديولوجيا

بقدر ما كانت الثورة مُشكلة لهم، بقدر ما أساؤوا نمط حضورهم الاجتماعي بعدها. ويبدو أنّ الثورة فرضتْ أفقاً للنّقاش، ومساحةً من "الكشف" و"التّعرية" لم تعد أمامها أيّة قوة رمزيّة تمتلك صلاحيّة مناسبةً لتُدخِل في هذه المساحة ضدّاً عليها: مع الثورة أو ضدّ الثورة، مع تسييرها نحو آفاق ما قبل ثوريّة، وإدخالها في نقاشات ليستْ نقاشاتها؛ هكذا فعلت القوى الشرعيّة المحافظة التي كانت الثورة بمثابة حدثٍ مريب بالنّسبة إليها.

تمثّل جُملة القناعات الرمزيّة التي كانت على "العلماء"، والتجديف الهائل نحو وضعهم في جزيرة غير اجتماعيّة، كأنّهم ما بعد اجتماعيين، أحد أوجه الاستبداد الذي سقط مع الثورات العربيّة. فإضافة إلى أن إستراتيجيّة "لحوم العلماء مسمومة" (أقول إستراتيجيّة وليستْ عبارة؛ لأنّ هذه العبارة تمثّل خطّة لرؤية العلماء ودورهم الاجتماعي الرمزي، وليس مجرّد عبارة تبجيليّة. علينا في كثير من الأحيان أنْ نفهم العبارات كما تقول هي) تعملُ، منذ زمن فقهي طويل، لتقديس سلطة العلماء، من حيث هم منتجو العلم في المجتمع، فإنّ هناك أيضاً إستراتيجيّات استبداديّة كانت رائجة، كالحفاظ على الدولة، وعدم الخروج عليها بالكلام، والحفاظ على الأمن الداخلي. كلّ ذلك من جملة الاستبداد الذي سقط، ولن يعود. فعندما تقوم ثورة كبيرة كتلك التي قامت عربيّاً، فإنّها تعيد كلّ شيء إلى إطاره الطبيعيّ وتضع كلّ شيء محلّ شكّ ونظر. فالثورة مقدرة عالية على الشكّ، ورومانسيّة تفكّر وتحلم بعيداً.

المجتمعات عموماً هي مساحة واسعة لعدّة حقول متمايزة فهناك الحقل الدّيني والحقل الفلسفي والحقل السياسي وغيرها

إذا أردنا أنْ نفهم "العلماء" ودورهم في سياق اجتماعي، فيتوجّب أنْ نحلّل مفهومين اجتماعيين اشتغل عليهما بيار بورديو لنفهم الميّزة الرمزية للعلماء، وكذلك كي نجيب عن السؤال الملحّ؛ وهو لماذا لم يعد للعلماء دور اجتماعي بعد الثورات العربيّة؟ هذان المفهومان هما:

-   مفهوم "الحقل".

-  مفهوم "الرأسمال الرمزي".

إنّ المجتمعات عموماً هي مساحة واسعة لعدّة حقول متمايزة، فهناك الحقل الدّيني والحقل الفلسفي والحقل السياسي، وإلى غير ذلك من الحقول، فكلّ حقل من هذه الحقول يقوم بالأساس على إنتاج خطاب قائم على موروث متلقّى من السابقين، وداخل كلّ حقل يوجد عدّة اهتمامات، سواء أكانت معرفيّة أم سياسيّة أم ذوقيّة، وهذه الاهتمامات هي اهتمامات بنيويّة؛ بمعنى أنّها شروط قبليّة تم الاتفاق عليها ضمنيّاً، والداخل إلى هذا الحقل لا بدّ أنْ "يلعب" ضمن شروط هذه اللعبة المتّفق عليها.

اقرأ أيضاً: لماذا انتصر إسلام الخاصّة على إسلام العامّة؟

يقول بورديو: "إنّ حقلاً ما، يُحدّد من بين أشياء أخرى بتحديد تحديات واهتمامات معينة لا يمكن أنْ تُعزى إلى تحدّيات ومصالح تخصّ حقولاً أخرى، ولا يدركها شخصٌ لم يُعَدّ للدخول في هذا الحقل. ومن أجل أنْ تسير الأمور في حقل ما، يجب أنْ تكون هناك تحدّيات وأشخاص مستعدون لممارسة اللعبة، ويملكون المتّصل الوراثي الذي يستوجب المعرفة بالقوانين الخاصّة باللعبة والتحديات والإقرار بها، وما إلى ذلك".

تمايُزُ الحقل، اجتماعيّاً، يجعل لكلّ حقل رموزه الذين يمتلكون أدواته وهم المُتّفق عليهم اجتماعيّاً بأنّهم الحرّاس الرسميون لذلك الحقل. وإن تدخّل عالم حقل السياسة في حقل الفلسفة مثلاً، فإنّ ذلك يجعله طريداً وغير معترف به، بل يُبدّع على ذلك؛ لأنّ تمايز الحقول يفرض هذا السياج نوعاً ما.

اقرأ أيضاً: التراث كمسرح لرغبات الحاضر: البحث عن عقلانية "إسلامية"

يحيلُنا هذا إلى المفهوم الثاني، والذي أحاول أنْ أدمجه في مفهوم "الحقل" السابق، أعني مفهوم "الرأسمال الرمزي". والمفهومان يشتبكان ببعض بطرافة عالية، بحيث يمكن تفسير الثاني من خلال الأول. فإذا كان الحقل الديني له حرّاسه الذين اتُّفق عليهم اجتماعيّاً (لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الاتفاق ضمنيّ هنا ورمزي، وليس ماديّاً ملموساً بأرقام وحسابات، بل يتمّ "الاعتراف" بذلك ضمنيّاً ووراثيّاً كما وضحت أعلاه)، فإنّ للعلماء القائمين عليه رأسمالهم الخاص، بيد أنّ هذا الرأسمال يسمّيه بورديو بالرأسمال الرمزي؛ أي تلك العوامل والأدوات المتاحة للفرد في حقلٍ ما، والتي من خلالها يبدع موارد ذلك الحقل، ويكون لذلك الرأسمال قبول اجتماعي كأيّ رأسمال مقابل له، أي إنّ مفهوم الرأسمال الرمزي كذلك يتأسّس على مفاهيم كالسلطة والاعتراف والشرعيّة.

اقرأ أيضاً: كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟

الرأسمال الرّمزي هو سلطة أيّ عامل في حقل اجتماعي، من خلاله يتمّ الاعتراف به والتداول معه على أساسه، بحيث إنّ افتقاده يعني غياب هذه المسؤولية التي يحملها على عاتقه تجاه الحقل الذي نتجَ عنه. ويربط بورديو الرأسمال الرمزي كذلك بالاستحسان والقبول العامّ، كما أنّ ثمّة شرعيّة لا بدّ أنْ يتلقّاها الفاعل الاجتماعي من حقله، أوّلاً، كي يمتلك موارد هذا الحقل الرمزي.

اقرأ أيضاً: إرهاب البلاغة: لماذا علينا ألّا نقع في هوى السلطة؟

بناءً على هذا التحليل الاجتماعي لمفهومي الحقل والرأسمال الرّمزي، يمكن أنْ نفهم ظاهرة "العلماء" في سياق اجتماعي. فالعلماء في عالمنا العربي والإسلامي يقومون على الحقل الديني، وهم مشرّع لهم منذ البداية على الإنتاج في هذا الحقل، ومن ثمّ فإن المجتمع يعترف بهم كمنتجيين للعلم الديني، بحيث لا يؤخذ الدين عن سواهم، لأنّهم هم أصحاب "الرأسمال الرمزي" للحقل الديني في المجتمع عموماً، ومعنى أنْ تأخذ الدين (العلم والفتوى إلخ) من غير العُلماء المعترف بهم، أنّك تشوّش على الحقل وعلى الفاعلين فيه.

انتقال العلماء من الحقل الديني إلى السياسي بلا أيّ تشريع نظري مسبق جعله فاقداً للمعنى

ومع نشوء الثورات العربيّة، وهو حدث سياسي اجتماعي بالأساس، حصل جدل هائلٌ في الحقول المجتمعيّة العربية: الحقل الأكاديمي (الجامعة)، والحقل الديني (العلماء والفقهاء والمحافل العلميّة المعترَف بها)، والحقل السياسي النظامي (النظام وإعلامه وحاشيته). هذا الجدل الهائل أسفر عن موقفين مهمّين اجتماعيّاً، هما: المشاركة في أفق الثورة بما هي كذلك، أو التنكّر لها وتصدير الرواية الرسميّة للدولة لهذه الثورات (علينا أنْ نلاحظ أنّ كثيراً من الحقول المجتمعيّة في حالتنا العربيّة ليست سوى جزء من الدولة، بل يمكن أنْ أجازفَ فأقول إنّنا لم نعهد بعدُ عربيّاً هذا التفريق بين الدولة والمجتمع، نحن نعيش في دولة أبويّة، لا تقوم على التمييز بين المجتمع والدولة، ويبدو أنّ هذا التفريق ترف ميتافيزيقي ما زلنا نحلم به).

والعلماء، كممثلين للحقل الديني، كانوا من أكثر الفاعلين الاجتماعيين تردّداً في واقعة الثورة لما يأتي:

أولاً: أنّ ثمة صراخاً نظريّاً طويلاً تمّ تصديره من قِبلهم للمجتمع بأنّ الثورة فتنة، والمظاهرات خروج على وليّ الأمر، إلى آخر تلك المقولات، بحيث ترسّخت مجتمعيّاً، وصار تغييرها يحتاج إلى عقود نظريّة أخرى كي تأخذ الاعتراف إيّاه مرّة أخرى.

ثانياً: أنّ الثورة هي حدثٌ سريع، خاصّة في حالة الثورات العربيّة، التي قامت بلا أجندة أو أيديولوجيا، أي بلا تفكير مخطّط ومسبق، ولم يتعوّد هؤلاء العلماء على الحدث السريع، نتيجة التقليد المسيطر على مخيالهم.

ثالثاً: أنّ التفكير في مسائل مدنيّة ليس بشاغل للعلماء، بل هم يقيمون –ضمنيّاً- تمايزاً بين الدين والدنيا، بقصر الأول على الروح والثاني على المادّة، وهي نفس آفة العلمنة التي تفرّق المجموع، وتَفصل المتصل، بحسب طه عبد الرحمن.

اقرأ أيضاً: تحوّلات الإصلاح الإسلاميّ: من الدين إلى الدولة

كلّ ذلك جعل انتقالهم من الحقل الديني إلى الحقل السياسي بلا أيّ تشريع نظري مسبق لشرعية الانتقال والاعتراف به، فاقداً للمعنى، وأيضاً أفقدهم رأسمالهم الرمزي الخاصّ بإنتاج العلم الشرعي. لقد انتقلوا إلى حقل لا يمتلكون فيه أيّ رأسمال رمزي.

لم تعد لحوم العلماء مسمومة الآن؛ لأنه لم يعد لديهم رأسمال رمزي، لم يرتّبوا علاقتهم بالحقول، بل هناك تداخل مصطنع وغير مبرهن عليه بين الحقل الديني الذي يمتلكون فيه رأسمالهم الرمزي وبين الحقل السياسي الذي هو قرية معزولة بالنسبة لهم. ولكي يعيدوا تسميم لحومهم مرّة أخرى قبالة الفاعلين الاجتماعيين فعليهم أنْ يرتّبوا تلك العلاقات الملتبسة. ولكن هل يمكنهم ذلك الآن؟

الصفحة الرئيسية